الثلاثاء، مارس 31، 2009

فى كيفية إختراق الأبوية للإسلام من خلال مفهوم الأصل؟



في كيفية اختراق الأبوية للإسلام من خلال مفهوم الأصل؟

"ما لا أصل له فمهدوم" الغزالي
"لم يُؤمر المرء بإتباع نفسه، وإنما أُمر بإتباع غيره" الشافعى

"فكل خير في إتباع من سلف…..وكل شر في ابتداع من خلف" اللقانى

إذا كانت "الاتباعية" تفترض، أولياً، حضور أصل أوّل؛
 وأعنى من حيث لا إتباع إلا لأصل مسبق، فإنه يلزم التنويه بأنّ حضور الأصل لا يستلزم، آلياً، انبثاق (غلبة) الاتباعية بالضرورة.
 بل قد يحضر الأصل من غير أن تقترن به الاتباعية أبداً.
 أما الاتباعية فإنها لا تحضر أبداً من غير أصل؛ وإلى حدّ إمكان افتراض أنها قد تضع بنفسها الأصل، إن لم تجده قائماً.
 فالحقّ أنّ الأصل لا يضع نفسه كأصل؛ هو سلطة يلزم إتباعها والانصياع لها،
 بقدر ما يجرى فرضه، على هذا النحو، بتأثير فاعلية تتموضع خارجه؛
 وهي فاعلية تنتمي إلى الثقافة بمعناها الأنثروبولوجى الواسع والأقدم، وليس إلى مجرّد شكلها المكتوب المحدود والأقرب.
وإذ يحيل ذلك إلى أنّ الاتباعية لا تكون، هكذا، نتاجاً للأصل بمجرّده، بل نتاج كيفية في مقاربته، وطريقة في التعامل معه، فإنّه يمكن المصير من ذلك إلى أنها تتحدّد، كممارسة ثقافية، بكيفية في اشتغال الوعي على نحو ما؛ ولكنها سرعان ما تستعيد المبادرة فتظلّ تحدّد عمل هذا الوعي، الذي سبق لها أن تحدّدت به.
 ورغم أنّ هذه الكيفية في اشتغال الوعي، التي تؤطّر الاتباعية وتحدّدها،
 إنما تجد ما يؤسسها داخل بنية ثقافية أعمق، لها شروطها الموضوعية المجاوزة لما هو فرديّ، فإنّها- أي هذه البنية وما يرتبط بها من طرائق في اشتغال الوعي- لا تتجلّى إلا من خلال عمل الأفراد؛
 وخصوصاً أولئك الذين يكونون الأقدر من غيرهم على التعبير الأجلى عنها في أكثر صورها شمولاً وتماسكاً.

 وإذ تكون نصوص هؤلاء الأفراد هي النصوص التأسيسية في ثقافة ما،
 فإنّ هذه التأسيسية لا تتأتّى من كون هذه النصوص تختزل البنية الكامنة في الثقافة، وتجليها في أكثر صورها شمولاً وكليةً فحسب،
بل ومن كونها تصوغ هذه البنية وتعيد إنتاجها ضمن فضاءات جديدة لم تعرفها من قبل.
ومن هنا تأسيسية نصّ كل من الشافعي والأشعري؛
 وأعنى من حيث أنّهما ينطويان على ما يمكن اعتباره صوغاً وإعادة إنتاج للبنية الكامنة في الثقافة،
 بالمعنى الأنثروبولوجى الأقدم، وليس المكتوب الأقرب،
ضمن فضاء الثقافة المكتوبة في الإسلام.
 وبالطبع فإنّ ذلك يؤول إلى أن الثقافة المكتوبة، وأعني بالذات تلك التي سادت في الإسلام، لم تفلت من قبضة التوجيه الحاسم للثقافة بالمعنى الأنثروبولوجى الواسع؛ والتي تضرب بجذورها الأعمق فيما يسبق الإسلام ويتعداه.

إن ذلك يعنى أن الثقافة، التي تسيَّدت في الإسلام،
 لم تصبح اتباعية لأنّ نصاً (هو القرآن) قد فرض نفسه داخلها كأصل يلزم إتباعه، بقدر ما إن هذا النص نفسه، قد جرى وضعه كأصل (للإتباع وليس الإبداع)
 داخل هذه الثقافة
- وبما ينطوي عليه هذا الوضع من إهدار الممكنات الكامنة للنص-
بفضل ما تنطوي عليه تلك الثقافة أصلاً، من اتباعية كامنة؛ تضرب بجذورها الأعمق في أشكال وجود، وأنساق ثقافة، سابقة- في تشكُّلها- على انبثاق هذا النص ذاته.

ولعله يمكن المصير، ابتداء مما سبق، إلى أنه إذا كان مفهوم "الأصل"
يحتل- أو يكاد- موقع المفهوم الأكثر مركزية وتأسيسية، في الثقافة العربية الإسلامية؛ وفي كلا خطابيها التراثي والحداثي،
 فإنه يلزم التنويه بأن هذه المركزية لا تحيل بمجردها إلى اتباعية هذه الثقافة بالضرورة، بل الأمر يقتضى، أولياً، فحص كيفية حضور هذا المفهوم،
ونوع وطبيعة اشتغاله.
 فقد تآدى مجرد الحضور إلى أن علوماً قد تبلورت حول "الأصل"
 إلى حد دخوله في تسميتها (كأصول الدين وأصول الفقه)؛
وتلك هي العلوم الأكثر تأسيسية داخل الثقافة،
 ابتداء من كونها تنطوي على العلوم المؤسِسة لعلوم أخرى جزئية،
 لأنه "ما من علم من العلوم الجزئية إلا وله مبادئ تؤخذ مسلّمة بالتقليد في ذلك العلم، ويُطلب برهان ثبوتها في علم آخر" .
 وبالطبع فإنّ هذا العلم الآخر الذي يُطلب فيه برهان ثبوت المبادئ المؤسِسة للعلوم الجزئية، لم يكن، في الثقافة العربية الإسلامية، إلا من تلك العلوم المنبنية حول مفهوم الأصل.
 أمّا كيفية حضور الأصل، وطريقة اشتغاله؛ والتي تكون بتأثير فاعلية تتموضع خارجه، فإنها قد لعبت دوراً بالغ المركزية في تشكيل العقل وبناء نظامه داخل هذه الثقافة؛
وأعنى من حيث أن نوع حضور الأصل وكيفيته، قد فرض تبلور طرائق محددة في التفكير وإنتاج المعرفة،
والتي تجاوز مجال اشتغالها حدود الخطاب التراثي إلى امتداده الحداثي؛ وبما يعنيه ذلك من أن المأزق الراهن للخطاب الحداثي العربي، إنما يستعصى على الفهم إلا عبر الوعي بما يؤسس له في سلفه التراثي.

ولعله يلزم التأكيد، هنا،
على أنّ ثمّة علاقة قوية بين كون "الأصل" هو المركز الذي انبنت حوله العلوم التأسيسية داخل الثقافة،
 وبين كون تشكيل العقل المنتج للمعرفة داخل هذه الثقافة هو نتاج كيفية حضور هذا الأصل وطريقة اشتغاله.
 فإذ تتموقع تلك العلوم التأسيسية داخل الثقافة، كمجرد ساحة يحقق عليها الأصل كيفية اشتغاله وطريقة حضوره، فإنها كان لا بدّ أن تكون، في الوقت نفسه، ساحة تشكُّل العقل وإنباء نظامه؛
 وأعنى من حيث أن كيفية حضور الأصل، إما كنقطة بدء للوعي ينطلق منها مستوعباً ومتجاوزاً لها إلى ما بعدها،
 أو كواقعة نهائية يجد نفسه في مواجهتها غير قادرٍ إلا على تكرارها والانصياع لها، هي- وليس سواها- ما يحدد طبيعة بناء العقل ونظامه.
وإذن فإنّ الانتقال من "الأصل" يؤسس علماً ما، إلى هذا العلم يؤسس لعلوم أخرى تمثل، في جملتها، ما يمكن اعتباره الثقافة (في شكلها المكتوب)،
 إلى هذه الثقافة تمثل حقل انبناء العقل،
 بما هو نظام في التفكير وإنتاج المعرفة؛ وبما يعنيه ذلك من الانتقال من "الأصل" إلى "العقل"، عبر ما يقوم بينهما من وساطة الثقافة.

وفي كلمة واحدة، فإن ذلك يعنى أن مفهوم الأصل، إنما يدخل في تركيب العقل؛
 وإلى حد ما بدا من أن العقل، في الثقافة العربية الإسلامية،
 يكاد أن يستحيل إلى عقل تفكير بالأصل. وبالطبع، فإن طبيعة بناء هذا العقل ونظامه، إنما تتحدد بالكيفية التي اشتغل بها هذا "الأصل" داخل الثقافة.
 فإن اشتغال الأصل كنقطة بدء ينطلق منها الوعي مستوعباً ومتجاوزاً لها على نحو خلاق، إنما يؤول إلى عقل مغاير بالكلية لذلك الذي تؤول إليه كيفية أخرى في اشتغاله (أي الأصل) كسلطة نهائية ليس أمام الوعي إلا الانصياع لسطوتها.

ومن هنا أهمية الوعي بالكيفية التي حضرت بها الأصول،
 والطريقة التي اشتغلت بها عند مؤسسي الأصول الكبار؛
وأعني كل من الشافعي والأشعري،
 اللذين يتجاوز الانشغال بهما- في سياق هذه القراءة-
مضمون ما أنجزاه على صعيد المذهب الفقهي أو العقائدي، إلى الدور الإبستيمولوجي الحاسم الذي لعبه كل منهما
- باعتبارهما مؤسسين لعلمي أصول الدين والفقه-
في تثبيت وترسيخ آلية "التفكير بالنص"، التي حددت- ولم تزل-
بناء الثقافة العربية الإسلامية،
وبالتالي العقل المتشكّل داخلها؛ وأعنى من حيث أن العقل ليس مقولة بيولوجية،
 أو معطى مكتمل يقوم بمعزل عن أيّ معطى ثقافي مسبق، بقدر ما هو مقولة ثقافية، أو كياناً ينبني ويتشكل في الثقافة، وبكيفية يكون فيها تفكيك الثقافة
(المهيمنة بالذات) بمثابة تفكيك للعقل السائد فيها، في الآن نفسه.

 وإذن فإنّ الانشغال بالرجلين (الشافعي والأشعري)، 
لا كأصحاب مذاهب (فقهية وعقائدية) تسود عالم الإسلام حتى اليوم،
 بل كصائغين لإبستيمولوجيا تتمحور، بالأساس، حول مفهوم الأصل.
ولسوء الحظ، فإن حضور الأصل داخلها، لم يجاوز حدود أنه سلطة نهائية
 ليس أمام الوعي إلا أن ينصاع لما تمليه وتفرضه عليه.
 وفي كلمة واحدة، فإن هذه القراءة تجادل بأن حدود عمل كلٍ من الشافعي والأشعري تتجاوز مجرد التقعيد للفقه والعقائد، إلى التقعيد لطرائق التفكير التي تحددت بها قواعد الفقه والعقائد؛ التي أنتجاها.
وبالطبع فإنه إذا كانت قواعدهما الفقهية والعقائدية إنما تعمل، في الواقع،
على نحو جليّ،
 فإن قواعد التفكير التي ارتبطت بها، تكاد لا تعمل إلا على نحو خفي ولا واعي ولعلها كانت، عبر هذا التخفي في صميم اللاوعى، بمعناه الثقافي والمعرفي،
تتحصن ضد أي سعي للانفلات من سطوتها، حتى لو نجح الوعي في القطع مع قناعها الفقهي والعقائدي الجلي، وتحول عنه إلى تبني قناع فقهي وعقائدي آخر.

فإذ تبنى الشافعي إستراتيجية في بناء الأصول،
 تقوم على الاتساع بالأعلى من هذه الأصول ليستوعب ما تحته من أصول كان عليها، بالتالي،
 أن تضيق لتقبل الإدماج ضمن ما فوقها؛
 وبما يعنيه ذلك من أن الأصل الأعلى عنده- وهو الكتاب أو النص-
 قد راح يتسع ليستوعب سائر الأصول تحته، فإنه قد انتهى إلى استحالة أي تفكير في الفقه إلا بالنص، وهو أصل الأصول؛
وبما يترتب على ذلك من طرد كل ما سواه من فضاء التفكير الفقهي.
 وبالمثل فإن الأشعري قد أسس عمله الكبير في العقائد على ما أسماه هو نفسه، بطريقة الاستدلال بالأخبار التي لا تعنى إلا التفكير بالنص أيضاً؛ والتي كانت هي طريقته في التمرد على طريقة الاستدلال العقلية التي اشتغل بها، هو نفسه، حين كان يفكر ضمن الفضاء المعتزلي، الذي نشأ وترعرع فيه.
وهنا يُشار إلى إن التفكير بالنص لا يعنى، عند الرائدين الكبيرين، إلا التفكير ابتداء من هيمنة أصل معطى مسبق، لا يمكن للوعي أن يتمرد على سلطته أبداً.
ولسوء الحظ 
فإن هذه الطريقة في التفكير بأصل لم تكن، بدورها،
إلا إحدى بقايا ثقافة الأبوية التي يتمحور كل بنيانها حول سلطة الأب/الأصل،
التي يستحيل إلا الانصياع الكامل لسطوتها،
وهو الانصياع الذي يبدو- حسب القرآن نفسه- وكأنه العائق الأكبر أمام الإنصات لوحي السماء؛ وأعنى من حيث ما يلح عليه القرآن من ربط إنكار الوحي بتقليد الآباء والتأسّي بما كانوا عليه.
وإذا كان الإسلام قد أخذ على عاتقه تفكيك هذه الثقافة الأبوية وسلطتها،
ليس فقط لأنها العائق أمام سيادة وحيه 
(وأعنى من حيث لا تعرف إلا التفكير بالأصل-الأب)،
 بل ومن حيث كونها تمثل عائقاً أمام أشكال وجود أرقى،
 فإن الغريب حقاً أن تكون هذه الأبوية (ثقافة وسلطة) قد اخترقت الإسلام من خلال تسريب آليتها في التفكير بالأصل إلى بناء الثقافة التي تحققت لها الهيمنة داخله. 

ولعله لن يكون غريباً، والحال كذلك،
أن يكون نص الإسلام المؤسس، أو القرآن،
 قد عانى من اشتغال هذه الآلية أكثر من غيره؛ وأعنى من حيث تحول قراءته أو التفكير فيه بأصل جاهز معطى دون انكشافه عن ممكناته الكامنة، التي يستفيد منها حياته الحقّ، وحضوره الفاعل الخلاق في العالم.
 ومن هنا أن التفكير بالنص يتجاوز مجرد نص بعينه (كالقرآن والسنة مثلاً)،
إلى كل تفكير بالأصل على العموم،
 وإلى حد يمكن معه التأكيد على أن القرآن نفسه يمكن أن يكون- بل قد كان فعلاً- موضوعاً لهذا النوع من التفكير بالنص/الأصل.
والعجيب أنه حين يكون موضوعاً لاشتغال تلك الآلية، ينتهي به الأمر إلى أن يكون عرضة للجمود والاضمحلال، لأنه يصبح موضوعاً للترديد والتكرار،
 وذلك على النحو الذي يمنعه من التكشُّف عن ممكناته المضمرة التي تحتاج، في انكشافها، إلى آلية حرة وغير مقيدة في اشتغالها، بأيّ أصل أو معطى مسبق، يفرض نفسه عليها.

وإذ يبدو، هكذا، أن كيفية اشتغال الأصل في الثقافة التي سادت في الإسلام،
 قد تآدت إلى تبلور نظام العقل المُقيد بسلطة
 لا يقدر على ممارسة التفكير متحرراً من سطوتها،
فإن كون هذا العقل لم يزل هو المحدد لطرائق التفكير المُتَداولة في فضاء الخطاب العربي حتى الآن، وذلك ابتداء من أن هذا الخطاب لم يقدر على تجاوز الثقافة التي انبنى هذا العقل في حقلها، إنما يؤول إلى حقيقة أنه هو المحدد لطريقة العرب في مقاربة الحداثة.
ولعل ذلك ما يفسر طبيعة مقاربتهم لها كسلطة، أو نموذج جاهز يُفرض على الواقع قسراً من خارجه.
وهكذا راح يجرى التفكير في الحداثة كنموذج جاهز ومكتمل، يحمل كل سمات الأصل الذي لابد من احتذائه ليتسنى إخراج الفرع (الذي هو واقع العرب) من أزمة جموده وفواته.
 ورغم أن هذا الضرب من التفكير في الحداثة،
 قد ارتبط بكيفية في التعامل معها على صعيد الممارسة، فإنه يبقى أن نظام العقل المهيمن، بالمعنى الثقافي، قد فرض على الوعي آلية في مقاربتها والتفكير فيها كنموذج/أصل، والذي لابد- تأسياً بما دشنه أصحاب التفكير بالأصل الرواد- من تجريد العلة المؤسسة لحداثته (أولاً)، ثم تحقيقها في الفرع الذي هو الواقع العربي (ثانياً)، ليتسنى الحكم، ترتيباً على ذلك، بحداثته كالأصل. وإذ يبدو هكذا أن التفكير في الحداثة قد تحقق، ولم يزل، بحسب آلية "التفكير بالنموذج"، الذي راح يجرى التنزّل به على واقع موات، فإنه يبدو- لسوء الحظ- أن هذه الآلية في التفكير لم تكن إلا امتداداً لآلية "التفكير بالنص أو الأصل" التي تبلورت في النصوص التأسيسية لآباء الثقافة العربية الإسلامية المؤسسين. ومن هنا دلالة الإلماح إلى أن مركزية مفهوم الأصل في الثقافة العربية الإسلامية تتجاوز فضاء خطابها التراثي إلى الحقل الخاص بخطابها الحداثي أيضاً.
وإذا كان قد بدا أن هذه الآلية في التفكير بالأصل، أو ما يقوم مقامه من النص أو النموذج (الذي هو المعادل- في الخطاب العربي الحديث- لكل من النص والأصل)،
 إنما تجد- أو تكاد- تفسيرها الأتم في قلب البناء الأصولي الكبير،
 الذي دشنه الشافعي في الفقه، ورسخه الأشعري، من بعده، في العقائد،
 فإن ذلك يحيل إلى ضرورة الوعي بالشروط التي تقف وراء انبثاق التنظير الأصولي لكلا الرائدين المؤسِسَين بالذات.
فإذ اتفق الرائدان على التعالي بما يؤسس لعملهما إلى ما يجاوز الشرط الإنساني ويتعداه، فإن هذا التعالي كان لابد أن يهب عملهما مفارقة المقدس المجاوز وحصانته؛ وعلى النحو الذي استحال معه عملهما إلى موضوع للتقديس،
 وليس حتى إلى موضوع للفهم، ناهيك عن المحاورة والنقد.
 وبالطبع فإن ما تبلور- في قلب هذا العمل الأصولي- من قواعد الفقه والعقائد لم يكن وحده موضوع التقديس، بل وكذا القواعد والآليات التي جرى التفكير بها في هذه القواعد؛ وأعنى أن طرائق التفكير قد اكتسبت، بدورها، نفس قداسة وحصانة المضمون المعرفي الذي اشتغلت في إطاره.
 إن ذلك يعنى أن آلية التفكير بالنص/الأصل قد اكتسبت، عبر هذا التعالي
، قداسة النص/الأصل نفسه،
وبكيفية استحالت معها من مجرد آلية معرفية مشروطة بما يحددها إنسانياً، إلى قاعدة دينية يؤول الخروج عليها بصاحبه إلى الكفر والضلالة.
 وإذا كانت دلالة انبثاق "الأصل" في ارتباط مع الديني والفقهي، تتبدى،
 على نحو جلي، فيما يسبغانه عليه من القداسة، فإنه يلزم التنويه بأنه قد ظل محتفظاً بتلك القداسة، حتى عند اشتغاله، والتفكير به، خارج حدود كلٍ من الديني والفقهي.

وبالطبع فإنه لا سبيل للانفلات من عقابيل تلك الآلية، وآثارها التي لم تزل تتداعى، حتى اليوم، استبداداً وتبعية،
 إلا عبر الارتداد بما يقوم وراء أصول الرائدين الكبيرين (الشافعي والأشعري) من الشرط المتعالي والمجاوز الذي جرى الإيهام بأنه -وليس سواه-
هو ما يقوم وراءها، إلى الشرط الإنساني المتعيّن الذي يكاد، منفرداً، أن يحدد بناءها ويفسره؛ والذي تتجاوب فيه- على نحو مدهش-
كل أبعاد الإنساني وعناصره، من النفسي والاجتماعي والسياسي والمعرفي.
 وبقدر ما يؤكد هذا التجاوب على إنسانية الشرط الذي انبثقت في إطاره الأصول،
 وما ارتبط بها من آليات وطرائق في التفكير، فإنه يقطع- بذلك- بإمكان تجاوزها والانفلات من سطوتها.
 وهنا يلزم التنويه بأن هذه القراءة لا تسعى إلى إنجاز ما هو أكثر من التأكيد على إمكان هذا الارتداد من "المتعالي" إلى "الإنساني".


تم النشر في موقع الآوان بتاريخ 31 مـــــــــــارس 2009

الجمعة، ديسمبر 05، 2008

حوار دكتور علي مبروك لليوم السابع



د.على مبروك:«الشافعى» و«الأشعرى» هما المسئولان عمّا نحن فيه من انحسار فكرى وعقلى

◄«الإمام» كان متعسفا فى تطبيق قواعده الأصولية وكان يضع القاعدة ويلوى عنق الحقيقة لصالحها

عدة كتب وأبحاث نشرها الدكتور على مبروك،مدرس الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، كان آخرها كتاب «ما وراء الأصول» الصادر عن دار رؤية للنشر،


والمتابع لكتابات د.على يجد أن فكرة «نزع أقنعة التقديس» هى ما تشغله وتسيطر عليه وعلى نتائج أبحاثه، التى تتصف بالتشعب فى علوم ومعارف شتى،


 مثل التاريخ والفلسفة والفقه وعلم النفس وعلم الاجتماع،
 ويبدو أن هناك تشابها كبيرا بين مشروع الدكتور على مبروك وحياته ومشروع الدكتور نصر حامد أبوزيد وحياته أيضا،
 فالاثنان تخرجا فى كلية واحدة، والاثنان يقول عنهما الأستاذ الدكتور حسن حنفى، هما تلميذاى النجيبان، وفى حين أن سبب أزمة الدكتور نصر كانت أبحاث الترقية التى تقدم بها إلى الجامعة عن الإمام الشافعى، كانت هناك أزمة أخرى مشابهة للدكتور على حدثت فى 2006 ولنفس السبب،
ومن العجيب أن موضوع بحثه كان الإمام الشافعى أيضا، وحول أبحاثه وكتبه التى ينبش فيها ذاكرتنا الإسلامية وتحديدا حول كتابه الأخير الذى أثار جدلاً كبيراً فى الأوساط العلمية والفقهية كان لـ«اليوم السابع» معه هذا الحوار.


قلت إن الأشعرى يكاد يكون هو المؤسس لفقه ومذهب الشافعى، كيف هذا وقد سبق الثانى الأول بحوالى قرن؟
لابد هنا أن نميز بين الترتيب التاريخى والترتيب المعرفى،
 وبالفعل الشافعى سابق بقرن، لكن من الناحية المعرفية يصعب الحديث عن الشافعى دون النظر إلى الأشعرى،
 وهذا ما استند إليه الرازى فى كتابه المهم « مناقب الشافعى» الذى نكتشف فيه حرص الرازى على إلباس الشافعى عباءة كلامية أشعرية،
 والغريب أن كل الأشاعرة شافعيو المذهب، وإذا رأينا مثلاً كتاب
«طبقات الشافعية الكبرى» سنكتشف أن ترجمة الأشعرى تكاد تكون مساوية لترجمة الشافعى، حتى من حيث عدد الصفحات، فالدور الذى لعبه الأشعرى أشبه باكتشاف القواعد والأساسات لبناء كنا نجهل على ماذا ينبنى، وبهذا يكون الأشعرى هو الحاكم لفكر الشافعى وفقهه.

هل تعتقد أن سبب اعتماد الأشعرى كمرجع لأهل السنة والجماعة هو قوله بعدم جواز خروج الرعية على الحاكم، وألا يمكن اعتبار هذا حدثاً لحقن دماء المسلمين؟
لا يمكن أن نجيب عن هذا السؤال دون أن
 نلتفت إلى الدلالة السياسية لمذهب الأشعرى،
 وهذا سيجعلنا نبدأ من الدولة العباسية التى حرصت على إرساء هذا المذهب لتكتسب شرعية تبرر وجودها، وكان لديها مشكلات كثيرة مع الشيعة والمعتزلة والحنابلة، وكان بعض هذه الفرق من أتباع العباسيين قبل أن يتولوا الحكم،
 ولعبت الدولة العباسية لعبة الكراسى الموسيقية مع أتباع ومشايخ هذه الفرق، وحينما قربت رجال المذهب الحنبلى منها تمادت سلطتهم إلى الحد الذى كادوا فيه أن ينازعوا السلطان، ويمارسوا اختصاصاته دون ترخيص منه،
 ووصل الأمر عند الحنابلة إلى أن حبسوا جثة الطبرى واضطروا أهله إلى دفنه فى منزله وعدم دفنه فى مقابر المسلمين لاعتقادهم أنه غير مسلم، وكل هذه التدخلات أغضبت الخليفة العباسى وأشعرته بأن هناك فراغاً عقائدياً،
 وفى هذا الإطار تم فتح الباب لمذهب الأشعرى الذى ناصب كلاً من المعتزلة والشيعة العداء، وقال بعدم جواز خروج العامة على الحاكم خشية الفتنة.

أفردت بابا من كتابك الأخير تناولت فيه علاقة التماهى بين «مقدس الدين» و«مقدس القبيلة» وقلت إن هذا التماهى حدث قبل وفاة الرسول وبعدها، كيف كان هذا؟
أولا لابد أن نعترف أن القبيلة لعبت دورا مركزيا فى الحضارة الإسلامية،
وبدون الوعى بدور القبيلة سنظل عاجزين عن فهم ماجرى فى الثقافة والدين قديما وحديثا، والمتابع لما يحدث الآن فى العراق ولبنان ودارفور والمغرب سيكتشف أن الكلام عن الدولة العربية الحديثة ما هو إلا وهم،
 بينما الحاضر دوماً هو دور القبيلة الذى يتصف غالبا بالعصبية والشللية،
 ولابد أن نكون واعين أن قريشاً كثيرا ما استخدمت الدين ووظفته لصالحها،
 وهذا ما حدث بعد وفاة الرسول فى سقيفة بنى ساعدة،
 فقد حكمت قريش، بناء على قبليتها، وقالوا «لن تسمع العرب إلا لهذا الحى»
أى قريش،
 وبعدها رأينا حديثا يقول «الأئمة من قريش» رغم أن هذا الحديث لم يرد ذكره فى وقائع «السقيفة» التى نازع فيها الأنصار القرشيين على الحكم،
 ولو قال أحد هذا الحديث وقتها لحسم الأمر لصالح القرشيين بلا نزاع،
 وهذا يكشف أن جوهر الاحتجاج كان فى الأصل رافعا لافتة القبيلة،
 وغالبا ما كانت قيم القبيلة هى التى تحرك الأحداث متخفية وراء الدين،
 فكان الرأى القبلى يقال ثم بعد هذا يأتون بحديث أو آية تدعم ما ذهبوا إليه،
 وبعد وفاة عمر بن لخطاب
 قال عمار بن ياسر لعبدالرحمن بن عوف:
 إن شئت ألا يختلف المسلمون فالأمر لعلى،
 فرد عليه أحد القرشيين معايراً عمار بأمه
 قائلا:
ما شأن ابن سمية والحكم،
ووجه حديثه إلى عبد الرحمن بن عوف قائلا:
 إن شئت ألا يختلف القرشيون فالأمر لعثمان.
 وهذا ما حدث بالفعل،
 وهكذا نكتشف من خلال ما يمكن أن نسميه «فلتات لسان» التاريخ يشهد أن القبيلة حاضرة فى الوعى وفى توظيفها للدين.

هل تقرأ التاريخ باعتباره إنساناً يظهر ما بداخله من فلتات اللسان، كما فى مدارس التحليل النفسى؟
نعم تماما..
 ولا أفهم كيف نتجاهل الكثير من الفلتات والإشارات والتلميحات والخفايا بين السطور،
فى حين أن الحقيقة غالباً ما يشار إليها ولا يصرح بها،
ولا أعرف كيف لم يلتفت أحد من العرب إلى دور القبيلة فى بناء وعى وعقلية المجتمع العربى،
 فى حين أن جريدة «الجارديان» مثلا تعى هذا بشدة،
 وظهر ذلك من خلال تغطيتها للاجتماعات العربية وقت غزو العراق للكويت،
 حينما انقسم العرب واختلفوا، كان مانشيتها الرئيسى «قبائل لها أعلام».

إلى أى مدى ساهم الخلاف فى اختيار خلفاء رسول الله فى إطلاق دعاوى التقديس واتهامات التدنيس؟
أول من أسس لهذا التقديس هو الصحابى الجليل عثمان بن عفان،
 حينما تذمر من حكمه الناس وواجهوه بما فعل من تولية أقاربه،
 وتفشى الفقر بين الناس وعدم العدالة،
 وطالبوه بخلع نفسه فقال:
 «كيف أخلع قميصا ألبسنيه الله»
 وقبله كانت هناك قاعدة شهيرة مبنية على مقولة أبى بكر
«إن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى»
وفى أثناء ولاية عثمان بن عفان تم العمل بمبدأ الاستبعاد،
 مثل ما حدث مع أبى ذر الغفارى،
 وما فعله معاوية مع الصحابة والعبادلة الذين اشترط عليهم عدم إثارة القلاقل والصمت عما يحدث أثناء توليته الخلافة لابنه يزيد،
وقد قام بتهميش دورهم فى المشهد وجعلهم يظهرون كالرسوم المتحركة،
 فلم يطلب منهم أن يبايعوا شرط ألا يظهروا الاعتراض،
 فالقرشيون أبعدوا الناس عن الحياة السياسية بوساطة الحكام والفقهاء،
وهذا ما يدل عليه قول معاوية لأم المؤمنين عائشة حينما أتى إليها فى المدينة لتثبيت الأمر ليزيد فأراد أن يقنعها بأن
 «أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة فى أمرهم»
وفى هذا كله إخراج للأمور من ظرفها التاريخى، ورفعها من أيدى العباد،
 وحينما نقوم بإخراج الأمور أو الشخصيات من تاريخها نضعها فى حيز الأسطورة وبعدها نقدسها.

تقديس الآباء وآرائهم تقليد جاهلى، فقد قال الله تعالى «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا» هل اختلف الأمر بعدما نزل الإسلام؟
هذا جوهر بحثى الجديد الذى يرصد طريقة التفكير التى سادت العصر الإسلامى، وما تم هو استبدال السلف الصالح بالسلف الجاهلى، والعقل العربى الآن مازال يفكر بهذه الطريقة «المضحكة»، وأكتب الآن عن مشروع المفكر العربى «عابد الجابرى» والرد عليه من جانب «جورج طرابيشى» واكتشفت أثناء البحث أن الاثنين، وإن كانا يبدوان مختلفين إلا أن طريقة تفكيرهما واحدة، ولا تخرج عن العقل البدوى الذى يفكر من خلال نص مركزى، وهذا ما أسسه وأرساه الشافعى والأشعرى، وهما المسئولان عمّا نحن فيه من انحسار فكرى وعقلى.

أرجعت فكرة تمركز الحديث ونقله فى الثقافة العربية إلى أن العرب كانوا مغرمين بالنقل لاشتغالهم بالتجارة ونقل البضائع،
 وقياساً على هذا تمت تعلية قيمة النقل على قيمة العقل،
 فهل يجوز أن نعامل الثقافة مثلما نعامل البضائع؟
لقد انطلقت من فرضية تقول إن الناس تفكر مثلما تعيش،
والفكرة الجوهرية هى أن العربى البدوى سارت حياته فى مسار واحد حسبما ذكر ابن خلدون،
 وهى على حد قوله «انتهاب ما فى يد الغير»
وقال أيضا: 
«إن بلاد العرب قليلة الصنائع بالجملة حتى تجلب من قطر آخر»
وهذا ما دعم اقتصاد الغزو الذى أسموه فيما بعد «جهاداً» كما دعم فكرة تنمية الروح الاستهلاكية،
وهذا ما نراه الآن فى الاتجاه نحو استيراد كل شىء من أى مكان،
 ودبى الآن ما هى إلا الصورة الحديثة لمكة،
 فنحن ننقل فى المعرفة مثلما نحن ننقل فى الحياة،
ومن هنا كان لابد للحديث أن يأخذ هذه المكانة فى حين أنه ما هو إلا
«خبرة شخصية» لرسول الله
وكان بعض الصحابة يخالفونها محتجين بأن هذا رأيهم،
 وفى هذا قال أحد الصحابة عن معاوية بن أبى سفيان
«من يعذرنى من معاوية أقول له إن هذا حديث ويقول لى وهذا رأى»،
وقد حل الحديث ورواياته وسنده محل علم الأنساب ورواية الشعر،
 لأنه يجمع بين كل هذا لحرصه على الشفاهة والعنعنة والرواية والنقل،
وقد حرص الخليفة عمر بن الخطاب على ترسيخ الروح البدوية فى أذهان العرب من خلال منعهم من تملك الأراضى،
 كما كره العرب عامة فكرة الاشتغال بالصنائع اليدوية أو التخليق والابتكار والإبداع، وهذا ما نراه حتى اليوم فى بلاد الخليج التى لا يعمل أبناؤها،
وإذا نظرنا إلى البخارى سنجد أنه اتبع نفس طريقة العرب فى النقل،
 من خلال الاهتمام بالسند دون المتن،
 فى حين أننا نجد أن هناك أحاديث تخالف الواقع وأحاديث تخالف التاريخ وأخرى تخالف الذوق الإنسانى،
وأحاديث تشتم منها التصنع فى مراعاة ترتيب الحوادث وأبطالها
حسب ترتيب خلافة النبى،
فيقول مثلا: جاء أبوبكر، ثم عمر ثم عثمان ثم على،
ولهذا لابد أن نحتكم إلى القرآن ونقارنه بالأحاديث لكى نكتشف ما يعتريها من تناقض، من ثم يمكننا الاحتكام للعقل.

أرجعت اهتمام الإمام الشافعى بالنقل والحفظ إلى هيمنة معرفته بالأنساب على آلية تفكيره، برأيك كيف أثر هذا فى فقة الإمام؟
تأثير هذا المباشر يأتى من خلال مسئوليتها فى تشكيل فكرة الرجوع إلى الأصل والنسب دون الالتفات إلى الواقع أو الاحتكام إلى العقل،
 وفقه الشافعى ما هو إلا امتداد لعلوم القبيلة التى كانت الأصول والأنساب من أهمها.
 فالشافعى لا يقدم الأصل أو النص على اعتبار أنه نقطة ابتداء
 بل على اعتباره «منتهى» وسلطة،
 وفى هذا تسريب لفكرة التفكير بالأصل وإعلاء لها على أى فكرة،
 وأرى أن هناك ظلالاً سياسية فى الأمر،
 فكتاب الرسالة للإمام الشافعى يتشابه مع «الرسالة» لابن المقفع الذى كان المرجعية الفكرية للخليفة أبوجعفر المنصور،
والمقفع أشار على الخليفة بتوحيد الأحكام الفقهية بعدما تضاربت،
ورأى أن هذا التضارب قد يهدد أمن وسلامة الدولة والخليفة،
 فقال له وحد السلطة الفقهية،
وعرض على الإمام مالك أن يجعل من كتابه «الموطأ» شيئا أشبه بالدستور الفقهى للبلاد الإسلامية،
فرفض مالك هذا لعلمه أن فقهه قاصر على أصحاب العقلية البدوية،
 ولم تسنح الفرصة إلا للشافعى الذى قضى بالفعل على الخلاف الفقهى،
 ولم يعر للاختلاف بين البيئات والمجتمعات والعقليات أى اهتمام. 
والأنكى أنك تكتشف أن الشافعى حينما يقارن بعمر بن الخطاب مثلاً
وهو أشد الخلفاء صرامة،
سنعرف أن عمر كان أكثر منه تفهما ومرونة، بدليل أنه أبطل حدوداً وخالف نص القرآن وهو يعلم،
لأن العصر كان لا يحتمل تطبيقه كما فى مجاعة «عام الرمادة»
 التى تم منع قطع يد السارق فيها،
 ونتيجة تعسف الشافعى فى تطبيق قواعده الأصولية خالف ما هو ثابت تاريخياً من أن مكة تم فتحها عنوة،
 وقال إنها فتحت صلحا لأن الرسول طبق فيها حد الفىء وليس حد الغنيمة،
 ولا يطبق حد الفىء إلا إذا فتحت البلد صلحا،
 وهذا يدلنا أنه كان يضع القاعدة ويلوى عنق الحقائق لصالحها، وما أنزل الله بها من سلطان.

قلت إن الشافعى بنى الأفضلية للغة العرب على كل اللغات وللسان قريش على كل الألسنة، 
هل هذا يعد تأسيسا لسلطة اللغة التى كانت لا يعادلها سلطة قبل الإسلام؟
الشافعى أوصل الأمر إلى مرحلة تقديس قريش،
 وقال إن القرآن لم يأت بألفاظ غير عربية،
وحينما قالوا له إن هناك ألفاظاً فارسية فى القرآن،
 قال إن اللغة العربية واسعة والنبى وحده هو القادر على الإلمام بها،
 وعلى هذا اعتبر الألفاظ الفارسية عربية ولكن العرب لم يكونوا على علم بها!!

قلت إن «الشافعى» كان يريد أن يكون كالرسول صاحب «الرسالة».. كيف كان هذا؟
الإمام الشافعى حرص على موازاة حياته بحياة الرسول،
 والرازى كان يريد من الناس أن يقولوا جملة «صلى الله عليه وسلم» إذا ذكروا الشافعى،
وهناك من قال إن الرد على الشافعى كالرد على الرسول والرد على الرسول
 كالرد على الله،
 وكأن الشافعى «لا ينطق عن الهوى» كما أنه سمى كتابه الأهم باسم «الرسالة»، وهناك روايات عنه تقول إن هناك وحياً كان يأتيه من خلف الجبل،
 وإن الرسول أتى لأحدهم فى المنام وأبطل العمل بكل المذاهب عدا المذهب الشافعى، وكل هذا بالطبع ساهم فى تقديس شخصيته,
 لكن العيب ليس فيه بل فيمن قدسوه.

كثيرا ما كنت تعرض فى كتابك آراء مختلفة ثم تقول «والحق.. كذا وكذا..» ألا يعد هذا تقديسا لكلامك وادعاء بأنه هو الحق؟
أولا أشكرك لأنك نبهتنى لهذا،
وسأراجع أسلوبى فى الكتابة،
 وصراحة أنا لم أتخيل هذا مطلقاً، لكنى كنت أريد أن أهرب من الصيغ الجاهزة،
 من قبيل «فى الواقع» أو «إنى أرى» أو ما شابه،
 وباستمرار أحاول أن أفصل بين كونى باحثاً، وبين شخصى.

لمعلوماتك..
◄الدول العربية الحديثة وهم وشريعة القبيلة هي التى تحكم العرب لا الإسلام.
◄عثمان بن عفان هو أول من ألبس نفسه قميص الله و معاوية جعل الصحابة كالرسوم المتحركة.
◄من يعتقد أن الجاهلية انتهت بالإسلام واهم.. وحتى كبار المفكرين مثل الجابرى وطرابيشى يحكمهم العقل البدوى.
◄150هـ عام ميلاد الإمام الشافعى وهو نفس العام الذى توفى فيه أبو حنيفة.
◄270هـ العام الذى ولد فيه أبو الحسن الأشعرى.

تم النشر في جريدة اليوم السابع بتاريخ 5 ديسمبر 2008
بقلم وائل السمري

الجمعة، مايو 23، 2008

المثقفون يستنكرون ويطالبونه بالاعتذار


د.حسن حنفى يتهم المفكرين العرب المغتربين بالعمالة


فى مقال بعنوان "أشباح الوهم" بمجلة الدوحة القطرية..
 شن الدكتور حسن حنفى أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة هجوماً عنيفاً
 على المثقفين العرب المقيمين بالخارج واتهمهم بالعمالة لأمريكا
 وتزييف الوعى الإسلامى،
 وقد أثار هذا المقال ردود أفعال غاضبة بين المثقفين المصريين المقيمين بمصر..

فعلق الدكتور على مبروك دكتور الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة
على هذا المقال قائلاً:
 
إن هذا المقال لا يمكن أن يتم تصنيفه على اعتباره إنه مقال علمى
وقد يكون دافعه الغيرة والمنافسة،
 لأن الدكتور حسن نفسه يعتبر من أكثر الأساتذة الذين لهم اتصالات واسعة بالغرب، حتى أطلق عليه أحد أصدقائه لقب "الطائر"
الذى لا يحط إلا ليطير وهذا من كثرة حضوره للندوات والمؤتمرات الخارجية، والغريب فى الأمر أن المثقفين العرب المقيمين فى الغرب لهم أسماء كبيرة ومحترمة، فهل مثلاً كل من :
عبد الوهاب الأفندى وعزام التميمى المقيمين بلندن
أو هشام شرابى ووليد الخالدى وعبد الحميد صبرة المقيمين بأمريكا،
 والمفكر الكبير محمد أركون الذى يقيم بباريس
هل كل هؤلاء يكتبون للشهرة أو للاستضافة فى المؤتمرات؟؟
وهل الدكتور نصر حامد أبو زيد مثلاً كان يكتب لمثل هذه الأسباب؟؟
 وكيف يمكن أن نصنف مفكراً كبيراً كأدوارد سعيد الذى قضى عمره فى الخارج
لكنه كان يحمل القضية الفلسطينية على عاتقه ودافع عنها حتى آخر رمق،
 هل كل هؤلاء خائنين لوطنهم؟

الواقع يقول عكس هذا فهؤلاء أكثر إخلاصاً للوطن من الكثيرين،
 ومن يتاجرون بالثقافة العربية والدين الإسلامى عددهم فى الداخل أكثر بكثير من الموجودون بالخارج،
 ولو كان المثقفون يريدون المال لذهبوا إلى جامعات الخليج ومطبوعاته التى تدفع أكثر بكثير من الجامعات والدوريات الأوروبية،
ومن الخطأ دائما أن "نعمم" وجهة النظر فى الحكم على كل المثقفين المتواجدين بالخارج، لأن لهم إنجازات فكرية كبيرة..
 ولا يخفى على أحد أن الغرب رائد فى مجال العلوم الإنسانية،
 ولا يمكن أن نتجاهل إسهامه، ومن هنا تكون ضرورة الالتحام بالغرب لإثراء الفكر والاطلاع على أحدث الأبحاث، من خلال المؤتمرات.
ومن الظلم وضع المثقفين العرب المقيمين بالخارج فى سلة واحدة..
 فأولاً الغرب ليس غبياً كى يختار ببغاوات يرددون بيانات جوفاء..
 وثانياً من يرضون بهذا الدور المهين غير محسوبين على الثقافة، بل على السياسة، ومن الخلط أن نطلق عليهم لقب مثقفين.

وشدد الدكتور مبروك على أن المثقفين العرب المقيمين بالخارج
 لا يمكن أن يلومهم أحد على هذا
لأنهم ذهبوا وتغربوا تحت ضغط الواقع العربى المهين،
 وكان سبب رحيلهم إما النفى كما فى حال الدكتور نصر حامد أبو زيد،
 أو فساد السياق العلمى والثقافى، كما فى أغلب الحالات..
 وأكد الدكتور مبروك على أن هذا الاتجاه غريب على الدكتور حسن لأنه كان يكرر دائما انحيازه للموضوعى وليس للشخصى، وللفكرة بصرف النظر عن قائلها..
 إلا أن الدكتور حسن دائماً ما كان يقول إنه يكيف خطابه على متلقيه،
 فيتحدث للمتشددين بلغتهم وللعلمانيين بلغتهم،
 ولهذا لم يؤثر فى هؤلاء أو أولائك.
 وهذا الأسلوب بالطبع لا يتناسب مع شخصية العالم الذى يبدأ من لحظة شك ومن خلالها يبدع ويغير.

تم النشر في جريدة اليوم السابع بتاريخ 23 مايـــــــو 2008
كتب / وائل السمر ي

الأحد، أبريل 01، 2007

الاستبداد بين الدين والسياسة

undefined 

تكاد السياسة أن تشكل الفضاء الذى إنشغل العرب، منذ مطالع ما يسمى بعصر حداثتهم، بالبحث داخله عن إجابات لأسئلة نهضتهم المتعثرة حتى الآن وإلى حد يمكن معه القطع بالطبيعة السياسية- وليس السياسية ـ للخطاب العربى الحديث. ولعل السياسية، بما تحمله من دلالة مبتذلة، تتآتى من إعتبار أن السياسة هى الإطار التفسيرى الأوحد، الذى يستحيل- بحسب مفكرى النهضة- إلتماس الجواب على أى سؤال أو إشكال خارجه. ومن هنا ما يبدو من "الإتفاق بينهم على إعتبار تفوق الغرب راجعا أساسا إلى نظامه السياسى الضامن للحرية، والمقيد للسلطة بالقانون، وأن تأخر الشرق بما فيه البلاد الإسلامية راجع أيضا إلى طبيعة نظامه السياسى القائم على الإستبداد. إن هذا الموقف يصدق على الفكر الإصلاحى العربى والإسلامى عموما، سواء ذلك الذى قام بإسم السلفية، أو ذلك الذى أراد أن يكون ليبراليا. هنا يلتقى لطفى السيد مع علال الفاسى، كما يلتقى محمد عبده مع خير الدين التونسى". والحق أن سياسية الخطاب العربى الحديث لا تقف عند حدود هيمنة المضمون السياسى على أجوبته لأسئلة النهضة وإلى حد الإشارة إلى إن الا المقالة السياسية تكاد تختصر تاريخه " على حد قول أحدهم، بل وتتجاوز إلى السطوة الطاغية لآلية القراءة بالسياسة على فضاء الخطاب بأسره وهى القراءة التى أعجزته كليا عن الإنتاج الحق لأى من مفاهيم النهضة ومفرداتها، وذلك إبتداء من إختزالها الكامل لموضوعها فى السياسة. وعلى أى الأحوال فإنه يبقى أن هذه القراءة بالسياسة وعبرها، إنما ترتبط، على نحو جوهرى، بالظروف التى أحاطت بإنبثاق النهضة، لا كعملية تاريخية يشتغل فيها الوعى كفعالية حرة غير مشروطة إلا بما يحددها ضمن سياقها الخاص، بل جاء تبلورها ضمن سياق تصادمى أجبر فيه الوعى على الإشتغال على نحو إكراهى وقسرى.
وإذا كان سؤال النهضة: "لماذا تخلف المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم" الذى يكاد تاريخ إنشغال العرب به أن يكمل الآن دورة القرنين تقريبا، قد راح ينقلب إبتداء من هذه السياسية الكامنة للخطاب- وكذا بحسب كيفية لقاء العرب مع "غيرهم المتقدم"، وقراءتهم لما أنتج به تقدمه- إلى سؤال السياسة:" كيف السبيل إلى تجاوز الإستبداد، فإن سؤال السياسة، أو سؤال الإستبداد بالأحرى، قد تحدد- وكان ذلك منطقيا على أى حال- بكيفية سياسية، أو بالأحرى سياسية أيضا وهكذا وعبر ما يبدو وكأنه مجرد الإبدال اللغوى لمفردات المأثور المشهور "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" - تحدد جواب العرب على سؤال الإستبداد بأنه لا يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به غيرها" وبما يعنيه ذلك من أنه "لا تجاوز للإستبداد (الراسخ عندهم) إلا بما تجاوزه به غيرهم". والحق أن حضور المأثور السلفى، ضمن هذه القراءة، ليس حضورا شكليا أبدا، بل إنه يكاد يحدد نظام هذه القراءة العميق كليا. فإذ لم تنبثق النهضة - حسب ما سبق الإلماح- كعملية تاريخية تتبلور ضمن شروط غير مفروضة عليها من الخارج، بل تبلورت كنتاج للإصطدام بين عالمين ينتميان إلى أزمنة متباينة (تاريخيا وثقافيا)، على نحو لم يكن للوعى معه أن يدرك واقع فواته وتخلفه إلا "قياسا". على تقدم الآخر فإن ذلك كان لابد أن يدفع الوعى إلى أن يجرد، على طريقة أسلافه الفقهاء، علة تقدم الآخر فى مقابل تخلفه. وهكذا راح الوعى بنظامه الفقهى فى التفكير- الذى لم يعرف غيره آنذاك، والذى يبدو لسوء الحظ أنه لم يتحرر منه للآن- يحيل الحداثة إلى نموذج أو أصل، ساعيا إلى تجريد العلة المؤسسة لحداثته، ليتسنى له بعد هذا التجريد، على طريقة الفقهاء، أن يستوفيها فى واقعه (الذى هو فرع)، فيكسبه بذلك حداثة الأصل (الذى هو- بالطبع- الغرب). ولسوء الحظ، فإن ما راح يجرده ذلك الوعى الفقهى كعلة مؤسسة ومنتجة للحداثة، لم يكن أبدا إلا محض جوانبها الإجرائية والشكلية التى لا ترتقى أبدا إلى مقام العلة المؤسسة والمنتجة، بقدر ما تصلح أن تكون نتاجا للحداثة ومعلولا لها. إن المفارقة هنا تتآتى من أن معلول الحداثة ونتاجها قد جرى إعتباره علة لها. ولأنه كان مطلوبا نهيما يبدو من هذا المعلول أو النتاج للحداثة أن يتكفل بإنتاجها فإنه لم يكن غريبا أن يكون الإخفاق هو مآل مشروع الحداثة العربى، وذلك مع التحفظ بأن الإخفاق هنا لايتعلق بفشل الحداثة فى ذاتها، بقدر ما يتعلق بالخلل الكامن فى كيفية إشتغال الوعى عليها ومقاربته لها. وهو الخلل المرتبط بحقيقة أن نظام القراءة العربية للحداثة قد تحدد ضمن أفق تراثى خالص وأعنى من حيث أنه إنبنى بحسب آلية المقايسة الفقهية، التى سادت فضاء التراث كليا.
ولعل فى هذه المفارقة، أعنى مفارقة السعى إلى مقاربة "الحداثى" بحسب قراءة تجد ما يؤسس نظامها الأعمق فى "التراثى"، تلخيصا للمأزق المهيمن على فضاء الخطاب العربى الحديث بأسره، وأعنى به مأزق المجاورة بين ما ينتمى إلى أنظمة ثقافية ومعرفية متباينة، بل وحتى متناقضة. وهنا يلزم التنويه بأن هيمنة " التراثى" على نظام هذه القراءة "للحداثى"، قد يسرت، أو لعلها آلت إلى، الإنبناء السياسى للخطاب وأعنى من حيث إنها لم تتمخض إلا عن مقاربات شكلية، بل ومغلوطة على نحو كامل، لأسئلة التقدم والنهضة. فقد راح العرب، فيما يبدو وكأنه الوجه الذى تعرفوا منه على أوروبا جيشا وأسطولا ومصنعا وتنظيما، يقرأون شرط تقدم هذه الأوروبا فى "السياسى"، فيما ظل " الثقافى" مهملا فى الهامش، وذلك بالرغم من مركزية دوره لا فى مجرد خلخلة السائد والمستقر من المواريث المتكلسة لعصر ما قبل الحداثة، بل وفى إبداع المفاهيم التى تؤسس لهذا الوجه السياسى، وإلى حد إستحالة إنبثاقه من دون إشتغالها تحته. وهكذا فرغم أن السياسى يكون هو الأسبق إشتغالا عند السطح، فإن الثقافى يكون هو الأسبق إشتغالا فى العمق. وبالطبع فإن ذلك لا يحيل إلى أى أولية أنطولوجية للعمق على السطح أو العكس حيث الواحد منهما يحدد الآخر ويتحدد به فى ان معا. وفقط يتعلق الأمر بأن مقاربة الواحد منهما هى مما يستحيل تماما من دون الوعى بإشتغال الآخر تحته، أو فوقه. وإذ يحيل ذلك إلى إستحالة مقاربة السياسى من دون الوعى بجوهرية إشتغال الثقافى تحته، فإن العرب، وكنتيجة لقراءتهم شرط تقدم أوروبا فى السياسى، لم يعرفوا إلا أن يقرأوا شروط نهضتهم فى السياسى كذلك. ولسوء الحظ، فإنه كان السياسى فى أكثر صوره بؤسا وتفاهة وأعنى من حيث أن الإنشغال، ضمنه، لم يتجاوز حدود السعى إلى الإستنساخ الفقير لهياكل وتنظيمات شكلية ووثائق براقة لامعة، لم تفعل إلا أن أمدت الإستبداد بما راح يزخرف به وجهه الكالح.
فإذ تراءى للعرب ع ن هذا الذى تجاوز به غيرهم الإستبداد إنما يقوم- على قول خير الدين باشا التونسى- فيما عرفه هذا الغير من "التنظيمات المؤسسة على العدل، ومعرفتها باحترامها من رجالها المباشرين لها"، فإنهم قد إنخرطوا فى عملية إصطناع للتنظيمات والمؤسسات، وبما يجرى تداوله فى فضائها من مفردات تنتمى إلى زمان ثقافى مغاير للزمان الثقافى الذى كان يعيشه العرب، ولا يزالون. ومن هنا فان هذا الذى "تجاوز به غير (العرب) الإستبداد" لم يتمخض عندهم (أى عند العرب) عن نفس ما أنتجه من التجاوز عند هذا الغير (الذين هم الأوروبيون بالطبع). ومن هنا فانه إذا كان العالم العربى قد شهد، إبتداء من النصف الثانى للقرن التاسع عشر، تجارب حزبية وبرلمانية متفاوتة القيمة والآثير، فإنه يلاحظ أن هذه التجارب- وتحت وطأة الضغوط المزدوجة للخارج (إحتلالا وهيمنة)، وللداخل (إنقساما وتشرذما طبقيا وإجتماعيا حادا)- قد إنحسرت تماما عند منتصف القرن الفائت، حين شهد العالم العربى موجة من الإنقلابات العسكرية التى كتبت النهاية الحزينة لهذه التجارب، وأعلنت عودة الإستبداد صريحا لا يكذب، رغم أن البعض قد راح يزخرفه بأنه قد عاد مستنيرا وعادلا هذه المرة، ربما بسبب ما كان يتجمل به أنئذ من أصباغ الإشتراكية ومساحيق العدالة.
لقد بدا إذن أن التنظيمات، التى إصطنعتها فيالق الليبراليين العرب على مدى القرن منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريبا، ليس فيها الإبراء من الإستبداد. بل إن الإستبداد- وللمفارقةـ قد أدرك، مع عودته الظافرة عند منتصف القرن العشرين، ضرورة أن تكون له تنظيماته، بعد أن تحقق من إستحالة العيش دونها فراح يصطنع تنظيمات لم يزل بعضها يقاوم عاديات الزمان لحى، وذلك من قبيل الجبهات القومية والهيئات القطرية، التى تصر- متسربلة فى نفس أرديتها البالية المرقعة- على المزاحمة فى عصر لم يعد يتسع لها، وبعضها راح ينحل- نزولا على رغبة المستبد فى أن يراه السادة فى الغرب ديمقراطيا، فيكفوا عنه ضغطهم- إلى أحزاب، يمارس أحدها الإستبداد فى الحكم، وأخرى تمارسه فى المعارضة.
وإذا تبدى، هكذا، أن غمة الإستبداد لم ترتفع، عن كاهل الأمة، بالتنظيمات وبما يحيل إليه ذلك من بؤس مقاربته "سياسيا"، فإن ذلك يعنى أن أى سعى جدى لمجاوزة حقة لمعضلة الإستبداد المستعصية، لابد أن يتبلور ضمن سياق مقاربة من نوع مغاير والتى لن تكون إلا مقاربته "ثقافيا"، ولكن من غير أن يعنى ذلك تعطيل الإشتغال السياسى عليه. حيث الأمر لا يتعلق بما هو أكثر من ضرورة أن يجد هذا الإشتغال السياسى ما يؤسسه، ويجعله منتجا، وذلك بعد أن شهدت تجربة قرنين من حضوره على الساحة منفردا أنه لم يتمخض إلا عن الأزمة تأخذ بخناق عالم العرب، ولا شئ سواها تقريبا. وضمن سياق هذه المقاربة التى لا يشتغل فيها آى من الثقافى أو السياسى، على ساحة الخطاب، منفردا، فإن معضلة العلاقة بين الدينى والسياسى تكاد تنفرد بوضع بالغ الخصوصية، لا من حيث الدور المركزى للدينى فى بناء الثقافة العربية، بل ومن حيث ما يتبدى من أن العجز عن تصور الطبيعة الحقة للعلاقة بينهما، لا يمكن أن يسمح بتفكيك حقيقى لمعضلة الإستبداد.
ولعل قصور الوعى عن إكتناه الطبيعة الحقة للعلاقة بين الدينى والسياسى، يظهر بجلاء فيما أدت إليه القراءة بالسياسة وعبرها، للمفاهيم- التى لم يعرف العرب سواها- من أنه إذا كان مسار التقدم فى أوروبا قد إرتبط بكيفية فى الفصل بين الدينى والسياسى، فإنه ليس أمام العرب، فى سعيهم إلى قطع نفس المسار، إلا أن يحققوا نفس الفصل أيضا وبما يعنيه ذلك من أن وحدة المعلول (الذى هو التقدم) لابد أن تحيل إلى وحدة العلة (التى هى الفصل بين الدينى والسياسى) بالمثل. والحق أن هذا المبدأ الأخير أعنى مبدأ وحدة المعلول تعنى وحدة العلة، الذى يؤسس لربط التقدم (كمعلول) بالفصل بين الدينى والسياسى (كعلة) يكاد أن يكون مغلوطا على نحو كامل وأعنى من حيث ينبنى كليا على خط بحيث جعل ما ينبغى أن يكون المقدمة (أو وحدة العلة التى هى هنا الفصل بين الدينى والسياسى) يأتى كنتيجة من جهة، وجعل ما ينبغى أن يكون النتيجة (وهو التقدم) يأتى كمقدمة من جهة أخرى. ولعل مأزق هذه البنية يتأتى من حقيقة أن وحدة العلة قد تؤول إلى وحدة المعلول، فإنه نهى المقابل- لا يمكن أن وحدة المعلول تعنى وحدة العلة، لأن المعلول الواحد قد ينشأ عن علتين متغايرتين وخصوصا حين يتعلق التحليل بما يجاوز المجال "الطبيعى" إلى المجال التاريخى والإنسانى. وهكذا فإن الإلحاح على أن الفصل بين الدينى والسياسى هو علة التقدم وأصله، إنما يقوم كاملا على مبدأ مغلوط يستحق التفنيد والمراجعة. والحق أن حضور هذا المبدأ المغلوط فى بناء الخطاب العربى إنما يرتبط بما ييسره له هذا المبدأ من إجراء المماثلات التى لا يعرف هذا الخطاب، فى إشتغاله الراهن، سواها والتى جعلته يتعامى نهى هذا السياق- عن التباين بين تجربة الدينى والسياسى، وطبيعة وترتيب العلاقة بينهما، فى عالم العرب عنها فى عالم الغرب.
إذ الحق أن السياسى لم يستقل بمجال إشتغال خاص عن الدينى فى التجربة التاريخية للإسلام، بل إنه راح ينبنى داخله ويتجذر فى قلبه منذ لحظة التأسيس المبكرة الأولى. ومن هنا ما يبدو من تصور المرء فى الإسلام- أنه يسلك بحسب ضرورات "الدينى" وفروضه، فيما هو يسلك حقا تبعا لقواعد "السياسى" المتقنع بالدينى والمتخفى فى قلبه. وهنا تكمن المعضلة التى تتعصى على الإنفراج فى عالم الإسلام وأعنى معضلة صعوبة التمييز فيه بين الدينى والسياسى، والتى تتآتى إبتداء من عدم إختصاص الواحد منهما بمجال خاص يشتغل داخل حدوده، وذلك على العكس من إختصاص كل منهما بمجال يخصه فى عالم المسيحية الأمر الذى جعل، لا مجرد التمييز، بل الفصل بينهما ممكنا. والحق أنه إذا كان يصعب الحديث، فى تجربة الإسلام، عن فصل الدينى عن السياسى فيه، وذلك إبتداء من إلتباس الواحد منهما بالآخر على نحو كامل، فذلك يبرر السعى إلى ضرورة التمييز بينهما من جهة، وترتيب منطق ونظام العلاقة بينهما من جهة أخرى.
فقد إكتمل تشكل "الدينى" فى المسيحية فى إنفصال كامل عن مجال إشتغال السياسى، الذى لم تتصل به المسيحية إلا بعد قرون من إكتمال تشكل الدينى فيها. ومن هنا فان السياسى لم يتجذر، فى المسيحية، فى قلب الدينى، بل ظل كل واحد منهما قابلا للإستقلال بمجال خاص. فقد إرتبط تحول الدولة الرومانية، مع الإمبراطور قسطنطين، إلى المسيحية بالسعى إلى توظيف هذا الدين لخدمة أهداف سياسية يعكسها ما كان الإمبراطورـ بحسب أحد مؤرخى الحضارة الكبار ـ "ايرجو من أن يطهر هذا الدين الجديد أخلاق الرومان، ويعيد إلى نظام الزواج والأسرة ما كان له من شأن قديم، ويخفف من حدة حرب الطبقات. واذ يضاف إلى ذلك أن المسيحيين كانوا قلما يخرجون على الدولة رغم ما لاقوه من ضروب الإضطهاد الشديد، لأن معلميهم قد غرسوا فى نفوسهم واجب الخضوع للسلطات المدنية، ولقنوهم حق الملوك المقدس، فإن ذلك ما بدا ملائما تماما لنزوع قسطنطين، إلى أن يكون ملكا مطلق السلطان. وبالطبع فإن هذا النوع من الحكم المطلق إنما يفيد لا محالة من تأييد الدين، وخصوصا حين ينشغل هذا الدين بترسيخ سيكولوجيا الخضوع والطاعة. وهكذا فإنه قد بدا للإمبراطور الساعى لدعم مطلق سلطته، أن النظام الكهنوتى وسلطان الكنيسة الدنيوى يقيمان نظاما روحيا يناسب نظام الملكية. ولعل هذا النظام العجيب، بما فيه من أساقفة وقساوسة، يصبح أداة لتهدئة البلاد وتوحيدها وحكمها". وإذ يتجلى وعى الإمبراطور حادا، بأن السياسى قد فقد شرعيته، وأنه فى حاجة ماسة لما يؤسس به شرعية جديدة راح يلتمسها فى الدينى، الذى كانته المسيحية أنئذ، فإنه يلزم الوعى بأن ما تصوره الإمبراطور توظيفا للدينى لخدمة السياسى، قد إنقلب- بفضل دهاء التاريخ ومكره الذى يتجاوز إرادات الأفراد، وإلى حد تحقيق ما يناقض مضمون ما سعت إليه تلك الإرادات أحيانا- إلى توظيف السياسى لخدمة الدينى. والحق أن ذلك يكشف عن التباين بين عالمين وأعنى عالم الإسلام الذى كان الدينى فيه ينبثق فى قلب السياسى أو فى قلب السعى إلى تأسيس الدولة، وهو ما ينعكس جليا فى تلك المقولة التر تشيع فى أدبيات الإسلام السياسى الراهنة بأن "الإسلام دين ودولة"، وعالم المسيحية التى كان الدينى فيها يتعانق مع السياسى فيما يشبه الزواج بين بالغين يتمتع كل واحد منهما بحصانته واستقلاله عن الآخر. ومن هنا فان الأمر فى المسيحية كان يتعلق بالدولة، وهى تدرك إحتياجها للدين تسعى به إلى إقتلاع بذور الفناء التى تتبرعم فى قلبها، فراحت "تتدين " مضطرة وبما يعنيه ذلك من لزوم إنصياع السياسى لمقتضيات الدينى وشروطه، بسبب إحتياجه إليه، وذلك رغم ما يبدو، على السطح، من أنه قد جرى إستدعاء "الدينى" ليعمل فى خدمة السياسى وتبعا لشروطه. إذ إنه "الدهاء" الذى يجعل من يتصور نفسه "فاعلا"، هو المفعول به حقا.
وأما فى الإسلام، فإن الأمر يتعلق- فى المقابل- بالدينى وهو يرى نفسه فى تلازم صميمى مع السياسى منذ إبتداء إنبثاقه، فكان لازما أن يتسيس. وهنا يشار إلى أن إكتمال تشكل الدينى بمعزل عن السياسى فى المسيحية، إنما يحيل إلى أنه- أى الدينى- قد تبلور فى أصل مبدأه بوصفه شأنا خاصا وبما يعنيه ذلك من إنه لم يتبلور كفضاء لممارسة عمومية. حقا كانت هناك جماعة، ولكنها كانت جماعة المؤمنين التى لا تمتد سلطتها إلى ما وراء الجانب الروحى الخاص بالإنسان. وفى المقابل، فإن حضور السياسى فى قلب الدينى فى الإسلام قد فرض على الدينى أن يتبلور كشأن سياسى عمومى. ومن هنا فانه إذا كانت منظومات العقائد فى الإسلام قد تبلورت فى قلب الصراع على السياسة، وبحيث كانت تباينات العقائد بمثابة إنعكاس لإختلافات الفرقاء السياسيين، فإنه فى المقابل لم يقدر للسياسة أن تلعب دورا حاكما فى الشأن العقائدى إلا مع تسييس المسيحية الذى تحقق بعد حوالى أربعة قرون من نشأتها. فقد إنعقد أول المجامع المسكونية فى نيقية (325 م) بطلب من الإمبراطور قسطنطين لتقنين منظومة العقائد التى إعتنقتها الكنيسة، فكان ذلك إيذانا بأن الدينى لم يعد شأنا خاصا، بل شأنا عاما تنشغل الدولة بتقنينه وتنظيمه، وتستخدمه فى فرض سيطرتها على المجال العام. واذا كان هذا التباعد الزمانى بين لحظتى تبلور كل من الدينى والسياسى قد يسر ما جرى لاحقا من تصور الدينى كشأن خاص فى التجربة المسيحية، فإن غياب هذا التباعد قد أدى إلى إحتلال الشأن العام موقعا متميزا فى قلب الدينى فى الإسلام. ومن هنا فان مفهوم الجماعة الذى يعد بالغ المركزية فى الإسلام قد ظل إحتلال الشأن مسكونا بدلالة الدينى والسياسى فى آن معا والى حد ما صار إليه الفقهاء من أن النجاة ليس فى الآخرة فقط، بل- وقبل ذلك- فى الدنيا وهو الأهم، تكون فى محض الإستمساك بالجماعة.
وإذ يتقاطع الدينى والسياسى فى بناء المجال العام، فإن ذلك يكشف عن تلازمهما، وليس أبدا تمايزهما فى تجربة الإسلام.
ولعل مثالا على قوة هذا التلازم وعمق تجذره يتأتى من أن حدثا تاريخيا كفتح مكة، الذى يمثل تمام الإنتصار السياسى، فى مغامرة الإسلام الأولى، قد كان بمثابة التتمة والإكمال للدينى وبحيث بدا وكأن مغامرة الإسلام الأولى إنما تنطوى على تشكل الدينى والسياسى فى نفس المصهر تقريبا.
واذ لا مجال للحديث عن مثل هذا التلازم الصميمى بين الدينى والسياسى خلال مغامرة المسيحية الأولى - بل هى الضرورة التى دفعت "السياسى"، بعد قرون من إنبثاق هذه المغامرة، إلى أن يستعير الدينى كمجرد معين له فى أزمته، فوجد نفسه فى قبضته، فإنه يلزم الوعى بجوهرية التباين فيما يخص إشكالية علاقة الدينى والسياسى بين عالمى الإسلام والمسيحية. وغنى عن البيان أن جوهرية هذا التباين إنما تتآتى مما يؤول إليه فيما يتعلق بطبيعة عمل الوعى. فإنه إذا كان عمل الوعى قد إنصرف فى عالم المسيحية إلى تحرير السياسى من قبضة الدينى بعد أن إضطر، فى سعيه لتجاوز أزمته، لأن يضع مصائره فى يده فإن طبيعة عمله، فى عالم الإسلام ينبغى أن تتأطر ـ فى المقابل- بالسعى إلى تحرير الدينى من قبضة السياسى التى وجد نفسه غير قادر على الفكاك منها منذ البدء. ولعل ذلك يستحيل إلا عبر هيمنة الوعى على الطرائق والآليات التى إحتل السياسى بواسطتها فضاء الدينى، فى الإسلام، وهيمن عليه. ولأن السعى لإكتساب قداسة الدينى وتعاليه يبقى هو قصد السياسى من هذا الإحتلال لفضاء الدينى والهيمنة عليه، فإنه قد راح يتخفى وراء الدينى، والى حد تماهيه الكامل معه وبحيث يجوز التمييز بين الدينى يحضر، ظاهرا، على صعيد اللغة والشكل، وبين السياسى يحضر، كامنا، على مستوى الجوهر والبنية الأعمق. ومن هنا تلك المعضلة، فى الإسلام، التى تجعل تحرير الدينى من السياسى وتمييزه، أو حتى فصله، عنه، مشروطا بوصلهما، والإمساك بنظام العلاقة بينهما أولا وأعنى بذلك بيان كيفية إشتغال أحدهما تحت الآخر فى خفاء ودهاء. واذن فإنها المعضلة التى تجعل الوصل بين الدينى والسياسى هو شرط التمييز، أو حتى الفصل الحق بينهما.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 1 / أبريــــل / 2007