الخميس، يونيو 23، 2011

الدولة المصرية‏/‏ العربية الحديثة‏....‏ واقع أم أمنية ؟





لا تقل المشكلات التي تجابه الخطاب الرائج في مصر عن الدولة المدنية أو الحديثة عن تلك التي تجابه خطاب دولة يلعب فيها الدين دورا حاكما‏.‏ فكلا الخطابين ينطوي علي ضروب من المواءمات والتلفيقات الإيديولوجية التي تجعل الواحد منهما خطاب إنتاج أزمة‏,‏ وليس أبدا خطاب انعتاق منها..‏.‏.

وبالطبع فإن الخطابات لن تكون قادرة علي الإنتاج المثمر في الواقع ما لم تتحرر من عوائقها الإيديولوجية التي تحول بينها وبين الفحص المعرفي الدقيق للمفاهيم والتصورات التي تفكر بها, وتؤسس عليها حلولها لأزمات هذا الواقع. ولعل مثالا علي ذلك يأتي من مقاربة للخطاب الذي يدير البعض اسطوانته الآن, عن ضرورة التوقف عن استخدام مصطلح الدولة المدنية الذي يعد من قبيل اللغو الفارغ الذي لا معني وراءه, والتأكيد- بدلا منه- علي مفهوم الدولة الحديثة التي تعرفها مصر- ومعها العرب- منذ مطلع القرن التاسع عشر, والتي حدث أن خبا بريقها علي مدي نصف القرن الأخير, ويلزم إعادة الاعتبار إليها الآن.
 والحق أنه يمكن فهم التحفظ علي استخدام مصطلح الدولة المدنية; حيث إن الاجتماع المدني للبشر بما فرضه من ظهور السلطة السياسية لأول مرة- والذي يمثل تقدما أرقي بالقياس إلي أشكال الإجتماع الطبيعي القرابي الأسبق, بما تقوم عليه من سلطة طبيعية( آبوية بطريركية في الأغلب)- هو الأصل في نشأة الدولة ككيان سياسي مدني.
وإذ يحيل ذلك إلي أن المدنية هي الأصل في نشأة الدولة بما هي دولة, فإنه لا يمكن تصور أن تكون المدنية وصفا مضافا إلي الدولة; تماما كما لا يمكن أن تكون المائية وصفا مضافا للماء. وإذ يمكن التجاوب, علي هذا النحو, مع التحفظ علي استخدام مصطلح الدولة المدنية لأنه من قبيل تفسير الماء بالماء, فإنه لا يمكن, في المقابل, الاتفاق تماما- ومن وجهة نظر مدققة- علي أن ما عرفته مصر منذ مطلع القرن التاسع عشر, مع محمد علي باشا, يعد من قبيل الدولة الحديثة.


وهكذا فإنه إذا كان ثمة من العرب من يقاربون دولتهم الراهنة باعتبارها دولة حديثة, فإنه يبدو- لسوء الحظ- أن هذه الدولة لم تعرف إلا أن اتخذت لها من الحداثة اسما ورسما أو قناعا وشكلا, وأما الطبيعة والمحتوي, والنظام العميق لهذه الدولة, فإنه قد ظل- في جوهره المتخفي وراء البراقع والزخارف- ينتمي إلي فضاء الدولة التقليدية ما قبل الحديثة. ولعل ذلك يرتبط بحقيقة أن تلك الدولة, التي يقال عنها أنها حديثة, قد انبثقت كجواب علي سئوال التغيير الذي فرض نفسه علي مصر بقوة مع مطلع القرن التاسع عشر. فقد بدا- حسب أحد شهود تلك اللحظة; وأعني به المعلم الجنرال يعقوب- أن تغييرا( في مصر) لا يمكن أن يكون نتاج أنوار العقل, أو اختمار الآراء الفلسفية المتعارضة, بل تغييرا تجريه قوة قاهرة علي قوم وادعين جهلاء. لقد حدد الجنرال النابه طريقين للتغيير; أحدهما العقل وثانيهما القوة, ولأن حضور العقل كان خافتا آنذاك- وربما للآن-, فإنه لم يكن من سبيل لإحداث هذا التغيير إلا محض القوة. وضمن هذا السياق, فإن ما يقال إنها الدولة المصرية/العربية الحديثة قد إنبثقت بما هي قوة لفرض هذا التغيير علي المجتمع; الذي إرتآي فيه المعلم يعقوب- مجرد قوم من الوادعين الجهلاء. وهنا يظهر التعارض زاعقا بين دولة الحداثة الشكلانية التي عرفها العرب; بما هي قوة لفرض التغيير علي مجتمع الوادعين الجهلاء, وبين دولة الحداثة الحقة التي انبثقت- في السياق الأوروبي- كنتاج لعملية تغيير واسعة يحققها المجتمع بنفسه في كافة المجالات.



ولعل مثالا علي هذا التعارض الزاعق يتبدي- كأجلي ما يكون- في صورتين للحاكم/الدولة تحملهما نصوص رائد الحداثة العربية الأكبر الطهطاوي; وهي النصوص التي لم تفقد هيمنتها للآن. فإذا كان الرجل قد مضي- في سياق ما قال إنه كشف الغطاء عن تدبير الفرنساوية, مستوفيا غالب أحكامهم ليكون تدبيرهم العجيب عبرة لمن اعتبر- إلي إن ملك فرنسا ليس مطلق التصرف, وإن السياسة الفرنساوية هي قانون مقيد بحيث إن الحاكم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي يرضي بها أهل الدواوين, فإن ذلك يتعارض كليا مع ما سيقوله- كاشفا الغطاء عن تقاليد دولته المصرية التي استعاد, في حديثه عنها, مفردات قاموس السياسة الشرعية المغاير كليا, لذلك الذي تداوله بصدد تدبير الفرنساوية- من إن للملوك في ممالكهم حقوقا تسمي بالمزايا, وعليهم واجبات في حق الرعايا. فمن مزايا الملك أنه خليفة الله في أرضه, وأن حسابه علي ربه, فليس عليه في فعله مسؤلية لأحد من رعاياه, وإنما يذكر للحكم والحكمة من طرف أرباب الشرعيات أو السياسات برفق ولين, لإخطاره بما عسي أن يكون قد غفل عنه, مع حسن الظن به, لقوله صلي الله عليه وسلم, الدين النصيحة, فقلنا لمن يا رسول الله, قال لله ولكتابه, ولرسوله ولأئمة المسلمين. ورغم ما ألمح إليه الطهطاوي من أن علي الملوك واجبات في حق الرعايا, فإنه لم يذكر منها إلا واجب مراعاة العدل في حقهم; وهو الواجب الذي تركز عليه القول في أدبيات السياسة السلطانية, وإلي حد إمكان القول بأنه قد استغرق هذه الأدبيات كليا..
 وهكذا فإنه وحتي حين استحضر الطهطاوي الرأي العمومي, فإنه لم يستحضره ليجعل منه قيدا علي هذا النوع من الحاكم المنفلت, بل وفقط لأن الحاكم قد يشعر, في مواجهته, بالحياء; الذي هو- من غير شك- أمر ذاتي يخصه, لأنه قد يحدث أن يوجد حاكم لا يشعر بذلك الحياء في مواجهة محكوميه. وإذ يكاد الطهطاوي ينتهي, تبعا لذلك, إلي أن أصل ومصدر سلطة الباشا, ليست الأمة, بل الله; الذي يلح الطهطاوي- في غير موضع من نصه- علي أنه هو الذي ولاه حكم مصر, فإن كون ذلك مما يتعارض مع الواقع التاريخي الذي يقطع بأن تولية الباشا كانت من جماهير الشعب ونخبته التي استمسكت به في مواجهة الإرادة السلطانية العثمانية, التي كانت تتخفي وراء المشيئة الإلهية المتعالية, لمما يكشف عن أزمة مثقف يجد نفسه مضطرا لأن يكون بوقا لسلطة القوة علي حساب سلطة الحقيقة.
وهكذا يتعارض تدبير السياسة الفرنساوية الحديث, القائم علي الحكم المقيد بالقانون والمشروط بالرضا العمومي للجمهور, مع التقاليد التراثية الراسخة للدولة السلطانية; التي لا تعرف إلا حكم المتسلط, المنفلت من أي قيد أوحد; والذي لا يملك الرعايا, في مواجهته, حق المساءلة, حتي وإن جار وأخطأ, بل إن عليهم واجب النصح له وحسن الظن به أبدا. ولعل هذا التجاور بين ما ينتمي لعالمين, هو- وللمفارقة- ما يؤكده الذين ينافحون, الآن, عن وجود الدولة الحديثة. فهم- وللغرابة- يقرون بأن ممارسة السياسة في إطار تلك الدولة ( الحديثة!!)
 قد ظلت تتحقق من خلال روابط ومؤسسات القوة التقليدية

  (كالعائلة والعشيرة والقبيلة والعصبيات وغيرها);


 وبما يعنيه ذلك من أن المؤسسة السياسية الحديثة, كالبرلمان والحزب وغيرها, لم تقدر علي تقويض, أو حتي اختراق, روابط ومؤسسات القوة التقليدية. بل إن ما جري لا يتجاوز حدود أن تلك المؤسسة الحديثة قد استحالت إلي هيكل أو رسم فارغ, راحت المؤسسات والروابط التقليدية تملؤه بحضورها الذي بدا وكأنه يتأبي علي الغياب.
ولعل تفسيرا لذلك يأتي من الوعي بحقيقة أن المؤسسات السياسية الحديثة كانت محض أدوات لتفعيل الأساس الفلسفي لدولة الحداثة الحقة; والذي يتمثل في انبثاق الأفراد بما هم إرادات واعية حرة. وأعني أنها كانت وسائل إنسان الاستنارة في تحقيق كينونته السياسية; وعلي النحو الذي لا يمكن معه تصور حضورها من دون منجزات إنسان الاستنارة المعرفية العقلية والسياسية والاقتصادية.
وبالطبع فإنه كان لابد, حين جري استدعاء تلك المؤسسات الحديثة, مع عدم توفر المنجز الفلسفي العقلي والاستناري- وحتي المادي- المؤسس لها, أن تستحيل إلي مجرد أوعية جديدة, ولكن فارغة, وعلي نحو راح معه يجري تحميلها بالمضمون الراكد القديم. وهكذا فإنها صارت أدوات تفعل من خلالها إرادة المستبد, بدل أن تكون سلاح الأفراد في مواجهة تلك الإرادة المنفلتة.

ولسوء الحظ, فإن ذلك لا يؤدي بدعاة الدولة الحديثة إلي الإقرار بما سبق أن انتهي إليه أحد كبار مفكري النهضة- وأعني به سلامة موسي- من أن تلك الدولة الديمقراطية الحديثة هي أقرب إلي لأمنية المرجوة منها إلي الواقعة المتحققة, مع ما لهذا الإقرار من قيمة كبيرة.
فالإقرار بأن تلك الدولة هي أمنية لا واقعة سوف يفتح الباب أمام ضرب من التحليل الذي يجعل غايته الكشف عن العوائق الدفينة التي جعلتها مجرد أمنية لا تقبل التحقق, رغم السعي الدؤوب لذلك; وبما يعنيه ذلك من الحفر العميق وراء تلك العوائق التي تضرب بجذورها في البنايات الثقافية الراسخة.

تم النشر في جريدة الاهرام بتاريخ 23 / يونيو /2011

الاثنين، يونيو 20، 2011

حوار الدكتور علي مبروك مع جريدة الأهرام عن الربيع العربي



د. علي مبروك:
 الربيع العربي احتجاج على دولة القوة وسعى لتحقيق دولة العدل


قال د. على مبروك، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، إن الدولة العربية الحديثة كانت دولة قوة وليست دولة عدل، والربيع العربى الحاصل حاليًا هو احتجاج على دولة القوة، وسعى لتجاوزها إلى دولة العدل. 

واعتبر مبروك أن الحوار المصرى الراهن حول الدولة المدنية لم يجاوز بعد منطقة الشعار، وأن كل ما يقال فى سبيل تحقيقه ينصب فى غالبيته على الجانب الإجرائى والسياسى والأيديولوجى، وكأن هذه الإجراءات معزولة عن الشروط الثقافية والعقلية التى تحققها. 

وأكد مبروك ضرورة خلخلة وتفكيك المنظومة الفقهية والعقائدية كأحد الشروط المعرفية والثقافية لبناء مشروع النهضة الجديدة. ورأى فى حواره مع "بوابة الأهرام" أن منظومات الفكر الإسلامى القديمة لم تعد قادرة على الإجابة عن تلك النصوص ما يجعل التحدى الأكبر فى الإجابة على تلك الأسئلة هو الخروج من دائرة التفكير القديمة. 

وانتقد أستاذ الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام بجامعة القاهرة -الذي تنصب اهتماماته الأكاديمية والفكرية بالدرجة الأولى على خلخلة الأصول التى يقوم عليها الفكر الإسلامى ومحاولة تجديده بتفكيك الأسس الكامنة وراء خطابه- الحديث عن الدولة المدنية فى حدودها الإجرائية المتمثلة فى دستور جديد وانتخابات نزيهة، دون النظر فى الأسس الفكرية لتلك الدولة، ودون النظر إلى إمكانية وجود الشروط الفكرية والثقافية التى تمكن تلك الدولة من الوجود أم لا. 

ودلل مبروك صاحب كتب "ما وراء تأسيس الأصول: مساهمة فى نزع أقنعة التقديس" و"لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا" و"النبوة من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ"- على ذلك بالقول إن العرب منخرطين فى تجارب برلمانية ودستورية وأشكال متعددة للدولة الحديثة منذ أمد بعيد، ولكنهم لم يستطيعوا تحقيق حلم الدولة المدنية أو الدولة الحديثة بتعبير آخر لانشغالهم بالجوانب الإجرائية، وقال إن هناك سؤالا كبيرا حول هوية تلك الدولة المدنية أو الحديثة لم يطرح بعد. 

وأضاف أن تشكيل "الدولة" فى مصر منذ بداية القرن التاسع عشر كان تحقيقًا لمنطق القوى التى تفرغه، فالقوة كانت هى الأداة التى تستمد منها الدولة وجودها لا العقل، فالقوة هى التى مثلت التغيير وأدواته، أى أن كيان الدولة بالكامل تم التماسه من فضاءات القوة، فهل التشكيل الجديد الذى نريده هو دولة القوة أم دولة العدل وهذ سؤال كبير؟ 

وأوضح أن الشروط التى يتحدث عنها هنا هى شروط معرفية فى جوهرها وتعنى بالأساس بإخراج الناس من شروط التفكير القديمة وتصور الفرد على أنه إنسان عاقل حر وفاعل ومريد، إضافة إلى العمل على تغيير البنيات الذهنية الحاكمة للإنسان العربى من خلال عمل نقدى نفتح به الباب لظهور هذا الإنسان. 

وأكد صاحب "سؤال الحداثة" على أنه لا يعنى أبدًا التوقف عن العمل على المستوى السياسى والإجرائى، ولكن بالأحرى العمل على مستويين مستوى سياسى ومستوى ثقافى عقلى، بحيث تخضع المنظومات المهيمنة فى المجتمع للوعى النقدى وعلى رأس تلك المنظومات الفقهية والعقائدية منها. 

وأهم شروط تأسيس النهضة الجديدة فى رأى صاحب "ما وراء تأسيس الأصول" تفكيك المنظومات القائمة وعلى رأسها المنظومة الفقهية والعقائدية من خلال دراسة معرفية خاصة تستجلى وتستقصى الأساليب التى تقوم عليها تلك المنظومة، فهو يرى أننا فى حاجة لتجاوز مفهوم الاجتهاد بمعناه التقليدى، لأنه ممارسة خاضعة للقواعد المحددة للمنظومة القديمة، ونحن نحتاج لأن نعمل خارجها الآن ونفتح الباب لبلورة منظومة جديدة وهذا يتطلب تأسيس وعى نقدي. 

وقال مبروك توضيحا أن ما يعنيه هنا أن المفهوم المؤسس للمنظومة الفقهية الحالية هو مفهوم النسخ، وفى الأحكام، وهو مفهوم إشكالى وسبّب إشكاليات كبيرة،
فبسببه يعتقد البعض أن آية "السيف" {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} (البقرة: 91) تنسخ خمسمائة آية عن التسامح مع أصحاب الديانات الأخرى، مؤكدا أن ما يجادل به هنا هو أن مفهوم النسخ نفسه هو مفهوم غير راسخ وعلينا تجاوزه. 

وأوضح مبروك فكرته قائلاً إن مفهوم النسخ يفترض أننا على علم بالترتيب الزمنى والتاريخى الذى نزلت به الآيات والسور، وهو الأمر الذى لا يمكن أن يدعيه أحد، مشيرا فى هذا الصدد إلى محاولة المستشرق الألمانى "ثيودور نولديكا" استجلاء ترتيب نزول الآيات، لأننا لا نعرف سوى ترتيب المصحف الحالى وهو غير مرتب زمنيًا، إذن إذا كان النسخ يعتمد على معرفتنا بالسابق واللاحق من الآيات وهو الأمر غير المعروف لدينا، فهو يقوم على أساس غير راسخ ما يهز ثقتنا بالمفهوم، ومن ثم يجب البحث عن أطر جديدة للتفكير تخرج من عجز الأطر القديمة التى لم تعد تقدم إجابات على أسئلتنا الكبرى. 

ويعطى مبروك مثالاً على ذلك بمحاولة د. محمود طه بالسودان الذى انتقل من مفهوم النسخ إلى مفهوم "المنسأ"، فهو يقرأ كلمة "نُنسها" فى الآية الكريمة {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} (البقرة: 106) على أنها ننسئها بمعنى نرجئها، فهو يجادل بأنه لا يمكن الزعم بأن هناك رفعا للأحكام الفقهية، ولكن هناك إرجاء لتفعيل تلك الأحكام، لأن العصر حين نزولها لم يكن يقبل باشتغال تلك الأحكام فأرجئ العمل بها إلى أن يأتى زمانها. 

ويؤكد مبروك أنه لا يريد أن يأخذ بأفكار محمود طه، فهى أيضاً تنطوى على مشكلات ولكن الفكرة أن تلك المحاولة فتحت الباب أمام إمكانيات أخرى للتفكير بعلاقات جديدة مع النصوص والأصول المقدسة تبتعد عن العلاقة القديمة التى أسسها معاوية وعمر بن العاص والتى تستخدم القرآن كسلطة وتستثمره سياسياً. 

ويقول مبروك إن مشكلتنا هى أننا أخذنا من تلك العلاقة مع القرآن نموذجاً، فأفقرت القرآن وأفقرتنا، بدلاً من أن نتعامل مع القرآن كساحة للفهم والتفاعل بين الإنسان والله وهى العلاقة التى عبر عنها الإمام على (رضى الله عنه)، والسؤال المطروح الآن أى علاقة نريد تأسيسها مع النصوص علاقة السلطة أم علاقة التفاعل والحوار. 

ومن جهة أخرى شدد مبروك على أهمية استقلالية المثقف الذى قال إنه تقع عليه مهمة كبيرة الآن لبناء العقل النقدى، ولكنه أوضح أن الاستقلالية لا تعنى أنه غير منخرط فى العملية السياسية، ولكن تعنى أن خطابه يستمد قوته من داخله ومن تماسكه وقوة حجته. 

وعن المهمة الثقيلة التى على تقع على المثقف الآن قال مبروك إن المهمة ليست السجال والتناطح بين المثقفين، ولكن مناقشة الخطابات بشكل معرفى كما حاول أن يفعل فى مقاله الأخير بـصحيفة "الأهرام" حين ناقش فكر الإخوان، وحاول الكشف عما يقف وراءه من حجج، مؤكدا أنه بهذه الطريقة نستطيع أن نزود الناس ومن قبلهم المثقفين بالحجج القوية التى يستعملونها فى الرد على الخطابات التى تواجههم بأفكار قد لا يقبلونها، ولكنهم لا يملكون الحجة المضادة لها. 

ومن هنا يضع مبروك النقطة الأساسية التى ألح عليها كثيرًا فى الحوار وهى ضرورة الوصول إلى النخبة المثقفة قبل الوصول إلى الجمهور، فتغيير وعى النخبة هو الأهم بالنسبة له فى تلك المرحلة من خلال تزويد النخبة بالزاد المعرفى الذى يمكنهم من الوقوف أمام التحديات الكبرى التى يحملها خطاب كل منهم فى مواجهة أسئلة كبيرة. 

وقال مبروك إن مشكلة المؤسسات الثقافية الرسمية أنها كانت تعتمد طوال الوقت على الشللية التى هى استعادة لمنطق القبلية الذى يعيش به العرب طول الوقت، مضيفا أنه من المستحيل أن تكون تلك الشهور القليلة قد غيرت من منطق تفكير المثقفين والمؤسسات، ولكن على تلك المؤسسات أن تتغير وتتجاوز منطق الشللية الذى ظل سائداً طوال المرحلة السابقة، وضرورة انفتاح تلك المؤسسات على حوار حقيقى مفتوح تمثل فيه تلك المؤسسات ساحات تلاق للمثقفين بما يتيح إنتاج شروط نهضة جديدة تعيشها مصر بالفعل الآن.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 20 يونيـــــو 2011
بقلم / محمد سعد


الخميس، يونيو 09، 2011

عن مراوغة الإخوان ومطابقة الفقه مع الدين والقرآن





إحتلت جماعة الإخوان المسلمين موقعا في صدارة المشهد المصري الراهن‏,‏ علي النحو الذي جعل الأفكار التي تروج لها الجماعة‏-‏ أيا كانت درجة تلفيقيتها وهشاشتها‏-‏ تحظي بإهتمام واسع في الإعلاميات المقروءة والمرئية‏.‏

وهنا يلزم التنويه بما يتبدي من حرص تلك الإعلاميات علي أن يكون الإخوان ومحاوروهم

( ممن يختلفون مع رؤي الجماعة في الأغلب) من الذين أتاح لهم حدث الثورة أن يكونوا نجوما زاهرة في سماء مصر والقاهرة.

وهكذا يحتشد كل ليلة كوكبة من رجال أعمال وأدباء, ومهندسين وأطباء, وأساتذة جامعات وخبراء, لتتلألأ بهم شاشات الفضائيات, حيث ينخرطون في طقوس الرطانة بشعارات لا يقدر بريقها علي أن يغطي خواءها. وبالمثل, فإن نجومية هؤلاء لا تغطي- لسوء الحظ- علي عجزهم جميعا عن التصدي للمسائل الكبري من جهة, وعلي بؤس ما يقدمون من الحجاج, والحجاج المضاد من جهة أخري.

إذ رغم ما يبدو من هشاشة الإطروحة التي يروج لها دعاة الإخوان عن دولة أو حزب يجدان مرجعيتهما في الديني/الفقهي; والتي يؤسسونها علي ضروب من التلفيقات الهشة غير المنضبطة, والتي لا تصمد أمام التحليل المعرفي الدقيق, فإن محاوريهم, علي الضفة الأخري, لايقومون بالخطوة اللازمة المتمثلة في تفكيك تلك التلفيقات; والوعي النقدي بحدود المفاهيم التي تقوم عليها, بقدر ما ينخرطون في تكرار وترديد الحجج البليدة عن مفارقة الأطروحة الإخوانية لروح ومعايير الدولة المدنية; وهو ما ينتهي- وللمفارقة- إلي إضعاف أطروحة الدولة المدنية التي يدافعون عنها, بدلا من إضعاف الإطروحة الإخوانية.

يتجادل الطرفان حول الولاية العامة أو رئاسة الدولة التي يتمسك داعية الإخوان بعدم جوازها للنساء وغير المسلمين. وإذ يعترض عليه محاوره المدني بأن ذلك من قبيل التمييز الذي يتعارض مع روح الدولة المدنية; فإن الداعية الإخواني يرد مطمئنا إلي يقينه الجازم بأن هذا الإقصاء للنساء وغير المسلمين عن الولاية, هو ما انتهي إليه الإجماع الفقهي. وعند هذه النقطة, فإن المحاور المدني ينقطع غارقا في الصمت, أو يظل- في أحسن الأحوال- يغمغم بكلامه المكرور.

إذ ما الذي يعنيه سكوت المحاور المدني وصمته, أمام ما يستند إليه الداعية الإخواني من الإجماع الفقهي؟
إنه يعني أن نجوميته لم تعصمه من أن يكون كأحد أفراد القطاع الأوسع من الجمهور المتلقي للخطاب, الذي يفهم القول الفقهي علي أنه القول الديني/القرآني ... فمن المعلوم للجميع أن الجمهور الواسع سوف يستقبل الاحتجاج بالفقه علي أنه احتجاج بالدين أو القرآن; وبحيث يصبح ما يقوله داعية الإخوان من عدم جواز الولاية العامة للنساء وغير المسلمين, لا قولا فقهيا, بل قولا دينيا/قرآنيا. وإذن فإن داعية الإخوان لا يفعل شيئا; بقدر ما يعتمد فقط علي الراسخ في وعي الجمهور من المطابقة بين القول الفقهي, والقول الديني/القرآني. إن هذه المطابقة هي التي ستجعل الجمهور ينتهي إلي أن الإعتراض بالدولة المدنية علي الإجماع الفقهي( الديني/القرآني), إنما يعني أنها دولة معادية للدين; وبما يترتب علي ذلك من أن داعية المدنية قد وضع, بذلك, دولته في مواجهة ريح عاصفة لا تقدر عليها.

لايكون ترسيخ الدعوي المدنية, إذن, بمجرد ترديد مقولاتها والثرثرة بمفردات قاموسها, لعل حفظها واستظهارها يؤدي إلي الإمساك بمدلولها وامتلاكه, بل يكون بتفكيك ما يحول دون إنتاجها في وعي الجمهور المطلوب منه الانحياز لها. وإذا كان قد بدا جليا أن ما يقوم في وعي الجمهور من مطابقة الفقهي مع الديني, هو ما يؤسس لما يتهدد روح المدنية من التمييز( ضد النساء وغير المسلمين), فإن الأمر يستلزم تفكيكا للمنظومة الفقهية, لا يقف- فحسب- عند مجرد استجلاء نوع العلاقة بين الفقهي وبين الديني أو حتي القرآني( وهل هي علاقة مطابقة أم أنها- ولو في بعض الأحيان علي الأقل- علاقة تباعد ومفارقة)؟, بل ويتجاوز إلي إستقصاء ما تنبني عليه تلك المنظومة من الأسس والأصول المضمرة.

يبدو, إذن, أنه لا سبيل إلي بناء الفكرة المدنية إلا عبر التعاطي مع المنظومة الفقهية, وأن ذلك لا يكون بمجرد السكوت والرفض, بل من خلال الوعي النقدي والفهم; وذلك علي النحو الذي يسمح بزحزحة ما تؤول تلك المنظومة إلي تثبيته في الوعي العام, من قطعيات يتم استثمارها في تحقيق مكاسب سياسية ضيقة. وهنا يلزم التنويه فيما لا يعني التعاطي مع المنظومة الفقهية بالسكوت والرفض, إلا أن يقف المرء خارجها تاركا لها المزيد من الرسوخ والتمدد, فإن التعاطي معها بالفهم والنقد يتيحان للمرء أن يتموضع داخلها مستوعبا, لا لمجرد ما تنطق به وتعلنه, بل- والأهم- لما تخفيه وتسكت عنه وتضمره, وتكتسب منه سطوتها الكاملة. ولعل أهم ما يجري السكوت عنه, ويتم السماح له بالرسوخ في الوعي الجمعي, يتمثل في ما جرت الإشارة إليه, سلفا, من مطابقة الفقهي مع الديني/القرآني; وهي المطابقة التي تصبح المواجهة معها أكثر فاعلية وجدوي إذا ما جري استدعاء ما يخلخلها من المصادر التراثية المعتبرة, التي يتعامل معها الجميع بالإحترام والتجلة. ومن حسن الحظ أن تفسير إبن كثير- الذي يحظي بالقبول والتعظيم بين المسلمين كافة- ينطوي علي ما يمكن أن يؤسس, تراثيا, لتلك الخلخلة.

فالحق أن أي دارس للفقه يعرف, تماما, أن حركة الواقع الاجتماعي/السياسي, قد آدت إلي تعطيل, وحتي إسقاط أحكام فقهية ثابتة بالقرآن نفسه; وذلك بحسب ما أحدثه عمر بن الخطاب من التعطيل المؤقت لحد السرقة في عام الرمادة, ثم ما أجراه لاحقا من إسقاط نهائي للحكم المتعلق بسهم المؤلفة قلوبهم بعد أن تغير الوضع السياسي للمسلمين, ثم حدث أخيرا أن إرتفعت نهائيا كل أحكام الرقيق بعد أن أسقط التطور الإنساني كل منظومة الرق وإذا كان الواقع الإجتماعي/السياسي قد لعب, هكذا, دورا في تحديد ما قد تعطل أو سقط من أحكام الفقه, فإنه لا سبيل إلا إلي إعتبار الدور ذاته في تحديد وتوجيه الكثير من الأحكام القائمة التي تشتمل عليها المنظومة الفقهية; والتي يسعي البعض- الآن- إلي تفعيلها. وبالطبع فإن ذلك يؤشر علي كون الحكم الفقهي ليس تنزيلا منغلقا جامدا علي واقع هلامي سيال يتحدد بالحكم من جانب واحد, بقدر ما هو تنزيل منفتح ومرن علي واقع يمتلك نظامه الإجتماعي/السياسي الذي يمارس نوعا من التوجيه والتحديد لذلك الحكم. وهكذا تكون المنظومة الفقهية هي نتاج العلاقة بين التنزيل والواقع; وذلك علي النحو الذي يتسع فيه الواقع للتنزيل, في الوقت نفسه الذي تتحدد فيه عملية إمتثال وفهم هذا التنزيل بما يسود الواقع من أنظمة( اجتماعية وسياسية ومعرفية وغيرها). وإذن فالعلاقة بين التنزيل والواقع لا تمضي أبدا في اتجاه واحد, بقدر ما تمضي في الاتجاهين من الواحد إلي الآخر.

والحق أن دور الواقع الاجتماعي/السياسي في بناء وتحديد الحكم الفقهي, يبلغ أحيانا حد وضع ذلك الحكم الفقهي في مواجهة صريحة مع ما لا يمكن الشك في أنه من قبيل المبدأ القرآني غير القابل للإنكار. ولعل مثالا علي تلك المواجهة الصريحة بين الفقهي والقرآني يتجلي فيما لاحظه إبن كثير عند تفسيره لقوله تعالي:
 يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي, وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم, إن الله عليم خبير
(الحجرات:31)
, من أن مبدأ التسوية في الإنسانية الذي تحمله الآية, يتعارض مع مبدأ التراتبية الاجتماعية الذي يقوم عليه ما يشترطه الفقه من الكفاءة في النكاح. يقول إبن كثير: ولهذا قال تعالي بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا, منبها علي تساويهم في البشرية وقد استدل بهذه الآية الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة التي أوردها إبن كثير, من ذهب من العلماء إلي أن الكفاءة في النكاح لا تشترط, ولا يشترط سوي الدين لقوله تعالي إن أكرمكم عند الله أتقاكم, وذهب الآخرون ( من العلماء الذين يشترطون الكفاءة في النكاح) إلي أدلة أخري مذكورة في كتب الفقه.              
                                                 
      وهكذا فقد قرأ البعض في الآية تنبيها علي مبدأ تساوي الناس في الإنسانية, وراحوا يعارضون بين هذا المبدأ القرآني, وبين الاشتراط الفقهي لقاعدة الكفاءة في النكاح الذي يعني تراتب وتفاضل الناس في مواقعهم الاجتماعية بحسب انسابهم وأحسابهم; وعلي النحو الذي يبدو فيه أن الفقهي- بما يقرره من التفاوت- يعارض القرآني- بما يقرره من التساوي- أوفي. ولعل المرء لا يجد تفسيرا لما يبدو من تباعد الفقهي عن القرآني إلا إن الأعراف والتقاليد التي تحكم بناء مجتمع عريق في تراتبيته, وبما يتجلي في الفخر بالأنساب والأصول, قد لعبت دورا لا سبيل إلي إنكاره في بناء وتوجيه المدونة الفقهية; وهو ما يحيل إلي أن سعيا إلي تنظيم الواقع الاجتماعي/السياسي الراهن من خلال تلك القواعد الفقهية, لا يعني إلا السعي إلي إخضاعه لأعراف وتقاليد مجتمعية عتيقة, وليس أبدا للدين كما يدعي البعض .

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 9/ يونيو /2011


الخميس، مايو 26، 2011

هل هى الحساسية مع القرآن أم مع مجرد فهم بعينه للقرآن؟




إذا كان أحد لا يجادل فى أن مصر هى أحوج ماتكون، فى وضعها الراهن، الى الحوار، فإنه يلزم أن يكون حواراً منتجاً ينفتح فيه كل فريق من أطراف نخبتها على الآخر، وذلك على النحو الذى تتسع فيه تصورات الواحد منهم للآخر. وعلى هذا فإنه ليس مطلوباً أبداً أن يتمترس كل فريق وراء تصوراته ساعياً الى فرضها على الآخرين، أو مصراً عليها تاركاً لهؤلاء الآخرين ـ حين تعوزه الحجة ـ حق قبولها أو رفضها؛ حيث الأمر لا يتعلق بتصورات تخص فرداً أو جماعة يتداولونها داخل دائرتهم الخاصة، بل بتصورات يراد لها أن تصوغ مستقبل وطن لابد أن يتسع لجميع الفرقاء من غير إزاحة أو إقصاء.
ولعل الشرط اللازم لإنتاجية الحوار يتمثل فى ضرورة ضبط المفاهيم التى يدور حولها الحوار، وذلك عبر المساءلة والوعى النقدى بما تبنى عليه ويؤسس لها من أصول، قد لا تكون حاضرة فى أذهان المتحاورين. وإذن فالأمر يتعلق بضرورة التعامل المعرفى مع المفاهيم، بدلاً من التعامل السياسى معها الذى يحيلها من موضوعات للدرس والفهم الى محض أدوات للتعبئة والحشد، وهو التعامل الذى لاينتهي، فحسب، الى إفقار المفاهيم على نحو كامل، بل ويقود المتحاورين الى التقاذف والصدام. 
وانطلاقاً مما سبق فإن ما مضى إليه أحد أقطاب جماعة الإخوان المسلمين من القول: «لا أعتقد أن أى شخص مسلم يعترض على تطبيق القرآن، والحدود التى شرعها الله بنص القرآن، وأى مسلم لا يعجبه كلام ربنا، (فإن المشكلة تكون) مشكلته هو. وإن من عنده حساسية من القرآن أو دينه، فليعلن هذا صراحة دون التمسح فى الإخوان» إنما يندرج ـ بما ينطوى عليه من تبسيطية هائلة ـ فى إطار السعى الى حشد الناس وراء المشروع السياسى للجماعة التى ينتمى إليها الرجل، عبر الترويج لهذا المشروع على أنه «تطبيق القرآن والحدود المنصوص عليها فيه.
ولكن القول، فى حال التعامل المعرفى معه، يفتح الباب للنقاش حول مسألة بالغة الجوهرية تتعلق بالكيفية التى يؤسس بها الناس علاقتهم مع القرآن والنصوص المقدسة على العموم. وغنى عن البيان أنه فيما يؤول التعامل السياسى الى إفقار القرآن على نحو كامل، وذلك من حيث يجرى توظيفه، فى الأغلب، كقناع لسلطة تمارس القهر والإجبار، فإن التعامل المعرفى معه يفتح الباب أمام إمكانية تصوره كساحة تفاعل وحوار. 
ولعل ذلك يحيل الى ضرورة البحث فى الطرائق التى سعى المسلمون عبرها الى تأسيس علاقتهم مع القرآن. وهنا فإنه يلزم العودة الى اللحظة الأكثر مركزية فى تاريخ الإسلام بأسره، وأعنى بها لحظة «الفتنة» الشهيرة.
فعندما إتجه الصحابى الجليل «عمار بن ياسر» ـ إبان موقعة صفين ـ بخطابه الى بنى أمية قائلاً: «نحن ضربناكم على تنزيله، واليوم نضربكم على تأويله» فإنه كان يكشف عن وعى لافت بحقيقة أن الصراع الذى تفجر فى تلك الوقعة الأسيفة ـ التى لعبت الدور الأبرز فى توجيه ما جرى لاحقاً فى تاريخ الإسلام السياسى والثقافى هو صراع على فهم القرآن وتأويله، فى الجوهر. وإذا كان سؤال الفهم والتأويل هو، على نحو ما، سؤال عن الكيفية التى يؤسس بها الناس علاقاتهم مع النصوص، فإن ذلك يعنى أن ماجرى آنذاك كان، فى أحد وجوهه، صراعاً على كيفية تأسيس العلاقة مع النص (الذى هو القرآن بالطبع). وللمفارقة فإن التأمل فى مواقف الفريقين المتقاتلين، فى صفين يكشف عن كيفيتين متباينتين فى تأسيس العلاقة مع النص/ القرآن. 
فإنه إذا كانت واقعة رفع المصاحف على آسنة الرماح تمثل إستدعاء صريحاً للنص ليلعب دوراً فى الصراع السياسى المحتدم، فإن ما تنطوى عليه تلك الواقعة من دلالة الربط بين المصحف والرمح أو السيف، يكشف عن تصور «بنى أمية» للعلاقة مع النص بما هو قوة إخضاع، تحققوا من أنها أكثر نجاعة من السيف نفسه، وذلك من حيث ما تآدت إليه حيلة رفع المصاحف على الرماح من إيقاف حرب لم يفلح السيف وحده فى وضع حد لها. 
وهكذا فإن للمرء أن يتوقع تحول النص ـ مع بنى أمية بالذات ـ إلى سلطة، أو ـ بالأحرى إلى قناع لسلطة تحتجب خلفه وتمارس تحت رايته اقسى ضروب التسلط والقمع. 
ويرجع السبب فى ذلك إلى أنه إذا كان السيف هو أداة بناء السلطة وحراستها، فإن ما حدث من تعليق النص / القرآن عليه، سوف يجعل منه 
(أى القرآن) محض امتداد للسيف فى تثبيت نفس السلطة سوف تكون هى الأحرص ـ حماية لنفسها ـ على تحويله، هو نفسه، الى سلطة، وبما يعنيه ذلك من التعالى به عن إمكانية أن يكون موضوعا للقراءة وطرح الأسئلة، حيث ستصبح عملية طرح الأسئلة على النص بمثابة مساءلة لسلطة السياسة التى تحتجب خلفه، وهكذا فإنه يتم ـ ضمن هذا السياق ـ إلغاء التمييز بين »سلطة السياسة «وبين »سلطة النص»، وعلى النحو الذى جعل معاوية يعتبر ـ فى سياق آخر ـ ما قضى به من توريث سلطته لابنه يزيد، بمثابة القضاء النازل من الله، والذى لا راد له أبدا. وليس من شك فى أن تحول النص الى سلطة لابد أن يدخل به الى دائرة التكرار والجمود، وذلك لاستحالة التعاطى معه، بما هو سلطة، على نحو يسمح بتفجير دلالاته الكامنة الخصبة. وفقط سيصبح النص «أيقونة» يتبرك بها الناس ويتمسحون بها ويتمتمون بمفرادتها، ولكنه سيفقد كل حياته وديناميته.
وإذا كانت تلك الكيفية فى العلاقة مع النصوص هى التى تحققت لها الهيمنة والسيادة كاملة فى الإسلام، فإن ما صار إليه الإمام على فى تعليقه على ماقام به بنو أمية من رفع المصاحف على أسنة الرماح ـ من «إن القرآن كتاب مسطور بين دفتين، لاينطق بلسانه، وإنما ينطق عنه الرجال » إنما يكشف عن كيفية أخرى فى تأسيس العلاقة مع النصوص، تنبنى على الإقرار بدور بالغ المركزية للإنسان فى إنتاج دلالة النص، وبما يترتب على ذلك من ضرورة تصور النص، لا بما هو قوة إخضاع وإجبار، بل بما هو ساحة للتفاعل والسؤال والحوار. ولعل ذلك ينبنى على حقيقة أنه إذا كان الانسان يدخل (وعيا وواقعا) فى تركيب وحى التنزيل (وهو ما يستفاد، من جهة، ومن تعدد وتباين لحظات هذا التنزيل بحسب حاجات الواقع ومستوى تطور الوعي، كما يستقاد، من جهة أخري، من حقيقة أن القرآن نفسه قد ظل يتنزل وحيا على مدى يقترب من ربع القرن متجاوبا مع أسئلة الوعى والواقع)، فإنه يستحيل تصور هذا الإنسانى معزولا عن فعل الفهم والتأويل.
وبالطبع فإنه كان لابد من تحول مسار السياسة فى الإسلام، مع معاوية، من الخلافة الى الملك العضوض المستبد (بما يستلزمه هذا الملك المستبد من الإقصاء الكامل للفاعل الانسانى)، من إزاحة الكيفية التى أسس بها الإمام على للعلاقة مع القرآن تفاعلا وحوارا، وبحيث لم تستمر إلا الطريقة الأموية فى العلاقة معه تلقيا وتكرارا. ولأن تحصين سلطتهم السياسية كان يقتضى تثبيت طريقتهم فى التعاطى مع القرآن تلقيا وتكرارا، فإنهم قد راحوا يراوغون معتبرين التنكر لطريقتهم تلك، بمثابة نوع من الإنكار للقرآن نفسه. وهنا يلزم تأكيد، مرة أخري، أن الأمر لايتعلق أبدا بإنكار القرآن، بل الأمر يتعلق، بالأساس، بإنكار ضرب من العلاقة معه يكون فيها "سلطة" لاتقبل إلا محض الترديد والتكرار، وليست «نقطة بدء» ينطلق منها الانسان، عبر السؤال والحوار، الى بناء وعى مطابق بعالمه. وللمفارقة فإن تصور القرآن، على هذا النحو، كسلطة لايؤول فقط الى إهدار الوعى الذى لن يكون مسموحا له، بإزاء تلك السلطة، إلا أن يكرر ويردد، بل وينتهى الى الإفقار المعرفى الكامل للنص نفسه، وذلك من حيث يستحيل عبر الترديد والتكرار الكشف عن كل ما يكتنزه النص من ممكنات خلاقة هى أساس حياته الحقة. وإذن فإنه التباين بين موقفين من النص، أحدهما يجعله قوة إبداع، والآخر يجعل منه قوة اتباع وإخضاع.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 26 / مـــــايو / 2011


الجمعة، أبريل 29، 2011

«ما بعد الإيديولوجيا». كنزوع إلى الهيمنة على التاريخ!.




تكاد العقود الأخيرة من القرن الفائت أن تكون فضاءً لإعلان "النهاية" وابتداء عصر الـ "ما بعد"؛ وعلى النحو الذى بلغ ذروته مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار جدار برلين، واختفاء الاتحاد السوفيتى وسقوط الكتلة الدائرة فى فلكه، عند مطلع تسعينيات القرن. 
وككل المفاهيم، جرى استخدام مفهوم ما بعد الإيديولوجيا لإنجاز وظائف راحت تمضى، على العموم، فى مسارين متباينين، أو حتى متناقضين؛ أحدهما "تحرري" والآخر "تسلطي". والحق أن هذا التباين بين مسارين متناقضين فى توظيف مفهوم "نهاية الإيديولوجيا" هو بمثابة مظهر لتوتر أعمق يتجذر فى قلب العقلانية الأوروبية الحديثة التى تبلور مفهوم "الإيديولوجيا" أصلاً داخلها، ولطالما عبرهذا التوتر عن نفسه تحت ذات الأقنعة التى تتبدى اليوم تقريباً.
فقد انبثقت العقلانية، فى سياق مشروع الحداثة الأوروبية، وهى مسكونة بالتوتر بين قوة "النقد" (التى تؤسس لوجهها التحرري) وبين قوة "الهيمنة" (التى تؤسس لوجهها التسلطى فى المقابل)؛ وهو التوتر الذى يضرب بجذوره فى حقيقة أن العقلانية، بما هى مشروع ينبنى فى قلب عملية تاريخية، كانت تنطوى على جوانب متعارضة، أو حتى متناقضة؛ لأنها مشروع تاريخى يحقق اكتماله عبر تجاوزه الدائم لذاته، أى لتناقضاته. 
وعلى هذا النحو تعنى تاريخية العقلانية أن ما تضعه من معارف وفلسفات وأنظمة ومؤسسات، ليس مطلقاً ونهائياً أبداً، بل هو تكوين تاريخى مشروط بجملة سياقات يفقد معقوليته خارجها بما يعنيه ذلك من أنها سرعان ما تكتشف، فى مسار تطورها، حدود ما كانت قد وضعته فى لحظة ما من جوانب تفقد مع التطور معقوليتها، وتتجاوزها إلى وضع جديد يكون هو الأكثر معقولية، لامطلقاً، بل بالنسبة للوضع السابق عليه فقط. ويعنى ذلك أن ما يتم النظر إليه فى لحظة ما على أنه من قبيل اللاعقلي، هو جزءٌ من تركيب العقلانية وتاريخها، ولايمكن اعتباره نقصاً يقوم خارجها؛ على نحو يؤكد ما كان أشار إليه هيجل من أن الخطأ هو جزء من تركيب الحقيقة؛ على أن يكون مفهوماً أنه موضوع للتجاوز والتخطى الدائمين.
ولعل أهم ما يؤول إليه هذا الإنبناء، الذى يكون فيه التاريخ جزءاً من صميم بناء العقلانية وماهيتها, أن تثبيت ما يضعه العقل فى لحظة ما على أنه وضع مطلق ونهائى, ينبغى أن يخضع له البشر, هو فى جوهره ممارسة لاعقلانية, لأنها تستمسك بما لابد أن يتجاوزه العقل, وتطمح إلى تثبيته كوضع نهائى ليس له أبداً ما بعد. وإذ يبدو وكأن هذه الممارسة تنحاز لمبدأ الهيمنة على حساب مبدأ "النقد" التى تكاد تتحدد به العقلانية الحديثة؛ فإنها تضع نفسها فى قلب الإيديولوجيا بما هى وعى زائف وغير مطابق لمنطق كل من العقل والواقع. 
وهكذا فإن مفهوم الإيديولوجيا سينبثق للإشارة إلى ما تضعه العقلانية فى مسار تطورها، كلحظة لها ما بعد، ولكنه يلح على تثبيت نفسه كوضع نهائى ليس له ما بعد. ولعل المثال الأبرزعلى ذلك يتأتى من أن ما عُرف بالعقلانية الوضعية؛ التى انطوت على التسليم بما هو قائم باعتباره واقعة نهائية لاسبيل إلى مناطحتها وإزاحتها، لم تكن فى حقيقتها أكثر من قناع إيديولوجى تحارب به التيارات المحافظة فى الفكر الأوروبى معركتها، أى معركة الرأسمالية المتوحشة فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وذلك فى مواجهة قوى النفى والنقد والثورة التى حافظت على وفائها لجوهر العقلانية التحررى.
فلقد أدركت الرأسمالية أن الأساس الفلسفى الذى أنجزت بفضله انتصارها على الإقطاع، والقائم على تصور العقل كقوة تحرير ورفض, والواقع كصيرورة, والتاريخ كتجاوز, لابد أن يؤول إلى تقويض مسعاها إلى تثبيت نفسها كوضع نهائى لايقبل التخطى والتجاوز، فراحت تتوسل بالوضعية لتهبها أساساً فلسفياً تفلت به من المصير الذى تراه متربصاً بها. ومن هنا فإن الوضعية يسَّرت, على قول هربرت ماركيوز، استسلام الفكر لكل ما هو موجود، وما لديه القدرة على الاستمرار فى التجربة؛ حتى لقد ذكر مؤسس الوضعية صراحة أن لفظ "الوضعى" يتضمن تعليم الناس أن يتخذوا موقفاً إيجابياً 
(لا نقدياً) من الوضع السائد. فالفلسفة الوضعية تستهدف تأكيد النظام القائم ضد أولئك الذين أكدوا الحاجة إلى نفيه؛ وذلك عبر "تعليم الناس أن نظامهم الاجتماعى يندرج تحت قوانين أزلية لا يجوز لأحد أن يخالفها، وإلا كان مستحقاً للعقاب".
وتبعاً لذلك فإن ماركيوز لم يتورع عن القطع بأنها مجرد "دفاع إيديولوجى عن مجتمع الطبقة الوسطى (المهيمن)، كما أنها تحمل بذور تبرير فلسفى للنزعة التسلطية" وإلى حد أنه يندر- على قوله - "أن نجد فى الماضى فلسفة 
(كالوضعية) تطالب بمثل هذا الإلحاح، وبمثل هذه الصراحة، بأن تُستخدم فى حفظ السلطة القائمة وحماية المصالح الموجودة من كل هجوم ثورى"، حتى أن المذهب الوضعى تحول إلى ما يشبه اللاهوت الجامد؛ فصار وكأنه المذهب الكاثوليكى بدون المسيحية" 
(وهنا يُشار إلى أنه قد جرى بالفعل التبشير بها كديانة جديدة). وإذ تفقد الوضعية، هكذا، جوهر ما يميز أى عقلانية حقة، فإنها قد أصبحت مجرد إيديولوجيا، لاتملك من العقلانية إلا مجرد زخارفها الصورية. 
والغريب حقاً أن يُستعاد المشهد نفسه، وبذات تفاصيله الدقيقة، مع نهاية القرن العشرين؛ حين راح يجرى الترويج لليبرالية الغرب التى إنتصرت على شيوعية الشرق، بأنها النظام الذى ينبغى أن يخضع له البشر جميعاً، كوضع نهائى ليس له ما بعد، وكتجسيد لقانون أزلى يحكم عالم البشر بمثل ما يحكم عالم الكائنات الحية جميعاً. فهذا النظام بما يقوم عليه من قانون السوق والمنافسة، هو تفعيل فى عالم البشر لقوانين التنازع على البقاء، والبقاء للأصلح التى تحكم - حسب داروين - عالم الكائنات الحية. فالسوق هو ساحة التنازع على البقاء بين كل الفاعلين الذين لن يُكتب البقاء إلا للأصلح منهم. وإذن فإنها قوانين الداروينية وقد انتقلت من العالم "الطبيعي" إلى العالم "الإجتماعي". 
وغنيٌّ عن البيان أن هذا التصور للإجتماعى محكومٌ بالقانون "الطبيعي" لايعنى إلا أنه محكومٌ بقوانين أزلية لاسبيل إلى زحزحتها أو مناطحتها؛ وبما يعنيه ذلك من أن تلك الليبرالية تقدم نفسها، لابما هى ما بعد "إيديولوجيا" بعينها، بل بما هى ما بعد "الإيديولوجيا" فى المطلق. وإذا كان ما يقدم نفسه على أنه ما بعد "إيديولوجيا" بعينها، لا ينزع عن نفسه صفة أن يكون هو نفسه إيديولوجيا من نوعٍ آخر، فإن ما يقدم نفسه على أنه ما بعد "الإيديولوجيا" بإطلاق، ينزع عن نفسه مطلقاً صفة أن يكون، هو نفسه، إيديولوجيا لها ما بعد. فهو الدائم بلا إنقطاع، والأخير بلا إنقضاء، والمتعالى على أى تغيّرٌ أو فوات. وإذ يبدو هكذا أن ذلك النظام كان يمنح نفسه سمات الدين، ويستولى على صفات إلهه، فإن ذلك كان يعنى أن البشر ينتقلون - مع أنبياء هذا النظام الجدد - إلى مرحلة الدين الخاتم. فالهروب، إذن، من الإيديولوجيا إلى الدين هو ما ينتهى إليه أنبياء الليبرالية، وعلى النحو الذى تنجرف معه الإنسانية ألى ما يبدو وكأنه التحارب بالدين؛ الذى كانت تدعَّى أنها قد تجاوزته، حيث لم يجد الآخرون إلا أن يستدعوا أديانهم القديمة من مراقدها، ليجابهوا هذا النظام / الدين الجديد.
وبالطبع فإنه لاسبيل إلى الخروج من هذا المأزق إلا عبر التأكيد على أن هذا الذى يدفعه الطموح إلى تثبيت نفسه كحضور نهائى خالد، إلى السطو على قسمات الدين وأوصاف إلهه، ليس إلا محض إيديولوجيا لها - بالتأكيد - ما بعد. وأن على البشر أن يتشبسوا بأن للإيديولوجيا دائماً ما بعد، وإلا!.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 29 / أبريل / 2011


الخميس، أبريل 28، 2011

عن الدينى والمدني. وأيهما المرجع للآخر؟




خشية النظر الى الأمر على أنه بمثابة دعم لنظام مبارك ـ الذى لم تعرف مصر مثيلا له فى التعاسة والبؤس إلا فى أشد لحظات تاريخها تدهورا وانحطاطا ـ فإن كثيرين قد أحجموا عن الانخراط فى حوار جدى مع شعارات ورؤى «جماعة الإخوان المسلمين» التى اعتاش نظام مبارك على خرافة أنه بديلها المدنى المتسامح، وهى الخرافة التى لم يتوقف النظام، حتى لحظة سقوطه، عن تسويقها لداعميه فى الغرب وبين شرائح واسعة من الأقباط وغيرهم من الذين خايلهم بالشكل المدنى لدولته عن جوهرها البوليسى السلطوى.
وليس من شك فى أن اختلاف الوضع بعد سقوط مبارك يجعل الحوار مع ما تطرحه الجماعة فرضا واجبا من أجل مستقبل يليق ببلد أبهر العالم، وخصوصا مع الوعى بأن الجماعة لابد، بعد التحرر من كونها موضوعا للاستهداف والمطاردة، أن تصبح أكثر انفتاحا على منطق الانفتاح والتحاور، بعد أن ظلت طويلا لاتعرف إلا مناخات التخوين والتخاصم. وإذن ـ وفى كلمة واحدة ـ فإن الشروط قد توافرت لحوار منتج، بعد أن ارتفع الحرج عن كل من كانوا يحجمون عن التعرض لخطاب الإخوان بعد السقوط المدوى لنظام مبارك الكابوسى من جهة، وبعد أن أصبح الإخوان، من جهة أخري، أكثر قدرة على التحرر من الانحشار فى مواقعهم الدفاعية التى جعلتهم غير قابلين ـ أو حتى قادرين ـ على مناقشة خطاب ظلوا يتمترسون حصونه الصلدة.
ولعل أهم ما تطرحه الجماعة فى سياق النقاش الراهن حول مستقبل مصر بعد سقوط مبارك، يتمثل فيما يجرى الترويج له من سعيها الى بناء «دولة مدنية ذات مرجعية دينية»، وعلى النحو الذى يمكن معه تأكيد أن مفهوم 
«المرجعية الدينية» للدولة يتميز بحضور بالغ المركزية فى مقاربة الجماعة لمستقبل الدولة المصرية. وضمن هذا الحضور المركزى الذى تقدم فيه الجماعة ترتيبا للعلاقة بين الدينى والمدنى على نحو يكون فيه الدينى هو المرجع المحدد للمدني، فإنه يلزم التنويه بأن هذا الترتيب للعلاقة يقوم على نوع من الافتراض المضمر بأن الدينى هو الإلهى الثابت، فى مقابل المدنى الذى هو الإنسانى المتغير، وعلى النحو الذى لابد معه أن يدور المدنى المتغير حول الدينى الثابت، أو حتى وراءه. فإذ «المرجع» هو ما يتم الرجوع اليه التماسا لمخرج من خلاف، فإنه كان لابد من تصوره على نحو من الثبات الذى يسهل افتراضه فى الديني/ الإلهي، بأكثر من المدني/ الإنساني.
وإذا كان أحدا لايجادل فى افتراض أن «المدني» هو الإنسانى المتغير، فإن الافتراضى القائل بأن «الديني» هو الثابت على النحو الذى يجعل منه مرجعا، إنما يحتاج الى نوع من التحديد والضبط. إذ الحق أن تأملا ـ ولو أوليا ـ فى الدين ـ أى دين ـ يكشف عن إمكان التمييز فيه بين جانب عقيدي/ تعبدى ينتظم علاقة الإنسان بربه (وهو ما يقال أنه يختص بالشأن أو المجال الخاص)، وآخر تشريعي/ تعاملى ينتظم علاقة الإنسان (فردا وجماعة) بغيره (وهو ما يقال أنه ـ على عكس سابقه ـ يخص الشأن أو المجال العام). وضمن سياق هذا التمييز، فإن الدين يقبل ـ وذلك بحسب الإسلام نفسه ـ أن يكون، فى جانبه العقيدي/ التعبدي، موضوعاً للإتفاق بين أهل الأديان جميعا، «قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولانشرك به شيئاً ولايتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا إشهدوا بأنا مسلمون»، ولكنه ـ وبحسب الإسلام أيضاً ـ يقبل أن يكون، فى جانبه التشريعي/ التعاملى موضوعاً للاختلاف والتباين، حيث «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً». وإذن فإنه لايمكن افتراض الدين موضوعاً للثبات إلا فى أحد جانبيه (وأعنى جانب العقيدة وليس الشريعة)، وليس أبداً على نحو مطلق، وهو مايكاد أن يكون موضوعاً لاتفاق الكافة تقريباً، وعلى النحو الذى لايختلف فيه القرطبى مع محمد عبده أو الشيخ شلتوت. إذ الحق أن الجانب التشريعى للدين لايختلف فقط من دين الى آخر، بل ويختلف ضمن نفس الدين من لحظة الى أخري، ومن بيئة الى أخري. وإذ يستحيل رد هذا الاختلاف، فى الجانب التشريعى من الدين، إلا إلى اختلاف الوضع الإنساني، حيث «لاخلاف ـ حسب القرطبى بين العقلاء على أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية. وأن العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعى أحوال العليل، فراعى ذلك خلفيته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو خطابه يتبدل». وهكذا يعلق القرطبى تبدل الخطاب (الإلهي) على تبدل مصالح البشر الدينية والدنيوية (أو المدنية)، وعلى النحو الذى يكون معه «المدني» المتغير أو المتبدل هو «المرجع» المحدد لما يراه تبدلا فى الخطاب الإلهى للبشر. وبالطبع فإن ذلك يعنى أن تحولات «الديني» الذى تريد منه جماعة الإخوان المسلمين أن يكون مرجعاً للدولة المدنية، يكاد ـ هو نفسه ـ أن يجد مرجعيته فى تحولات الإنساني/ المدني. وإذا كان القرطبى يجعل التبدل يطال الخطاب الإلهى الى البشر على العموم، فإن حضور التبدل ضمن الجانب التشريعى من هذا الخطاب يكون أولى لامحالة، وأعنى من حيث يتعلق هذا الجانب بواقع البشر الذى يتغير ويتبدل، وليس بعقائدهم التى يلزم تصور أنها الأكثر ثباتاً ودواماً. ولعله يلزم التنويه، هنا، بما صار إليه القرطبى من أن عدم ربط تبدلات الخطاب الإلهي، بتبدلات مصالح البشر وواقعهم سوف يؤدى لامحالة ـ الى وصم الله «بالبداء» (أو الجهل)، وهو ما لايمكن قبوله فى حق الله أبداً. ولعل ما يعنيه منظرو الإخوان المسلمين بالدين كمرجع للدولة إنما ينصرف الى هذا الجانب التشريعى من الدين الذى يتعلق بعلاقة الإنسان بغيره، وذلك بما هو الجانب الأكثر اتصالاً بجوهر الدولة التى هى وبحسب النشأة ـ محض إطار لتنظيم العلاقة نفسها للإنسان (فرداً وجماعة) بغيره. وينبنى ذلك على أنه لايتصور أن تتخذ الدولة مرجعيتها مما يخص علاقة الإنسان بربه، وذلك ابتدا من خصوصية وفرادة تلك العلاقة على نحو لايمكن معه أن تكون مرجعاً لما به تنظيم علاقات المجموعة. وإذا لايبقى والحال كذلك ـ إلا أن الجانب التشريعى من الدين الذى ينتظم علاقة الإنسان بغيره، هو المقصود عند الحديث عن مرجعية دينية للدولة المدنية، وهو الجانب من الدين الذى يجد ما يؤسس لما فيه من الاختلاف والمغايرة ـ غير القابلين للإنكار ـ فى الوضع الإنسانى المدني، فإن ذلك يعنى وللمفارقة ـ أن المدنى هو المرجع للديني، وليس العكس. وحين يظل أحدا يتحدث، بعد ذلك، عن «الديني» كمرجع «للمدني»، فإنه لايفعل إلا أن يخفى «رؤيته» المدنية بطبيعتها وراء «الدين» ليضفى عليها حصانة تسمو بها فوق منطق الفهم والمساءلة، وهو المنطق الذى اشتغل به النظام الذى تسعى مصر الى تجاوزه والانفلات من أحابيله.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 28 / أبريل / 2011


الجمعة، مارس 25، 2011

الدولة المدنية وبديلتها الشمولية




إذا كانت "المدنية" هى السمة، التى يكاد يتوافق عليها الكافة للدولة المأمولة فى مصر بعد ثورتها التى تجاهد من أجل أن تكون حدثاً تأسيسياً، فإنه يبدو - لسوء الحظ - أن تعبير "الدولة المدنية" لا يكاد يجاوز - فى الجدال المصرى الواسع الدائر الآن - حدود الشعار (الذى يجرى التعامل معه كأقنوم مطلوبٌ من الناس أن يتعبدونه، ولو من غير فهم) إلى المفهوم المنضبط (كنتيجة لخضوعه لعملية فهم ومساءلة). 
ولسوء الحظ، فإن ذلك يعكس إستمراراً لطريقة المقاربة "البرانية" للمفاهيم، مع إهمال المكونات "الجوانية" التى تؤسس لها؛ وهى الطريقة المسئولة، بالأساس، عن حال التأزم والإنسداد الذى بلغته الدولة العربية الراهنة. فهى الطريقة التى جعلت تلك الدولة تتعامل مع "الديمقراطية" - مثلاً - على أنها جملة هياكل برانية صورية، مع إهمال مكونها الجوانى التأسيسي، وعلى النحو الذى تحولت معه تلك الهياكل البرانية إلى أقنعة لإستبداد الحاكم وتسلطه. ولقد بلغت شكلانية وبرانية مفهوم "الدولة المدنية"، فى الجدل الراهن، حداً راح معه كثيرون يختزلونه فى رداء القائم على رأس الدولة (أو صاحبها بلغة ابن خلدون). وتبعاً لذلك، فإن الدولة تكون مدنية، طالما أن القائم على رأسها لا يعتمر قبعة "العسكر" أو عمامة "رجال الدين"، وأما المبدأ "الجواني" المؤسس لمدنية الدولة، فإن أحداً لا ينشغل بالسؤال عنه. وينسى الناس أنه مع غياب هذا المبدأ الجواني، فإنه لن يكون ممكناً بناء الدولة المدنية، ولو كان القائم على رأس الدولة من غير العسكر ورجال الدين. بل إنه قد حدث أن قام على رأس الدولة العربية من جاء من خارج دائرتى العسكر ورجال الدين، وأجبره غياب المبدأ المدنى للدولة على أن يرتدى زى الجنرالات أو الفقهاء؛ وذلك بمثل ما حدث فى كلٍ من سوريا والمغرب.
فالكل يتذكر ما جرى مع الرئيس السورى الحالى الذى ورث السلطة عن أبيه قبل بضع سنوات؛ حيث فرض عليه النظام أن يصبح جزءاً من مؤسسة العسكر (فيصبح جنرالاً فى جيش البلاد) قبل أن يصبح رئيساً. وهو نفس ما جرى، ولكن فى إتجاه آخر مع الملك محمد السادس فى المغرب، حيث ألزمه النظام أن يحمل كجزء من لوازم المُلك وتبعاته لقب "أمير المؤمنين" بما يحمله من دلالة دينية كثيفة. وبالطبع فإنه لا يمكن النظر إلى ما جرى من ارتداء أحدهما زى الجنرالات ووضع الآخر لعمامة "أمير المؤمنين" على رأسه، بوصفه إلغاءاً لمدنية دولتيهما، بقدر ما هو علامة على غياب تلك "المدنية" أصلاً. فالمدنية لم تغب عن الدولة لإرتداء الرجلين؛ أحدهما زى الجنرالات والآخر زى الفقهاء، بل إنهما قد إرتديا هذين الزيين لغياب المدنية أصلاً، وعلى نحو تبدو معه مسألة الزى هى بمثابة "نتيجة" لغياب المدنية، وليست "سبباً" لها. 
ولسوء الحظ فإن الإنشغال الراهن بالزى الخارجى للحاكم، على حساب وجوب السعى إلى ترسيخ المبدأ الباطنى الجوانى للمدنية، يبدو إنشغالآً بالهامشى والعارض، على حساب الجوهرى واللازم.
ولعله يبدو هكذا أنه إذا كانت العبرة فى مسألة "مدنية" الدولة، هى فى جوهرية حضور المبدأ الجوانى المؤسس لها، وليس فى زى القائم على رأسها، فإنه لن يؤثر فى مدنية الدولة أن يكون القائم عليها ممن يرتدون زى العسكر أو رجال الدين، طالما أن المبدأ الجوانى المؤسس لتلك المدنية قد تحقق، وحظى بإحترام الكافة، أولاً. ولكن ما هو هذا المبدأ الجوانى الذى يؤسس لمدنية الدولة؟
إن "المدنية" هى سمة لصيقة بالدولة، وإلى حد إمكان القول بأن تعبير "مدنية الدولة" يكاد يساوى تعبير "مائية الماء". فليس من "دولة" إلا وهى "مدنية" بطبيعتها، ولا يمكن أن تكون غير مدنية إلا حين تخون طبيعتها. فقد نشأت الدولة كآداة لإستيعاب تحول الإنسان من حال الوجود الطبيعى (الذى ينشغل فيه الفرد بمجرد إشباع حاجاته وغرائزه الطبيعية) إلى حال الاجتماع المدنى (الذى ينشغل فيه بما ينظم حاجته للإجتماع الضرورى مع الآخرين). 
وهنا فإنه إذا كان القانون الحاكم لحال الوجود الطبيعى للبشر هو قانون "سيادة الأقوى" الغالب فى الطبيعة، فإن القانون الذى ينبنى عليه الإجتماع المدنى هو قانون "الحق" الذى تصوغه الجماعة - على قول جون لوك - "شاملاً ووافياً لحاجة الجميع"، وبما يعنيه ذلك من أن الدولة المدنية هى، فى جوهرها، دولة "الحق"، وليست دولة "القوة" أو الإكراه والقمع. 
وإذ تتعدد الطرق إلى هذا "الحق" الذى هو جوهر الإجتماع المدنى وروحه، فإن مدنية الدولة لا تفارقها إذا ما حكمتها شريعة "عقلية" أو "دينية" طالما كانت تلك الشرائع قائمة على الفاعلية الكاملة لمبدأ "الحق". فالحق أن "الديني" يمكن أن يكون، شأنه شأن "العقلي" تماماً، طريقاً إلى "الحق"، على أن ذلك يستلزم إشتغالاً معرفياً واسعاً يرفع ما جرى ترسيخه من التعارض بينه وبين المدنى. 
وهنا فإنه إذا كان قد حدث أن هذا "الديني" قد إستحال إلى قناع للتسلط والتمييز، فإن "العقلي" لم يفلت، بدوره، من أن يكون طريقاً إلى أعتى ضروب التمييز والقمع. وبالطبع فإنه إذا كانت الخبرة التاريخية للإنسانية تكشف عن قدرة البشر على تعرية كافة الأنظمة التى تتسلط عليهم بإسم "العقل"، فإنها تؤكد قدرتهم، بالمثل، على فضح من يمارسون ذات التسلط عليهم بإسم "الله". وعلى أى الأحوال، فإنه يبقى أن ذلك يؤشر، لا على تعدد الطرق إلى "الحق" فقط، بل - والأهم - على أنه ليس ثمة طريق جاهزاً إليه، بل إن البشر يصنعون طريقهم إليه فى قلب تجربتهم الخاصة، ولا يستعيرونه مكتمل الصنع من خارجها. 
وإذا كان قد بدا، هكذا، أن الدولة، على العموم، هى "آداة" الإنسان فى تنظيم إجتماعه المدنى على قاعدة "الحق"، فإنه كثيراً ما حدث أن إنحرفت الدولة عن هذا الدور الذى أراده لها منشئها؛ الذى هو الإنسان لا محالة. 
وهكذا فإنها راحت تحيل نفسها إلى "بقرة مقدسة" يتعبدها الناس ويتبركون بفضلاتها. ولعلها بذلك كانت تتنكر لإنسانيتها، وعلى النحو الذى أحالت معه الإنسان إلى "آداة" فى يد قوة عمياء باطشة. 
وغنيٌّ عن البيان أن الدولة عندئذ تكون قد خانت طبيعتها كدولة مدنية، وتحولت إلى ما جرى التعارف على أنه الدولة الشمولية. فهذه الأخيرة هى دولة الفكرة المغلقة المطلقة، بصرف النظر عن مضمون تلك الفكرة الذى قد يكون دينياً أو حتى علمانياً. إنها الفكرة - الدوجما التى تعلو فوق البشر الذين يجرى النظر إليهم كمجرد آدوات أو أشياء تتحقق بواسطتها تلك الفكرة. وإذن فإنها الدولة التى يستحيل معها الإنسان إلى مجرد آداة فى قبضة قوة مجاوزة له؛ سواء كانت تلك القوة هى الله (أو الناطقين بإسمه بالأحرى)، أو الزعيم (الإنسان الأعلى) أو الحزب أو الطبقة أو الطائفة أو العشيرة أو حتى النظرية العلمية، أو أى أنظمة مجاوزة لوجود الإنسان بما هو كينونة فاعلة حرة. 
ولعل ما يبدو، على هذا النحو، من أن وسيلة الشموليات فى إنتاج نفسها تنبني، بالأساس، على تكريس تصور الإنسان "الأداة"، وليس "الفاعل"، يدفع إلى الإنهاء بمشهد ذلك الرجل الذى إختار أن يقف ليلة الإحتفال العارم بتنحى الرئيس "مبارك"، حيث توقف رجلٌ فى منتصف كوبرى قصر النيل - المؤدى إلى ميدان التحرير - رافعاً لوحة كتب عليها: "الله وحده هو الذى أسقط النظام"، فبادرته بالسؤال: وماذا كان يفعل كل هؤلاء الناس على مدى الأيام السبعة عشر الماضية؟، وأردفت: لماذا يا سيدى تحاول أن تسلب الناس حقاً ينبغى نسبته إليهم؟، لكأنك تقول لهم: كفوا عن إحتفالكم بنجاحكم فى إنفاذ إرادتكم التى ظل يدوى بها هتافكم "الشعب يريد إسقاط النظام"، فليس لكم أى فضل فيما حدث، بل الفضل لغيركم. فرد الرجل قائلاً: إن الناس كانوا مجرد سبب أو "آداة" لله، لا غير. لم يكن المقام يسمح - طبعاً - بالمزيد من النقاش، ولكنه حدث أن جمعاً من الشباب كان يتابع الحوار، قد رفض أن يقوم الرجل، ولو عبر مراوغة التخفى وراء الله، بإهدار ما قام به الملايين من الشيب والشباب، فهتفوا: "الشعب هو الذى أسقط النظام". ورغم ما ينطق به هتاف الشباب من وعى باهر، فإن المرء يخشى من أن البعض- ولو ببراءة وحسن نية - يدفع العربة فى اتجاه شمولية يمارس فيها البعض تسلطه من وراء قناع مختلف. إذ الحق أن عبارة "الله وحده هو الذى أسقط النظام" ليست- فيما قد يرى الكثيرون- مجرد تعبير عن موقف "إيمانى" مخلص، بقدر ما تعبر، وبامتياز، عن موقف "سياسي"، يجاوز- فى الحقيقة - إيمان الرجل وتقواه. 
فإنه حين يحاول البعض السطو على الدور الفاعل والمشهود للناس، ليردوه إلى الله، فإن ذلك يكون من قبيل الرد إلى الله بالمجاز، وأما فى الحقيقة، فإنهم يردونه إلى "ذلك" الذى ينطق بإسمه ويتخفى وراءه (سواء كان فرداً أو جماعة). وهنا تقوم المشكلة.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 25 / مــــارس / 2011

السبت، مارس 19، 2011

حوار الدكتور علي مبروك مع جريدة الأهرام عن مفهوم الدولة المدنية

علي مبروك:  

 أخشي أن يتحول مفهوم الدول المدنية إلي شعار سطحي للمرحلة


يسود المناخ المصري الآن نوع من
(الجوبلزية ـ نسبة الي جوبلز) وزير الدعاية أيام هتلر
 فكلما تحدث شخص عن أفكار أو تعرض بالتحليل للثورة المصرية بشكل نقدي تحسس الآخرون مسدساتهم أو عدتهم الفكرية
وكأن الثورة فعل لابد أن يتحقق بمعزل عن أي فكر أو معرفة نقدية،
 وهذا مكمن خطر كبير كما يري
الدكتور علي مبروك استاذ الفلسفة بجامعة القاهرة،
فإفتقار الثورة للخطاب المعرفي أو للفكرة التي توجهها يخاطر بإعادة إنتاج ماثار الناس عليه.
هذا ما قاله مبروك في الندوة التي دعا إليها ملتقي "دروب" الفكري
 يوم الأحد الماضي للحديث عن الثورة والتنوير.
 وأكد علي مبروك أننا ظللنا داخل مشروع نهضة لبناء الدولة الحديثة بدأ مع محمد علي واستمر حياً حتي الآن...
وظل يتجسد في دول كثيرة في العالم العربي عبر نماذج عديدة
مثل الخديوي إسماعيل وجمال عبدالناصر وصدام حسين وحسني مبارك
 والسمة الأساسية لمشروع الدولة العربية الحديثة منذ نشأته مع محمد علي
هو بناء دولة القوة وهذه الاستراتيجية في بناء القوة جعلت الدولة الحديثة
دولة شمولية تسلطت علي المجتمع بشكل كامل وأوقعته في قبضتها
وأصبح مشروع الحداثة العربية لعبة يتقاذفها الجنرال تارة والباشا تارة أخري ويستبعد منها المجتمع.
وفي سبيل بناء تلك الدولة التي استوردناها من الغرب كانت الاستراتيجية هي التمييز في الحداثة بين جانب شكلي يتمثل في الممارسات الحديثة كتكوين الأحزاب والدساتير وإنشاء البرلمانات ومنظمات المجتمع المدني
وبين مضمون نظري يمثل القيم الأساسية التي قامت عليها الدولة الحديثة في الغرب فظلت مؤسسات الدولة الحديثة تعمل بشكل صوري
 فنحن ننقل التقنية دون الفكرة فلا البرلمانات ولا الأحزاب أثرت في السلطة المطلقة للحاكم.
خطاب الدولة العربية التي يزعم أنها حديثة خطاب مأزوم
إذ تنتهي كل الدول التي تجسده دائما بأزمة
 فكما انتهت دولة محمد علي بأزمة انتهت دولة صدام حسين ومبارك وغيرهما، فمشروع هذه الدولة لايملك الأدوات للتطور والبقاء فهو خطاب راكد.
ويتابع قائلا أنه قد أدرك أن دولة مبارك قد بلغت نهايتها حين احترق مبني مجلس الشوري فإذا كان المبني قد انهار فقد اقترب انهيار المعني ايضا.

مبروك شدد على :
"إن تأمل خطاب النخبة المصرية علي مدار قرنين من الزمان يكشف عن جموده وتحجره فنفس الأسئلة التي طرحها الطهطاوي وخير الدين التونسي خرجت بإجابة واحدة وهي ضرورة تطبيق الديمقراطية والتنظيمات السياسية الغربية".
ولكن بعد قرنين نجد أن عبدالوهاب المسيري والسيد يسين مازالا يرددان نفس الأسئلة والإجابات،
وهذا يدل علي أن هذا الخطاب فشل في تقديم حل فاعل للأزمة المصرية، فالدولة العربية الحديثة مازالت تعيد إنتاج دولة ما قبل الحداثة العربية القائمة علي مفهوم القوم والغلبة والشوكة.

مبروك الذي اصدر قبل سنوات كتابه المهم "لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا"
 يعتبر أن الحل يتمثل في:
 أن ننتقل الي خطاب معرفي آخر تنتقل فيه الدولة من دولة القوة الي دولة الحق، فالخطاب القديم الذي تكون فيه الدولة الوصي الذي يحق له فرض رؤاه علي المجتمع باعتباره قاصرا وجاهلا قد وصل إلي نهايته ويجب أن ينتهي الآن خطاب الدولة ويبدأ خطاب المجتمع.
خطاب المجتمع في رأيه يبدأ بأن ننصت إلي أسئلة المجتمع
وأن نتوقف عن فرض رؤانا عليه
لأننا بهذا الفرض نفشل في أن نفهم الواقع والعناصر التي تشكله
فأول خطوة في طريق ايجاد الاجابات الصحيحة لأسئلتنا
هي الخروج من منطق الإجابات الجاهزة الي منطق الحوار والإنصات للآخر في ظرف أعطانا إمكانية للحوار.

يري مبروك أن التحدي الأكبر الذي يواجه المشتغلين بالمعرفة اليوم هو:
 الإنتقال من المعالجة السياسية للمفاهيم الي المعالجة الثقافية،
 فالمعالجة السياسية لمفاهيم الديمقراطية والدولة المدنية أفقرت تلك المفاهيم وأبرزت جوانبها الإجرائية دون مضمونها المعرفي،
اليوم يتحدث الكل عن مفهم الدولة المدنية وتصورهم عنها سطحي للغاية فالبعض يعتقد أن الدولة المدنية تتحقق بأن يتولي الحكم من لم يلبس "عمة أو باريه"
 ـ في إشارة الي رجال الدين والعسكر ـ
 وأخشي أن هذه المعالجة السياسية السطحية لمفهوم الدولة المدنية ستحوله إلي شعار سطحي للمرحلة.

وفي الحوار مع شباب المتلقي نوه مبروك :
بأن هناك إلحاحاً علي وضع الفكر المدني في تعارض مع الدين
 وهو وضع يغفل فيه الناس عن أنه لاتوجد دولة ليست مدنية،
فالدولة هي نتاج الإجتماع المدني بين البشر
 وتقوم الدولة لتنظيم هذه الاجتماع ولتحقيق الانتقال من منطق القوة الي منطق الحق،
الدين هو احد طرق الوصول للحق وتنظيمه ولكنه ليس الطريق الأوحد،
 ومناقشة عقلية للمفاهيم تقول بأن المدني هو القاعدة وليس الديني
 ويضيف أن مناقشة المفاهيم يمكن أن تجنبنا دماء كثيرة ولكن تحويل المفاهيم إلي أوثان لن يؤدي إلي شيء.

وتعجب مبروك من:
ان التيار العلماني الآن هو من يبدي تطرفاً في مواجهة التيار الديني الذي يبدي استعداداً لقبول الدولة المدنية،
وقال ان الخوف من التيار الديني ورفضه ليس هو الحل ولكن الحل هو حوار يخرج هذا التيار من قوقعته ويجره إلي أرض جديدة تمكنه من فحص أفكاره وتصوراته تحت مظلمة أخري مختلفة.

واستبعد مبروك تطبيق تجربة تركيا الآن قائلا:
إن تركيا وراءها 75 عاما من العلمانية التي مكنتها من الوصول لهذا النموذج بينما مصر مازالت ترزح تحت ثلاثين عاماً من الإنشغال باللحية والجلباب.

وأكد إمكانية عبور الفجوة ين المثقفين والجمهور قائلا :
أن هذه الفجوة صنعتها أجهزة الإعلام التي عملت علي تجهيل هذا الشعب فالمصريون لديهم جوع للمعرفة وقد لمست هذا بميدان التحرير في حواراتي مع الناس هناك، ووجدت من بين من لا اهتمام لديهم بالفلسفة مطلقاً شغفاً بمحاولة معرفة ما الذي يمكن أن تقوله الفلسفة في حدث كهذا.


تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 19 مــــــــــارس 2011
بقلم / مــحمــد ســعــــــــــــد