الجمعة، أبريل 29، 2011

«ما بعد الإيديولوجيا». كنزوع إلى الهيمنة على التاريخ!.




تكاد العقود الأخيرة من القرن الفائت أن تكون فضاءً لإعلان "النهاية" وابتداء عصر الـ "ما بعد"؛ وعلى النحو الذى بلغ ذروته مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار جدار برلين، واختفاء الاتحاد السوفيتى وسقوط الكتلة الدائرة فى فلكه، عند مطلع تسعينيات القرن. 
وككل المفاهيم، جرى استخدام مفهوم ما بعد الإيديولوجيا لإنجاز وظائف راحت تمضى، على العموم، فى مسارين متباينين، أو حتى متناقضين؛ أحدهما "تحرري" والآخر "تسلطي". والحق أن هذا التباين بين مسارين متناقضين فى توظيف مفهوم "نهاية الإيديولوجيا" هو بمثابة مظهر لتوتر أعمق يتجذر فى قلب العقلانية الأوروبية الحديثة التى تبلور مفهوم "الإيديولوجيا" أصلاً داخلها، ولطالما عبرهذا التوتر عن نفسه تحت ذات الأقنعة التى تتبدى اليوم تقريباً.
فقد انبثقت العقلانية، فى سياق مشروع الحداثة الأوروبية، وهى مسكونة بالتوتر بين قوة "النقد" (التى تؤسس لوجهها التحرري) وبين قوة "الهيمنة" (التى تؤسس لوجهها التسلطى فى المقابل)؛ وهو التوتر الذى يضرب بجذوره فى حقيقة أن العقلانية، بما هى مشروع ينبنى فى قلب عملية تاريخية، كانت تنطوى على جوانب متعارضة، أو حتى متناقضة؛ لأنها مشروع تاريخى يحقق اكتماله عبر تجاوزه الدائم لذاته، أى لتناقضاته. 
وعلى هذا النحو تعنى تاريخية العقلانية أن ما تضعه من معارف وفلسفات وأنظمة ومؤسسات، ليس مطلقاً ونهائياً أبداً، بل هو تكوين تاريخى مشروط بجملة سياقات يفقد معقوليته خارجها بما يعنيه ذلك من أنها سرعان ما تكتشف، فى مسار تطورها، حدود ما كانت قد وضعته فى لحظة ما من جوانب تفقد مع التطور معقوليتها، وتتجاوزها إلى وضع جديد يكون هو الأكثر معقولية، لامطلقاً، بل بالنسبة للوضع السابق عليه فقط. ويعنى ذلك أن ما يتم النظر إليه فى لحظة ما على أنه من قبيل اللاعقلي، هو جزءٌ من تركيب العقلانية وتاريخها، ولايمكن اعتباره نقصاً يقوم خارجها؛ على نحو يؤكد ما كان أشار إليه هيجل من أن الخطأ هو جزء من تركيب الحقيقة؛ على أن يكون مفهوماً أنه موضوع للتجاوز والتخطى الدائمين.
ولعل أهم ما يؤول إليه هذا الإنبناء، الذى يكون فيه التاريخ جزءاً من صميم بناء العقلانية وماهيتها, أن تثبيت ما يضعه العقل فى لحظة ما على أنه وضع مطلق ونهائى, ينبغى أن يخضع له البشر, هو فى جوهره ممارسة لاعقلانية, لأنها تستمسك بما لابد أن يتجاوزه العقل, وتطمح إلى تثبيته كوضع نهائى ليس له أبداً ما بعد. وإذ يبدو وكأن هذه الممارسة تنحاز لمبدأ الهيمنة على حساب مبدأ "النقد" التى تكاد تتحدد به العقلانية الحديثة؛ فإنها تضع نفسها فى قلب الإيديولوجيا بما هى وعى زائف وغير مطابق لمنطق كل من العقل والواقع. 
وهكذا فإن مفهوم الإيديولوجيا سينبثق للإشارة إلى ما تضعه العقلانية فى مسار تطورها، كلحظة لها ما بعد، ولكنه يلح على تثبيت نفسه كوضع نهائى ليس له ما بعد. ولعل المثال الأبرزعلى ذلك يتأتى من أن ما عُرف بالعقلانية الوضعية؛ التى انطوت على التسليم بما هو قائم باعتباره واقعة نهائية لاسبيل إلى مناطحتها وإزاحتها، لم تكن فى حقيقتها أكثر من قناع إيديولوجى تحارب به التيارات المحافظة فى الفكر الأوروبى معركتها، أى معركة الرأسمالية المتوحشة فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وذلك فى مواجهة قوى النفى والنقد والثورة التى حافظت على وفائها لجوهر العقلانية التحررى.
فلقد أدركت الرأسمالية أن الأساس الفلسفى الذى أنجزت بفضله انتصارها على الإقطاع، والقائم على تصور العقل كقوة تحرير ورفض, والواقع كصيرورة, والتاريخ كتجاوز, لابد أن يؤول إلى تقويض مسعاها إلى تثبيت نفسها كوضع نهائى لايقبل التخطى والتجاوز، فراحت تتوسل بالوضعية لتهبها أساساً فلسفياً تفلت به من المصير الذى تراه متربصاً بها. ومن هنا فإن الوضعية يسَّرت, على قول هربرت ماركيوز، استسلام الفكر لكل ما هو موجود، وما لديه القدرة على الاستمرار فى التجربة؛ حتى لقد ذكر مؤسس الوضعية صراحة أن لفظ "الوضعى" يتضمن تعليم الناس أن يتخذوا موقفاً إيجابياً 
(لا نقدياً) من الوضع السائد. فالفلسفة الوضعية تستهدف تأكيد النظام القائم ضد أولئك الذين أكدوا الحاجة إلى نفيه؛ وذلك عبر "تعليم الناس أن نظامهم الاجتماعى يندرج تحت قوانين أزلية لا يجوز لأحد أن يخالفها، وإلا كان مستحقاً للعقاب".
وتبعاً لذلك فإن ماركيوز لم يتورع عن القطع بأنها مجرد "دفاع إيديولوجى عن مجتمع الطبقة الوسطى (المهيمن)، كما أنها تحمل بذور تبرير فلسفى للنزعة التسلطية" وإلى حد أنه يندر- على قوله - "أن نجد فى الماضى فلسفة 
(كالوضعية) تطالب بمثل هذا الإلحاح، وبمثل هذه الصراحة، بأن تُستخدم فى حفظ السلطة القائمة وحماية المصالح الموجودة من كل هجوم ثورى"، حتى أن المذهب الوضعى تحول إلى ما يشبه اللاهوت الجامد؛ فصار وكأنه المذهب الكاثوليكى بدون المسيحية" 
(وهنا يُشار إلى أنه قد جرى بالفعل التبشير بها كديانة جديدة). وإذ تفقد الوضعية، هكذا، جوهر ما يميز أى عقلانية حقة، فإنها قد أصبحت مجرد إيديولوجيا، لاتملك من العقلانية إلا مجرد زخارفها الصورية. 
والغريب حقاً أن يُستعاد المشهد نفسه، وبذات تفاصيله الدقيقة، مع نهاية القرن العشرين؛ حين راح يجرى الترويج لليبرالية الغرب التى إنتصرت على شيوعية الشرق، بأنها النظام الذى ينبغى أن يخضع له البشر جميعاً، كوضع نهائى ليس له ما بعد، وكتجسيد لقانون أزلى يحكم عالم البشر بمثل ما يحكم عالم الكائنات الحية جميعاً. فهذا النظام بما يقوم عليه من قانون السوق والمنافسة، هو تفعيل فى عالم البشر لقوانين التنازع على البقاء، والبقاء للأصلح التى تحكم - حسب داروين - عالم الكائنات الحية. فالسوق هو ساحة التنازع على البقاء بين كل الفاعلين الذين لن يُكتب البقاء إلا للأصلح منهم. وإذن فإنها قوانين الداروينية وقد انتقلت من العالم "الطبيعي" إلى العالم "الإجتماعي". 
وغنيٌّ عن البيان أن هذا التصور للإجتماعى محكومٌ بالقانون "الطبيعي" لايعنى إلا أنه محكومٌ بقوانين أزلية لاسبيل إلى زحزحتها أو مناطحتها؛ وبما يعنيه ذلك من أن تلك الليبرالية تقدم نفسها، لابما هى ما بعد "إيديولوجيا" بعينها، بل بما هى ما بعد "الإيديولوجيا" فى المطلق. وإذا كان ما يقدم نفسه على أنه ما بعد "إيديولوجيا" بعينها، لا ينزع عن نفسه صفة أن يكون هو نفسه إيديولوجيا من نوعٍ آخر، فإن ما يقدم نفسه على أنه ما بعد "الإيديولوجيا" بإطلاق، ينزع عن نفسه مطلقاً صفة أن يكون، هو نفسه، إيديولوجيا لها ما بعد. فهو الدائم بلا إنقطاع، والأخير بلا إنقضاء، والمتعالى على أى تغيّرٌ أو فوات. وإذ يبدو هكذا أن ذلك النظام كان يمنح نفسه سمات الدين، ويستولى على صفات إلهه، فإن ذلك كان يعنى أن البشر ينتقلون - مع أنبياء هذا النظام الجدد - إلى مرحلة الدين الخاتم. فالهروب، إذن، من الإيديولوجيا إلى الدين هو ما ينتهى إليه أنبياء الليبرالية، وعلى النحو الذى تنجرف معه الإنسانية ألى ما يبدو وكأنه التحارب بالدين؛ الذى كانت تدعَّى أنها قد تجاوزته، حيث لم يجد الآخرون إلا أن يستدعوا أديانهم القديمة من مراقدها، ليجابهوا هذا النظام / الدين الجديد.
وبالطبع فإنه لاسبيل إلى الخروج من هذا المأزق إلا عبر التأكيد على أن هذا الذى يدفعه الطموح إلى تثبيت نفسه كحضور نهائى خالد، إلى السطو على قسمات الدين وأوصاف إلهه، ليس إلا محض إيديولوجيا لها - بالتأكيد - ما بعد. وأن على البشر أن يتشبسوا بأن للإيديولوجيا دائماً ما بعد، وإلا!.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 29 / أبريل / 2011


الخميس، أبريل 28، 2011

عن الدينى والمدني. وأيهما المرجع للآخر؟




خشية النظر الى الأمر على أنه بمثابة دعم لنظام مبارك ـ الذى لم تعرف مصر مثيلا له فى التعاسة والبؤس إلا فى أشد لحظات تاريخها تدهورا وانحطاطا ـ فإن كثيرين قد أحجموا عن الانخراط فى حوار جدى مع شعارات ورؤى «جماعة الإخوان المسلمين» التى اعتاش نظام مبارك على خرافة أنه بديلها المدنى المتسامح، وهى الخرافة التى لم يتوقف النظام، حتى لحظة سقوطه، عن تسويقها لداعميه فى الغرب وبين شرائح واسعة من الأقباط وغيرهم من الذين خايلهم بالشكل المدنى لدولته عن جوهرها البوليسى السلطوى.
وليس من شك فى أن اختلاف الوضع بعد سقوط مبارك يجعل الحوار مع ما تطرحه الجماعة فرضا واجبا من أجل مستقبل يليق ببلد أبهر العالم، وخصوصا مع الوعى بأن الجماعة لابد، بعد التحرر من كونها موضوعا للاستهداف والمطاردة، أن تصبح أكثر انفتاحا على منطق الانفتاح والتحاور، بعد أن ظلت طويلا لاتعرف إلا مناخات التخوين والتخاصم. وإذن ـ وفى كلمة واحدة ـ فإن الشروط قد توافرت لحوار منتج، بعد أن ارتفع الحرج عن كل من كانوا يحجمون عن التعرض لخطاب الإخوان بعد السقوط المدوى لنظام مبارك الكابوسى من جهة، وبعد أن أصبح الإخوان، من جهة أخري، أكثر قدرة على التحرر من الانحشار فى مواقعهم الدفاعية التى جعلتهم غير قابلين ـ أو حتى قادرين ـ على مناقشة خطاب ظلوا يتمترسون حصونه الصلدة.
ولعل أهم ما تطرحه الجماعة فى سياق النقاش الراهن حول مستقبل مصر بعد سقوط مبارك، يتمثل فيما يجرى الترويج له من سعيها الى بناء «دولة مدنية ذات مرجعية دينية»، وعلى النحو الذى يمكن معه تأكيد أن مفهوم 
«المرجعية الدينية» للدولة يتميز بحضور بالغ المركزية فى مقاربة الجماعة لمستقبل الدولة المصرية. وضمن هذا الحضور المركزى الذى تقدم فيه الجماعة ترتيبا للعلاقة بين الدينى والمدنى على نحو يكون فيه الدينى هو المرجع المحدد للمدني، فإنه يلزم التنويه بأن هذا الترتيب للعلاقة يقوم على نوع من الافتراض المضمر بأن الدينى هو الإلهى الثابت، فى مقابل المدنى الذى هو الإنسانى المتغير، وعلى النحو الذى لابد معه أن يدور المدنى المتغير حول الدينى الثابت، أو حتى وراءه. فإذ «المرجع» هو ما يتم الرجوع اليه التماسا لمخرج من خلاف، فإنه كان لابد من تصوره على نحو من الثبات الذى يسهل افتراضه فى الديني/ الإلهي، بأكثر من المدني/ الإنساني.
وإذا كان أحدا لايجادل فى افتراض أن «المدني» هو الإنسانى المتغير، فإن الافتراضى القائل بأن «الديني» هو الثابت على النحو الذى يجعل منه مرجعا، إنما يحتاج الى نوع من التحديد والضبط. إذ الحق أن تأملا ـ ولو أوليا ـ فى الدين ـ أى دين ـ يكشف عن إمكان التمييز فيه بين جانب عقيدي/ تعبدى ينتظم علاقة الإنسان بربه (وهو ما يقال أنه يختص بالشأن أو المجال الخاص)، وآخر تشريعي/ تعاملى ينتظم علاقة الإنسان (فردا وجماعة) بغيره (وهو ما يقال أنه ـ على عكس سابقه ـ يخص الشأن أو المجال العام). وضمن سياق هذا التمييز، فإن الدين يقبل ـ وذلك بحسب الإسلام نفسه ـ أن يكون، فى جانبه العقيدي/ التعبدي، موضوعاً للإتفاق بين أهل الأديان جميعا، «قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولانشرك به شيئاً ولايتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا إشهدوا بأنا مسلمون»، ولكنه ـ وبحسب الإسلام أيضاً ـ يقبل أن يكون، فى جانبه التشريعي/ التعاملى موضوعاً للاختلاف والتباين، حيث «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً». وإذن فإنه لايمكن افتراض الدين موضوعاً للثبات إلا فى أحد جانبيه (وأعنى جانب العقيدة وليس الشريعة)، وليس أبداً على نحو مطلق، وهو مايكاد أن يكون موضوعاً لاتفاق الكافة تقريباً، وعلى النحو الذى لايختلف فيه القرطبى مع محمد عبده أو الشيخ شلتوت. إذ الحق أن الجانب التشريعى للدين لايختلف فقط من دين الى آخر، بل ويختلف ضمن نفس الدين من لحظة الى أخري، ومن بيئة الى أخري. وإذ يستحيل رد هذا الاختلاف، فى الجانب التشريعى من الدين، إلا إلى اختلاف الوضع الإنساني، حيث «لاخلاف ـ حسب القرطبى بين العقلاء على أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية. وأن العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعى أحوال العليل، فراعى ذلك خلفيته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو خطابه يتبدل». وهكذا يعلق القرطبى تبدل الخطاب (الإلهي) على تبدل مصالح البشر الدينية والدنيوية (أو المدنية)، وعلى النحو الذى يكون معه «المدني» المتغير أو المتبدل هو «المرجع» المحدد لما يراه تبدلا فى الخطاب الإلهى للبشر. وبالطبع فإن ذلك يعنى أن تحولات «الديني» الذى تريد منه جماعة الإخوان المسلمين أن يكون مرجعاً للدولة المدنية، يكاد ـ هو نفسه ـ أن يجد مرجعيته فى تحولات الإنساني/ المدني. وإذا كان القرطبى يجعل التبدل يطال الخطاب الإلهى الى البشر على العموم، فإن حضور التبدل ضمن الجانب التشريعى من هذا الخطاب يكون أولى لامحالة، وأعنى من حيث يتعلق هذا الجانب بواقع البشر الذى يتغير ويتبدل، وليس بعقائدهم التى يلزم تصور أنها الأكثر ثباتاً ودواماً. ولعله يلزم التنويه، هنا، بما صار إليه القرطبى من أن عدم ربط تبدلات الخطاب الإلهي، بتبدلات مصالح البشر وواقعهم سوف يؤدى لامحالة ـ الى وصم الله «بالبداء» (أو الجهل)، وهو ما لايمكن قبوله فى حق الله أبداً. ولعل ما يعنيه منظرو الإخوان المسلمين بالدين كمرجع للدولة إنما ينصرف الى هذا الجانب التشريعى من الدين الذى يتعلق بعلاقة الإنسان بغيره، وذلك بما هو الجانب الأكثر اتصالاً بجوهر الدولة التى هى وبحسب النشأة ـ محض إطار لتنظيم العلاقة نفسها للإنسان (فرداً وجماعة) بغيره. وينبنى ذلك على أنه لايتصور أن تتخذ الدولة مرجعيتها مما يخص علاقة الإنسان بربه، وذلك ابتدا من خصوصية وفرادة تلك العلاقة على نحو لايمكن معه أن تكون مرجعاً لما به تنظيم علاقات المجموعة. وإذا لايبقى والحال كذلك ـ إلا أن الجانب التشريعى من الدين الذى ينتظم علاقة الإنسان بغيره، هو المقصود عند الحديث عن مرجعية دينية للدولة المدنية، وهو الجانب من الدين الذى يجد ما يؤسس لما فيه من الاختلاف والمغايرة ـ غير القابلين للإنكار ـ فى الوضع الإنسانى المدني، فإن ذلك يعنى وللمفارقة ـ أن المدنى هو المرجع للديني، وليس العكس. وحين يظل أحدا يتحدث، بعد ذلك، عن «الديني» كمرجع «للمدني»، فإنه لايفعل إلا أن يخفى «رؤيته» المدنية بطبيعتها وراء «الدين» ليضفى عليها حصانة تسمو بها فوق منطق الفهم والمساءلة، وهو المنطق الذى اشتغل به النظام الذى تسعى مصر الى تجاوزه والانفلات من أحابيله.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 28 / أبريل / 2011


الجمعة، مارس 25، 2011

الدولة المدنية وبديلتها الشمولية




إذا كانت "المدنية" هى السمة، التى يكاد يتوافق عليها الكافة للدولة المأمولة فى مصر بعد ثورتها التى تجاهد من أجل أن تكون حدثاً تأسيسياً، فإنه يبدو - لسوء الحظ - أن تعبير "الدولة المدنية" لا يكاد يجاوز - فى الجدال المصرى الواسع الدائر الآن - حدود الشعار (الذى يجرى التعامل معه كأقنوم مطلوبٌ من الناس أن يتعبدونه، ولو من غير فهم) إلى المفهوم المنضبط (كنتيجة لخضوعه لعملية فهم ومساءلة). 
ولسوء الحظ، فإن ذلك يعكس إستمراراً لطريقة المقاربة "البرانية" للمفاهيم، مع إهمال المكونات "الجوانية" التى تؤسس لها؛ وهى الطريقة المسئولة، بالأساس، عن حال التأزم والإنسداد الذى بلغته الدولة العربية الراهنة. فهى الطريقة التى جعلت تلك الدولة تتعامل مع "الديمقراطية" - مثلاً - على أنها جملة هياكل برانية صورية، مع إهمال مكونها الجوانى التأسيسي، وعلى النحو الذى تحولت معه تلك الهياكل البرانية إلى أقنعة لإستبداد الحاكم وتسلطه. ولقد بلغت شكلانية وبرانية مفهوم "الدولة المدنية"، فى الجدل الراهن، حداً راح معه كثيرون يختزلونه فى رداء القائم على رأس الدولة (أو صاحبها بلغة ابن خلدون). وتبعاً لذلك، فإن الدولة تكون مدنية، طالما أن القائم على رأسها لا يعتمر قبعة "العسكر" أو عمامة "رجال الدين"، وأما المبدأ "الجواني" المؤسس لمدنية الدولة، فإن أحداً لا ينشغل بالسؤال عنه. وينسى الناس أنه مع غياب هذا المبدأ الجواني، فإنه لن يكون ممكناً بناء الدولة المدنية، ولو كان القائم على رأس الدولة من غير العسكر ورجال الدين. بل إنه قد حدث أن قام على رأس الدولة العربية من جاء من خارج دائرتى العسكر ورجال الدين، وأجبره غياب المبدأ المدنى للدولة على أن يرتدى زى الجنرالات أو الفقهاء؛ وذلك بمثل ما حدث فى كلٍ من سوريا والمغرب.
فالكل يتذكر ما جرى مع الرئيس السورى الحالى الذى ورث السلطة عن أبيه قبل بضع سنوات؛ حيث فرض عليه النظام أن يصبح جزءاً من مؤسسة العسكر (فيصبح جنرالاً فى جيش البلاد) قبل أن يصبح رئيساً. وهو نفس ما جرى، ولكن فى إتجاه آخر مع الملك محمد السادس فى المغرب، حيث ألزمه النظام أن يحمل كجزء من لوازم المُلك وتبعاته لقب "أمير المؤمنين" بما يحمله من دلالة دينية كثيفة. وبالطبع فإنه لا يمكن النظر إلى ما جرى من ارتداء أحدهما زى الجنرالات ووضع الآخر لعمامة "أمير المؤمنين" على رأسه، بوصفه إلغاءاً لمدنية دولتيهما، بقدر ما هو علامة على غياب تلك "المدنية" أصلاً. فالمدنية لم تغب عن الدولة لإرتداء الرجلين؛ أحدهما زى الجنرالات والآخر زى الفقهاء، بل إنهما قد إرتديا هذين الزيين لغياب المدنية أصلاً، وعلى نحو تبدو معه مسألة الزى هى بمثابة "نتيجة" لغياب المدنية، وليست "سبباً" لها. 
ولسوء الحظ فإن الإنشغال الراهن بالزى الخارجى للحاكم، على حساب وجوب السعى إلى ترسيخ المبدأ الباطنى الجوانى للمدنية، يبدو إنشغالآً بالهامشى والعارض، على حساب الجوهرى واللازم.
ولعله يبدو هكذا أنه إذا كانت العبرة فى مسألة "مدنية" الدولة، هى فى جوهرية حضور المبدأ الجوانى المؤسس لها، وليس فى زى القائم على رأسها، فإنه لن يؤثر فى مدنية الدولة أن يكون القائم عليها ممن يرتدون زى العسكر أو رجال الدين، طالما أن المبدأ الجوانى المؤسس لتلك المدنية قد تحقق، وحظى بإحترام الكافة، أولاً. ولكن ما هو هذا المبدأ الجوانى الذى يؤسس لمدنية الدولة؟
إن "المدنية" هى سمة لصيقة بالدولة، وإلى حد إمكان القول بأن تعبير "مدنية الدولة" يكاد يساوى تعبير "مائية الماء". فليس من "دولة" إلا وهى "مدنية" بطبيعتها، ولا يمكن أن تكون غير مدنية إلا حين تخون طبيعتها. فقد نشأت الدولة كآداة لإستيعاب تحول الإنسان من حال الوجود الطبيعى (الذى ينشغل فيه الفرد بمجرد إشباع حاجاته وغرائزه الطبيعية) إلى حال الاجتماع المدنى (الذى ينشغل فيه بما ينظم حاجته للإجتماع الضرورى مع الآخرين). 
وهنا فإنه إذا كان القانون الحاكم لحال الوجود الطبيعى للبشر هو قانون "سيادة الأقوى" الغالب فى الطبيعة، فإن القانون الذى ينبنى عليه الإجتماع المدنى هو قانون "الحق" الذى تصوغه الجماعة - على قول جون لوك - "شاملاً ووافياً لحاجة الجميع"، وبما يعنيه ذلك من أن الدولة المدنية هى، فى جوهرها، دولة "الحق"، وليست دولة "القوة" أو الإكراه والقمع. 
وإذ تتعدد الطرق إلى هذا "الحق" الذى هو جوهر الإجتماع المدنى وروحه، فإن مدنية الدولة لا تفارقها إذا ما حكمتها شريعة "عقلية" أو "دينية" طالما كانت تلك الشرائع قائمة على الفاعلية الكاملة لمبدأ "الحق". فالحق أن "الديني" يمكن أن يكون، شأنه شأن "العقلي" تماماً، طريقاً إلى "الحق"، على أن ذلك يستلزم إشتغالاً معرفياً واسعاً يرفع ما جرى ترسيخه من التعارض بينه وبين المدنى. 
وهنا فإنه إذا كان قد حدث أن هذا "الديني" قد إستحال إلى قناع للتسلط والتمييز، فإن "العقلي" لم يفلت، بدوره، من أن يكون طريقاً إلى أعتى ضروب التمييز والقمع. وبالطبع فإنه إذا كانت الخبرة التاريخية للإنسانية تكشف عن قدرة البشر على تعرية كافة الأنظمة التى تتسلط عليهم بإسم "العقل"، فإنها تؤكد قدرتهم، بالمثل، على فضح من يمارسون ذات التسلط عليهم بإسم "الله". وعلى أى الأحوال، فإنه يبقى أن ذلك يؤشر، لا على تعدد الطرق إلى "الحق" فقط، بل - والأهم - على أنه ليس ثمة طريق جاهزاً إليه، بل إن البشر يصنعون طريقهم إليه فى قلب تجربتهم الخاصة، ولا يستعيرونه مكتمل الصنع من خارجها. 
وإذا كان قد بدا، هكذا، أن الدولة، على العموم، هى "آداة" الإنسان فى تنظيم إجتماعه المدنى على قاعدة "الحق"، فإنه كثيراً ما حدث أن إنحرفت الدولة عن هذا الدور الذى أراده لها منشئها؛ الذى هو الإنسان لا محالة. 
وهكذا فإنها راحت تحيل نفسها إلى "بقرة مقدسة" يتعبدها الناس ويتبركون بفضلاتها. ولعلها بذلك كانت تتنكر لإنسانيتها، وعلى النحو الذى أحالت معه الإنسان إلى "آداة" فى يد قوة عمياء باطشة. 
وغنيٌّ عن البيان أن الدولة عندئذ تكون قد خانت طبيعتها كدولة مدنية، وتحولت إلى ما جرى التعارف على أنه الدولة الشمولية. فهذه الأخيرة هى دولة الفكرة المغلقة المطلقة، بصرف النظر عن مضمون تلك الفكرة الذى قد يكون دينياً أو حتى علمانياً. إنها الفكرة - الدوجما التى تعلو فوق البشر الذين يجرى النظر إليهم كمجرد آدوات أو أشياء تتحقق بواسطتها تلك الفكرة. وإذن فإنها الدولة التى يستحيل معها الإنسان إلى مجرد آداة فى قبضة قوة مجاوزة له؛ سواء كانت تلك القوة هى الله (أو الناطقين بإسمه بالأحرى)، أو الزعيم (الإنسان الأعلى) أو الحزب أو الطبقة أو الطائفة أو العشيرة أو حتى النظرية العلمية، أو أى أنظمة مجاوزة لوجود الإنسان بما هو كينونة فاعلة حرة. 
ولعل ما يبدو، على هذا النحو، من أن وسيلة الشموليات فى إنتاج نفسها تنبني، بالأساس، على تكريس تصور الإنسان "الأداة"، وليس "الفاعل"، يدفع إلى الإنهاء بمشهد ذلك الرجل الذى إختار أن يقف ليلة الإحتفال العارم بتنحى الرئيس "مبارك"، حيث توقف رجلٌ فى منتصف كوبرى قصر النيل - المؤدى إلى ميدان التحرير - رافعاً لوحة كتب عليها: "الله وحده هو الذى أسقط النظام"، فبادرته بالسؤال: وماذا كان يفعل كل هؤلاء الناس على مدى الأيام السبعة عشر الماضية؟، وأردفت: لماذا يا سيدى تحاول أن تسلب الناس حقاً ينبغى نسبته إليهم؟، لكأنك تقول لهم: كفوا عن إحتفالكم بنجاحكم فى إنفاذ إرادتكم التى ظل يدوى بها هتافكم "الشعب يريد إسقاط النظام"، فليس لكم أى فضل فيما حدث، بل الفضل لغيركم. فرد الرجل قائلاً: إن الناس كانوا مجرد سبب أو "آداة" لله، لا غير. لم يكن المقام يسمح - طبعاً - بالمزيد من النقاش، ولكنه حدث أن جمعاً من الشباب كان يتابع الحوار، قد رفض أن يقوم الرجل، ولو عبر مراوغة التخفى وراء الله، بإهدار ما قام به الملايين من الشيب والشباب، فهتفوا: "الشعب هو الذى أسقط النظام". ورغم ما ينطق به هتاف الشباب من وعى باهر، فإن المرء يخشى من أن البعض- ولو ببراءة وحسن نية - يدفع العربة فى اتجاه شمولية يمارس فيها البعض تسلطه من وراء قناع مختلف. إذ الحق أن عبارة "الله وحده هو الذى أسقط النظام" ليست- فيما قد يرى الكثيرون- مجرد تعبير عن موقف "إيمانى" مخلص، بقدر ما تعبر، وبامتياز، عن موقف "سياسي"، يجاوز- فى الحقيقة - إيمان الرجل وتقواه. 
فإنه حين يحاول البعض السطو على الدور الفاعل والمشهود للناس، ليردوه إلى الله، فإن ذلك يكون من قبيل الرد إلى الله بالمجاز، وأما فى الحقيقة، فإنهم يردونه إلى "ذلك" الذى ينطق بإسمه ويتخفى وراءه (سواء كان فرداً أو جماعة). وهنا تقوم المشكلة.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 25 / مــــارس / 2011

السبت، مارس 19، 2011

حوار الدكتور علي مبروك مع جريدة الأهرام عن مفهوم الدولة المدنية

علي مبروك:  

 أخشي أن يتحول مفهوم الدول المدنية إلي شعار سطحي للمرحلة


يسود المناخ المصري الآن نوع من
(الجوبلزية ـ نسبة الي جوبلز) وزير الدعاية أيام هتلر
 فكلما تحدث شخص عن أفكار أو تعرض بالتحليل للثورة المصرية بشكل نقدي تحسس الآخرون مسدساتهم أو عدتهم الفكرية
وكأن الثورة فعل لابد أن يتحقق بمعزل عن أي فكر أو معرفة نقدية،
 وهذا مكمن خطر كبير كما يري
الدكتور علي مبروك استاذ الفلسفة بجامعة القاهرة،
فإفتقار الثورة للخطاب المعرفي أو للفكرة التي توجهها يخاطر بإعادة إنتاج ماثار الناس عليه.
هذا ما قاله مبروك في الندوة التي دعا إليها ملتقي "دروب" الفكري
 يوم الأحد الماضي للحديث عن الثورة والتنوير.
 وأكد علي مبروك أننا ظللنا داخل مشروع نهضة لبناء الدولة الحديثة بدأ مع محمد علي واستمر حياً حتي الآن...
وظل يتجسد في دول كثيرة في العالم العربي عبر نماذج عديدة
مثل الخديوي إسماعيل وجمال عبدالناصر وصدام حسين وحسني مبارك
 والسمة الأساسية لمشروع الدولة العربية الحديثة منذ نشأته مع محمد علي
هو بناء دولة القوة وهذه الاستراتيجية في بناء القوة جعلت الدولة الحديثة
دولة شمولية تسلطت علي المجتمع بشكل كامل وأوقعته في قبضتها
وأصبح مشروع الحداثة العربية لعبة يتقاذفها الجنرال تارة والباشا تارة أخري ويستبعد منها المجتمع.
وفي سبيل بناء تلك الدولة التي استوردناها من الغرب كانت الاستراتيجية هي التمييز في الحداثة بين جانب شكلي يتمثل في الممارسات الحديثة كتكوين الأحزاب والدساتير وإنشاء البرلمانات ومنظمات المجتمع المدني
وبين مضمون نظري يمثل القيم الأساسية التي قامت عليها الدولة الحديثة في الغرب فظلت مؤسسات الدولة الحديثة تعمل بشكل صوري
 فنحن ننقل التقنية دون الفكرة فلا البرلمانات ولا الأحزاب أثرت في السلطة المطلقة للحاكم.
خطاب الدولة العربية التي يزعم أنها حديثة خطاب مأزوم
إذ تنتهي كل الدول التي تجسده دائما بأزمة
 فكما انتهت دولة محمد علي بأزمة انتهت دولة صدام حسين ومبارك وغيرهما، فمشروع هذه الدولة لايملك الأدوات للتطور والبقاء فهو خطاب راكد.
ويتابع قائلا أنه قد أدرك أن دولة مبارك قد بلغت نهايتها حين احترق مبني مجلس الشوري فإذا كان المبني قد انهار فقد اقترب انهيار المعني ايضا.

مبروك شدد على :
"إن تأمل خطاب النخبة المصرية علي مدار قرنين من الزمان يكشف عن جموده وتحجره فنفس الأسئلة التي طرحها الطهطاوي وخير الدين التونسي خرجت بإجابة واحدة وهي ضرورة تطبيق الديمقراطية والتنظيمات السياسية الغربية".
ولكن بعد قرنين نجد أن عبدالوهاب المسيري والسيد يسين مازالا يرددان نفس الأسئلة والإجابات،
وهذا يدل علي أن هذا الخطاب فشل في تقديم حل فاعل للأزمة المصرية، فالدولة العربية الحديثة مازالت تعيد إنتاج دولة ما قبل الحداثة العربية القائمة علي مفهوم القوم والغلبة والشوكة.

مبروك الذي اصدر قبل سنوات كتابه المهم "لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا"
 يعتبر أن الحل يتمثل في:
 أن ننتقل الي خطاب معرفي آخر تنتقل فيه الدولة من دولة القوة الي دولة الحق، فالخطاب القديم الذي تكون فيه الدولة الوصي الذي يحق له فرض رؤاه علي المجتمع باعتباره قاصرا وجاهلا قد وصل إلي نهايته ويجب أن ينتهي الآن خطاب الدولة ويبدأ خطاب المجتمع.
خطاب المجتمع في رأيه يبدأ بأن ننصت إلي أسئلة المجتمع
وأن نتوقف عن فرض رؤانا عليه
لأننا بهذا الفرض نفشل في أن نفهم الواقع والعناصر التي تشكله
فأول خطوة في طريق ايجاد الاجابات الصحيحة لأسئلتنا
هي الخروج من منطق الإجابات الجاهزة الي منطق الحوار والإنصات للآخر في ظرف أعطانا إمكانية للحوار.

يري مبروك أن التحدي الأكبر الذي يواجه المشتغلين بالمعرفة اليوم هو:
 الإنتقال من المعالجة السياسية للمفاهيم الي المعالجة الثقافية،
 فالمعالجة السياسية لمفاهيم الديمقراطية والدولة المدنية أفقرت تلك المفاهيم وأبرزت جوانبها الإجرائية دون مضمونها المعرفي،
اليوم يتحدث الكل عن مفهم الدولة المدنية وتصورهم عنها سطحي للغاية فالبعض يعتقد أن الدولة المدنية تتحقق بأن يتولي الحكم من لم يلبس "عمة أو باريه"
 ـ في إشارة الي رجال الدين والعسكر ـ
 وأخشي أن هذه المعالجة السياسية السطحية لمفهوم الدولة المدنية ستحوله إلي شعار سطحي للمرحلة.

وفي الحوار مع شباب المتلقي نوه مبروك :
بأن هناك إلحاحاً علي وضع الفكر المدني في تعارض مع الدين
 وهو وضع يغفل فيه الناس عن أنه لاتوجد دولة ليست مدنية،
فالدولة هي نتاج الإجتماع المدني بين البشر
 وتقوم الدولة لتنظيم هذه الاجتماع ولتحقيق الانتقال من منطق القوة الي منطق الحق،
الدين هو احد طرق الوصول للحق وتنظيمه ولكنه ليس الطريق الأوحد،
 ومناقشة عقلية للمفاهيم تقول بأن المدني هو القاعدة وليس الديني
 ويضيف أن مناقشة المفاهيم يمكن أن تجنبنا دماء كثيرة ولكن تحويل المفاهيم إلي أوثان لن يؤدي إلي شيء.

وتعجب مبروك من:
ان التيار العلماني الآن هو من يبدي تطرفاً في مواجهة التيار الديني الذي يبدي استعداداً لقبول الدولة المدنية،
وقال ان الخوف من التيار الديني ورفضه ليس هو الحل ولكن الحل هو حوار يخرج هذا التيار من قوقعته ويجره إلي أرض جديدة تمكنه من فحص أفكاره وتصوراته تحت مظلمة أخري مختلفة.

واستبعد مبروك تطبيق تجربة تركيا الآن قائلا:
إن تركيا وراءها 75 عاما من العلمانية التي مكنتها من الوصول لهذا النموذج بينما مصر مازالت ترزح تحت ثلاثين عاماً من الإنشغال باللحية والجلباب.

وأكد إمكانية عبور الفجوة ين المثقفين والجمهور قائلا :
أن هذه الفجوة صنعتها أجهزة الإعلام التي عملت علي تجهيل هذا الشعب فالمصريون لديهم جوع للمعرفة وقد لمست هذا بميدان التحرير في حواراتي مع الناس هناك، ووجدت من بين من لا اهتمام لديهم بالفلسفة مطلقاً شغفاً بمحاولة معرفة ما الذي يمكن أن تقوله الفلسفة في حدث كهذا.


تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 19 مــــــــــارس 2011
بقلم / مــحمــد ســعــــــــــــد


الخميس، مارس 10، 2011

دعوة للبحث عن مفهوم الثورة في التراث



يقول الدكتور علي مبروك،
 أستاذ الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام بجامعة القاهرة،
 إن بداية المسار فيما حدث في مصر يعود إلى عام 1805 حيث شهدت القاهرة القديمة ثورة كثورة ميدان التحرير،
 ثورة قامت لخلع حاكم (خورشيد باشا) وتوليه حاكم آخر (محمد علي)
بشروط الشعب،
 وهوالأمر الذي لم ينجح فيه الشعب حينها حيث فرض محمد علي شروطه هو لأن الشعب فشل في تأسيس شروطه بشكل صحيح،
 وهو ما يخشى د. علي مبروك أن يحدث مجددا في مصر
، مؤكدا أن ما يجب أن يحدث هو تأسيس لشروط الحكم، وهي ليست فقط مجرد الأبنية الدستورية والتشريعية،
 ولكنه تأسيس جيد للشرط المعرفي واضعين في الأذهان أن ما حدث عام 1805 نشأت منه الدولة المصرية الحديثة التي تسود العالم العربي حتى الآن.

"تجربة الحداثة التي سادت في هذه الدولة كان يتم تقاذفها دائما بين جنرال أو باشا، وكان المجتمع دائما مستبعدا من تلك اللعبة".
هكذا يلخص د. علي مبروك تجربة تداول السلطة في الدولة المصرية الحديثة خلال القرنين الماضيين حيث تم إقصاء الأفراد من حسابات رجال السلطة
وهو ما يخشى أن يحدث مجدداً.

والحل يمكن في رأيه في أن تقوم الفلسفة بدورها المنوطة به.
 فهي، على حد قوله، مدعوة إلى القيام بتأسيس نظري للحدث الذي تجري وقائعه
 في مصر كل يوم الآن،
 وإلا فإننا سنعيد انتاج النظام القديم في حلل جديدة.
 
 ويتابع قائلاً:
 إن الثورة المصرية تقول إن التثوير هو ما يقود للتنوير وليس العكس،
 لذلك على الفلسفة أن تقوم بدورها التنويري لبلورة فعل تأسيسي للحدث المصري، وإلا فإننا سنظل داخل اللعبة بين الجنرال والباشا.

 للمقال بالكامل ..
اضـغــــــط هــنـــــــــــــا
تم النشر في جريدة الاهرام المسائي بتاريخ 10 مارس 2011
كتب / محمد سعد


الأحد، أغسطس 29، 2010

نحتاج إلي إصلاح العقل العربي أولاً



"الأهرام المسائي" تفتح ملفات إصلاح الفكر الديني
إيمانا منها بضرورة إعمال العقل وإطلاق الاجتهاد إلي مداه الواسع، دعوة منها إلي وسطية دينية ـ إسلامية ومسيحية، ويقينا منها أن إصلاح الفكر الديني يعد الخطوة الأولي علي طريق المواطنة والحرية والإسهام في الحضارة الإنسانية.
إصلاح الفكر الديني ضرورة ملحة وسنة كونية،
والحديث عن تجديد الخطاب الديني لا يعني المساس بالكتب السماوية،
 فالفكر الديني نتاج بشري في ظروف وواقع تاريخي معين.
 وهناك حتمية يتحدث عنها المصلحون الآن لتجديد الخطاب الديني وإصلاح الفكر وإفاقة العقل العربي من غفلته. 

الدكتور علي مبروك ـ أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة ـ أكد في حواره لـ "الأهرام المسائي"
أن العقل العربي الراهن يعيش أزمات اقتصادية وسياسية وثقافية
 لكونه عقلا غير فاعل وعاجزا عن إيداع حلول لمشكلات واقعه.
كما أن الفكر العربي صار ناقلا مقلدا مكررا بغير فهم لأفكار السلف، فلم يأت بحلول جديدة لمشاكل واقعنا العصري، وهو مايتطلب تغيير البنية العقلية لثقافة المجتمع من خلال وسائل إعلامية وتعليمية جديدة. فإلي نص الحوار..

- ماهو تعريفك لإصلاح الفكر الديني ؟
- أولا يجب أن يعرف الناس أننا عندما نطالب بتجديد الخطاب الديني
لا نتعرض للنصوص المقدسة من الدين في القرآن والسنة.
 لكن نحن نريد إصلاح الفكر الديني وهو المنتج البشري لفهم الدين والنصوص والذي قد يكون صحيحا أو تشوبه أخطاء.
والفكر الديني نتاج علاقة تفاعلية بين الوحي المنزل والعقل الانساني والواقع الذي يعيش فيه البشر في لحظة تاريخية محددة.
 ومادمنا نتكلم عن الفكر فنحن إذن نتحدث عن شيء يمكن التحاور معه بطريقة خلاقة لمناقشته وفهمه، خصوصا أن هذا الفكر الديني المتراكم يشكل ثقافة المجتمع.
 ولاشك أن هناك هوية مشتركة بين الفكر الديني الذي نشأ في فترة تاريخية ما وثقافة مجتمعنا الآن.

- هل تعني أن هناك أزمة في الفكر العربي عامة ؟
- بالفعل عقلنا العربي الراهن في أزمة،
 والأزمة تأتي من كونه عقلا غير فاعل وعاجزا عن إبداع حلول لمشكلات واقعه،
والواقع العربي متأزم اقتصاديا وسياسيا وفنيا واجتماعيا، 
وأزمة أي مجتمع عنوان علي أزمة هذا الواقع،
ومادامت هناك أزمة في الواقع وأزمة ممتدة عمرها قرون فيجب التصدي لها ودراستها ووضع الحلول لها،
 وفي مصر الأزمة مضاعفة فلم نستطع أن نوجد حلولاً لأزمة القمامة لنأتي بشركات أجنبية لحلها،
 رغم أن هذه الشركات لا تأتي بعمالتها بل تأتي بعقلها لحل المشكلة،
وهذا مثال لمدي الأزمة التي نعانيها فكريا وعقليا. وخلال الثلاثة قرون الأخيرة لا يوجد إبداع عربي صدرناه للغرب، أو علي الأقل سعينا به لحل مشاكلنا.
ومن هنا فالأزمة طالت إعلامنا والفكر الديني والدعوة والتعليم وتكاد تكون الأزمة تختزل كل مظاهر الحياة العربية، بالتالي. 
هذا يعني إجمالا أن العقل يعاني من أزمة كبيرة.

- ما الحل لعلاج أزمة العقل العربي ؟
- يجب أن نفتش ونتأمل وندرس الفكر العربي ـ الديني بوجه خاص ـ
وإعادة التفكير في الفكر الديني القديم لا يعني أننا نريد أن ننتقد هذا الفكر بل نريد أن نفهم سر الأزمة.
 فقد توقفنا عن الفكر الديني القديم ولم نعد نفكر بل ننقل الفكر ولا نأتي بجديد،
فالعصر الذي وضع فيه هذا الفكر كان عصرا نشطا ومتقدما،
سعي المفكرون فيه لوضع حلول لمشاكل عصرهم. أما العقل العربي الآن فصار ناقلا مقلدا مكررا لا يأتي بجديد وعاجزا وأصبح عالة علي الآخرين.
- هل الأزمة في تقديس الموروثات الفكرية ؟
- الأزمة ليست في الموروث بل في موقفنا من الموروث، فهل هو موقف المكرر المردد أم الساعي لفهم هذا الموروث ومدي ملاءمته لعصرنا وواقعنا.
وهناك مشكلة أخري تواجهنا الآن وهي موقفنا الآن من الحداثة،
 فإذا دخلنا مرحلة الحداثة بنفس الفكر الجامد الموروث سننتج فكراً مكرراً ليس جديدا عن الفكر الجامد. فللأسف تعامل العرب مع الحداثة فاضح وكارثي. وهنا إذا اكتشفنا أن المشكلة في العقل يجب أن نعمل علي إصلاح هذا العقل. والصيغ القديمة للفكر العربي مازالت ثابتة، فقد دخل العرب القرن التاسع عشر بصيغة فكرية هي نفسها التي دخلوا بها القرن العشرين ثم دخلوا بها القرن الحادي والعشرين وهي صيغة موقف العرب من التقدم والتخلف والحداثة، ومع ذلك لم ينجحوا في اجتياز هذه المسألة.

- ماوسائل إصلاح الفكر الديني إذن ؟
- أولا أريد أن نضع خطة لإصلاح العقل العربي قبل اصلاح الفكر،
 فأزمتنا أزمة عقل يجب اخراجه من أزمته.
 وعلي النخبة المثقفة المصرية من كل المجالات التعليم والاعلام والمفكرين ورجال دين مستنيرين في الأمة العربية أن يحتشدوا لوضع خطة لاخراج العقل العربي عن أزمته.
- هل يمكن القول إن إصلاح التعليم خطوة نحو إصلاح هذا الفكر ؟
- مايحدث في التعليم حتي الآن لا ينبئ باخراج العقل من أزمته،
 فالتعليم للأسف لا يربي ملكات النقد أو الابداع فهو قائم علي الحفظ والترديد.
 وهذا يعني أنه يرفض تشغيل العقل والفهم الذي يفترض مسئوليته عن تنقيح الفكر.
- ماهو دور النخبة المثقفة ؟
- المثقف دوره التأمل والتشخيص ووضع اقتراحات للحلول،
والمثقف المصري موجود من كل التخصصات،
 لكن للأسف النخبة المثقفة تنشغل بالأسئلة الصغيرة عن السؤال الأهم والأكبر وهو إصلاح الفكر والعقل،
وعدم انتباه المثقف للأزمة يعني أنه مثقف مأزوم لا يهمه سوي السلطة فيقدم لها الخطاب التبريري أو التجميلي، يجمل حكمها أو تسلطها مقابل مكاسب يتحصل عليها. لكن هناك محاولات الآن علي نطاق صغير في مناطق مختلفة من الوطن العربي لديها وعي بأن هناك أزمة، والوعي هو بداية الحل للأزمة لأنك عرفت المشكلة.
وعلي النخبة عامة أن تعدل موقفها من التراث والحداثة بشكل عقلي ونقدي لنعلم أين طريقنا للإصلاح.
- هل توعية المجتمع بوجود أزمة في الفكر خطوة نحو الإصلاح ؟
- نعم، فيجب أن يشعر المجتمع بوجود أزمة وأنها هي التي تعرقل تقدمه،
 وهي التي جعلته تابعا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا.
 وهنا نستطيع وضع استراتيجيات عمل لحل الأزمة.
 وهناك تيارات مختلفة تشكلت في الوطن العربي بجهود محدودة لكن ربما تتحول هذه الجهود الي نهر من الفكر تخرج العالم العربي من أزمته.

- هل حل أزمة الفكر يأتي بقرارات سياسية؟
- التفكير بأن القرارات السياسية هي التي تصنع التغيير الفكري للمجتمع تفكير خاطيء،
والمطلوب اختراق ثقافة المجتمع من اتجاهات أخري من خلال تغيير الثقافة وتغيير البنية العقلية من خلال وسائل إعلامية وتعليمية جديدة.
ولدينا نماذج من المجددين في الفكر الديني أمثال محمد عبده لا يزال فكرهم قائما، يجب دراسته ونشرة وإيصاله للناس، بالإضافة الي تنقيح الفكر من الخرافات.

- ما رأيك في الإعلام الديني والفضائيات الدينية؟
- للأسف كل الشعوب استفادت من التكنولوجيا الحديثة بشكل إيجابي لكن نحن عادت علينا بأثر سلبي،
فصارت تلك الفضائيات أبواقاً لنشر أفكار متخلفة ومضللة للفهم الديني.
وبالتالي صارت كل ما تبثه هذه الفضائيات من الثوابت والأمور المسلم بها لدي الناس، فاكتسب ما تقدمه صفة الإطلاق.

- ما علاقة الفكر الديني بالسياسة؟
- للأسف ما يحدث في مصر توظيف للدين في السياسة بشكل بالغ الفجاجة،
 فالمؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية تعمل بالسياسة ويتم استغلالها سياسيا.
قد تتصور المؤسسات السياسية أنها تستخدم المؤسسات الدينية لتحقيق مكاسب ما لكنهم في أغلب الأوقات ـ ولايشعرون ـ ملتهمون من قبل المؤسسات الدينية.
الآن الي علاقة الكنيسة بالدولة تجدها علاقة "عض أصابع" متبادلة وهي مسألة بالغة الوضوح.
وأري أن علاقة الدين بالسياسة "لعبة خطرة" بسبب تأميم المؤسسات الدينية وإخضاعها للسياسة،
 فقد بدأ منذ بناء الدولة الحديثة في عهد محمد علي باشا إخضاع الأزهر لسلطة الحاكم وهو ما أدي الي انهيار دور مشايخ الأزهر،
فلم يعد هناك الشيخ المثقف الحقيقي سياسيا وثقافيا ودينيا، حيث كان رجال الأزهر يلعبون دور "رمانة الميزان" بين السلطة السياسية والشعب، وكانوا يجابهون السلطة ويقودون غضبة المجتمع.

- هل التعليم الأزهري يعاني أزمة بخلاف تأميمه؟
- إذا أخضعت الأزهر سياسيا فأنت طول الوقت تطلب منه إنتاج المواطن الذي تريده السلطة، فهل سينتج الأزهر ثواراً أو مفكرين مثلا.
- وماذا عن إصلاح التعليم الأزهري؟
- أي دعوة إصلاح تستحق التشجيع،
لكن أولا يجب أن نعرف ما هو مضمونه وهدفه ولغته، فهل التغيير سيكون للمضمون أم اللغة أم الفكر؟!.
 لكن الإصلاح الحالي "ترقيع" يثبت النظام القديم مع وضع لمسات جمالية.
 فطلاب الأزهر يدرسون ملخصات الفكر ولا يدرسون أمهات الكتب والنصوص الأصلية،
بالتالي يتخرج طالب الأزهر وهو غير فاهم للتراث الفكري جيدا.
وأرجو أن تتغير فلسفة الأزهر بحيث لا تظل حافظة ومرددة للتراث، بل منتجة لفكر إسلامي يسعي الي الفهم وليس مؤسسة للحفظ.
لكنني واثق أن شيخ الأزهر الحالي بخطواته الإصلاحية سيضع حلولا حقيقية، أرجو أن يوفق في تطبيقها.

- ماذا عن دور المؤسسة الدولية للدراسات القرآنية التي بدأ خطوات إنشائها المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد؟
- المشروع لا يزال في طور البداية،
 وسيكون أقرب الي معهد الكتروني للدراسات القرآنية،
إجراءات إنشائه تمت في إندونيسيا من خلال جهود بعض رجال الفكر الديني هناك ومعهم آخرون من بلدان مختلفة. ونحن نسعي من خلال هذا المشروع الي تقديم اجتهاد في إطار الفكر الديني ونحن نتصور أن هذا الاجتهاد قد يكون مناسبة جيدة لتقديم الإسلام الحقيقي القائم علي قيم الحرية والمساواة والعقلانية.
وأتصور أن يكون هذا المشروع خدمة للإسلام والإنسانية في ظل ما يقدمه الغرب من نهايات لكل شيء في الأيديولوجيا والكون والعقل والتقدم.
 وفي تصوري أن الإسلام قادر علي تقديم شيء عظيم لهذه الإنسانية المتخبطة.
من هنا قد يكون الإسلام حلاً حقيقياً لمشاكلنا.

- كيف تفصل هذه المؤسسة نفسها عن الأجندات السياسية؟
** نحن حريصون علي أن نبتعد عن أي شعار أو سلطة سياسية، لأن هدفنا الاستقلالية الفكرية، وألا يخضع هذا العمل لأي ضغوط سياسية. والمؤسسة تعتمد علي الحوار مع الشخصيات الدينية والتربوية وقيادات المجتمع المدني ، وهدفنا جميعا تقديم إسلام حقيقي. وعلي المسلمين الآن أن يجتمعوا علي الخروج من أزمتهم، فما يحدث من أفعال عنف وتجييش وعسكرة للإسلام صادر عن حالة يأس عام وليس كوعي، واليأس يقود الي الانفجار والتفجير.

- ما دور وسائل الإعلام في إصلاح الفكر الديني؟
- أنا رأيي أن وسائل الإعلام لا توجه الرأي العام بل هي خاضعة لما يريده الرأي العام، فتقدم له ما يريد أن يراه ويسمعه، وأتصور أن وسائل الإعلام تعمل علي دغدغة المشاعر وما يثير ولا يرقي الوعي والوجدان. فالخطاب الإعلامي مطلوب منه أن يحدد هدفه وموقعه من الإصلاح لخلق حالة وعي عام بمشاكل المجتمع وضرورات حلها.

- هل هناك علاقة بين أزمة الفكر الديني والفتنة الطائفية؟
** هناك احتقان طائفي في مصر، وللأسف هناك حديث طوال الوقت عن أن مصر دولة الوحدة الوطنية دون الوعي بما يحدث من محركات للاحتقان، فهناك طائفية شديدة في مصر علي الجانبين الإسلامي والمسيحي.
- تعني أن هناك طرفاً مضطهداً؟
- لالكن هناك تخندقا طائفيا من دعاة التعصب علي الجانبين يترك أثرا سلبيا علي عامة المسلمين والمسيحيين في النهاية، وهذا الأمر يتطلب تأنيا وتدبرا من أهل الاختصاص والعلم من الجانبين لأسباب هذا الاحتقان، لعل هناك أبعاداً خفية غير العوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية.

- هل حل أزمتنا الفكرية يكمن في الوسطية كما يدعو البعض؟
- القطاع العريض من المجتمع المصري كان يعيش في الوسطية بعيدا عن الغلو أو التهاون في الدين، ومع هذا لم يخترق العنف الطائفي المجتمع.
 لكن يبقي سؤال:
هل الوسطية تتعرض للتراجع تحت وطأة خطاب الغلو؟
وهنا علينا أن نواجه الغلو بنشر الوسطية بعد بحث أسباب انتشار التيار المتشدد الذي تغلغل في المجتمع،
 فإذا كان الأزهر طوال تاريخه يقدم لنا نفسه باعتباره تيار الوسطية،
فيجب أن نبحث :
 ماذا حدث للأزهر، فظاهرة المد المتشدد خطيرة ومخيفة بالفعل.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 29 أغسطــــــــس 2010
بقلم / محمد مندور