السبت، أكتوبر 01، 2011

‬خطاب النخبة المصرية‮ »‬أعور‮«!!‬



يعمل علي مبروك في هدوء،‮
 ‬يحاول قراءة مسيرة الحداثة العربية وتفكيكها،‮
 ‬للوقوف علي اسباب انتكاساتها،‮
‬وبدون صخب يقرأ الاستاذ المساعد بقسم الفلسفة في آداب القاهرة،‮ ‬
مشاريع‮ »‬الباشا‮« ‬القديم،‮ ‬
و»الجنرال‮« ‬الحديث،‮ ‬
ينزع الاستار المتراكمة عن الامام الشافعي،‮
‬وصولاً إلي ثورة الخامس والعشرين من يناير‮.‬


لا يهدف كاتب لعبة‮
»‬الحداثة بين الجنرال والباشا‮« ‬
عبر دراساته ومقالاته إلي مهاجمة الاشخاص،‮
‬ولكن إلي نقد الخطاب الذي تقدمه تلك الشخصيات كي يصل‮ 
 ‬ـ ليس وحده ولكن مع الآخرين‮  ‬ـ
 إلي سد فجوات الخطاب وإلي تعميقه كي يستطيع قراءة الواقع بطريقة سليمة،‮
 ‬تمكن من بناء مستقبل مختلف،يغاير الماضي،‮
 ‬الذي عمل علي بناء اشكال للحداثة وليس جوهرها،‮ ‬علي حد تعبيره‮.
 ‬ربما يبدو صاحب‮
»‬ما وراء تأسيس الاصول‮: ‬مساهمة في نزع أقنعة التقديس‮« ‬
قاسياً في حديثه عن النخبة ولكن يبقي هدفه استغلال الفرصة التي جاءت مع الخامس والعشرين من يناير
 لتصبح ثورة حقيقية تصل إلي العمق المعرفي للمجتمع المصري‮.‬
مبروك أيضا واحد من أهم زملاء نصر أبو زيد ورفاق رحلته البحثية في‮
»‬الدراسات القرآنية‮« ‬
بالإضافة إلي ذلك فلقد رافقته في رحلته الأخيرة إلي أندونيسيا للبحث في مشروعهما المشترك حول إنشاء المعهد الدولي للدراسات القرآنية‮.‬

دعنا نبدأ من مشاكل النخبة كما تراها قبل الخامس والعشرين من‮ ‬يناير‮ .. ‬خاصة وان جزءا من اعمالك‮ ‬ينصب علي محاولة نقد هذه النخبة؟
طوال الوقت أنا لا اناقش النخبة كأفراد،‮ ‬ولكن خطاب النخبة،‮ ‬
فالمشكلة ليست في افراد،‮ ‬فقد يكون الاشخاص حَسني النوايا ومخلصين جداَ،‮ ‬ويسعون بالفعل إلي الاصلاح،‮ ‬ويدفعون ثمن ذلك،‮ ‬
هذا لا يملك أحد أن يناقشه او أن يجادل فيه‮.‬
لكن المشكلة أن رؤي النخبة،‮ ‬أو الخطاب الذي يقدمونه هو خطاب أعرج،‮ ‬
فالخطاب الذي تقدمه النخبة للاصلاح يقع في براثن الخطاب الذي تواجهه وتريد تغييره وزحزحته‮.‬
وإحدي أزماتنا أن الانشغال لدينا هو انشغال بالاشخاص،‮
 ‬وليس بما يقدمونه،‮
وأنا طوال الوقت مشغول بتوجيه الالتفات إلي الخطابات لا إلي الاشخاص،‮
‬وليس لديّ‮ ‬مشكلة مع أي شخص ولكن لديّ‮ ‬مشكلة مع الخطاب الذي يقدمه ذلك الشخص‮. ‬
خاصة أن معظم الخطابات لدينا هي خطابات عوراء‮.‬
بمعني انها عاجزة عن التأثير الفعال،‮ ‬والمنتج في الواقع،‮ ‬فالخطاب عندما يكون مبنياً‮ ‬علي مفاهيم ملتبسة،‮ ‬وحجج‮ ‬غامضة وتراكيب هشة ورثّة،‮
‬ولا يقوم بعمليات فحص واختبار لتلك المفاهيم،‮ ‬والحجج التي يقوم عليها،‮
‬ويكتفي فقط بالاتساق الظاهري يصبح خطاباً‮ ‬شكلياً‮ ‬وغير قادر علي إحداث تغيير في الواقع،‮ ‬وحتي إن كان يحوز قدراً‮ ‬من الإجماع الجماهيري سيظل من داخله خطاباً‮ ‬مأزوماً‮.‬

وما أبرز الأسس التي تري أن خطاب النخبة‮ »‬الأعور‮« ‬يرتكز عليها؟
عندما اتحدث عن خطاب النخبة فأنا اقصد..
 خطاباً‮ ‬بدأ في التشكل مع بدايات القرن التاسع عشر،‮
‬وتلك البداية لا تعني فقط رفاعة الطهطاوي،‮ ‬
ولكن هناك شخصا اسبق من الطهطاوي وإن كان ما حفظه لنا التاريخ من ذلك الشخص ليس بالكثير وهو المعلم يعقوب،‮
 ‬وتجد في إحدي عباراته التي وصلت الينا ما يمكن اعتباره‮
 »‬العبارة التأسيسية‮« ‬بامتياز،‮
 ‬لخطاب ظل مهيمناً‮ ‬إلي تلك اللحظة حيث يقول ان‮:
 »‬التغيير في مصر لن يكون نتاج انوار العقل،‮ ‬ولا اختمار المذاهب الفلسفية،‮ ‬وانما سيكون تغييرا تصنعه قوة قاهرة علي قوم وديعيين جهلاً«
هذه العبارة بالنسبة لي دالة علي مسيرة التحديث العربي منذ القرن التاسع عشر
 حتي الآن،‮ ‬
التي هي بالفعل محاولات لبناء التحديث بالقوة،‮
 ‬حيث نجد قوة ما تتشكل وتسعي لفرض التحديث علي مجتمعات تقليدية،‮
‬من هنا ظل مشروع الحداثة العربي
 إما مشروع‮ »‬باشا‮« ‬بالمعني السياسي الضيق،‮ ‬
أو مشروع‮ »‬جنرال‮« ‬بمعني حكم العسكر،‮
‬ولم تكن الحداثة في أي وقت من هذا الزمن الممتد حداثة مجتمع،‮ ‬أو جماهير‮.‬
عندما نري تاريخ التعليم في مصر منذ عهد محمد علي
 فسنجد أن التعليم طوال الوقت هو عملية إجرائية الهدف منها إنتاج كوادر
 تخدم مشروع الدولة
،‮ ‬أما مسألة خدمة المجتمع واعادة صياغة عقله فهذا أمر‮ ‬غير موجود.
التعليم لدينا يخلق عقلاً اجترارياً وليس عقلاً نقدياً،‮ 
‬لهذا السبب نجد في الفترة الاخيرة عودة القوي التقليدية



وانها هي الفعالة بشكل اساسي مثل العشيرة والقبيلة


وإلي آخر تلك الأشكال التقليدية،‮


‬واذا نظرنا إلي الصراع الموجود الآن في العالم العربي


سواء في ليبيا او سوريا او اليمن فسنجد أن الأشكال التقليدية القبلية


هي التي تقوم به،‮ ‬فالعالم العربي في السنين الاخيرة اصبح مفرخة للاستبداد والفساد والارهاب،‮


‬ومثل هذه النتيجة لا يمكن أن تخرج من مجتمع تعرض لعملية تنوير‮.‬
ونحن الآن نخاف من سيطرة الاسلاميين او السلفيين علي الحكم في مصر
بعد قرنين من عملية الحداثة المفترض حدوثها منذ وقت محمد علي،‮
 ‬وفي النهاية نجد أن هذه القوي التقليدية هي المؤهلة لأن تكسب الساحة،‮
 ‬وتحظي بقدرة كبيرة علي التأثير في الجماهير،‮
‬وهذا يعني اننا يجب أن ندفع ثمن إهمالنا للمجتمع
‮ 
‬من‮ »‬نحن‮« ‬هنا؟
نحن هنا بالفعل ضمير ملتبس،‮
‬يشمل الدولة والنخبة بشكل ما،‮
‬فأنا اعتبر نفسي واحداً‮ ‬من الذين سيدفعون الثمن
 على الرغم من كوني ناقداً لهذا الخطاب،‮
 ‬والنخبة المرعوبة الآن يجب أن تدرك أن هذا ثمن سنوات طويلة من عدم الالتفات لعقل المجتمع وحالته،‮
 ‬فالاهتمام بالمجتمع ليس فقط ببناء الكباري أو الطرق الدائرية وإهمال كل ما يتعلق بالعقل‮.‬

ولكن أعضاء التيار الاسلامي بألوانه من الإخوان إلي السلفيين ليسوا نبتاً شيطانياً ولكنهم موجودون ومنتشرون منذ فترة‮.. ‬فلماذا نري تلك الصدمة التي تشعر بها النخبة الآن؟‮ ‬
إذا حاولت تفسير تلك الصدمة بشكل حسن النية فهي بسبب أن الناس تدرك أن أمامها عملاً‮ ‬طويلاً‮ ‬من أجل عدم سرقة المجتمع‮..‬
‮
‬ولكن مرة أخري من هم‮ »‬الناس‮«...
‬بمعني آخر هل بالفعل الجماهير في الشارع تخاف من مجيء الإسلاميين‮..‬
أم أن تلك مخاوف نخبة معزولة؟
بشكل ما الجماهير لا تمتلك نفس مخاوف النخبة من الإسلاميين،‮
 ‬وذلك لأن هذه الجماهير أفزعها فساد مبارك ورجاله،‮ ‬
وأصبح بالنسبة لها الحل في مزيد من الاخلاق،
‮ ‬لأن مبارك ونظامه كانوا بلا أخلاق،‮
 ‬كما أن هذا التيار الذي يتحدث باسم الدين ربما يكون أكثر أخلاقاً‮ ‬من ‮ ‬نظام مبارك،‮ ‬وبالتالي فهم بديل أفضل‮.
‬بالتأكيد الناس معذورة في ذلك الشكل من التفكير،‮ ‬وهذا سيرجعنا مرة أخري إلي أننا بلا مؤسسات،‮ ‬فالمؤسسات التي يمكن أن تقوم بعمليات المراقبة والمحاسبة والمساءلة‮ ‬غير موجودة،‮
 ‬فأصبحنا نعول علي ضمير الشخص وأخلاقه ومدي خوفه من الله،‮ ‬والتي هي في النهاية كلها معايير ذات طبيعة شخصية جدا‮.‬
وهنا إذا رجعنا مرة أخري إلي رفاعة الطهطاوي الذي انبهر بفرنسا
ورأينا كيف يكتب عن الحاكم،‮ ‬فلا نجد أنه يتحدث عن آليات مؤسسية يمكنها مراقبة ومحاسبة ذلك الحاكم،‮ ‬
ولكنه حين يتحدث عن القوة الرادعة للحاكم فهي الحياء،‮ ‬والضمير،‮ ‬ويمكن أن يسدي اليه النصح ولكن بحدود‮. ‬
وهذا يجعلنا نطرح تساؤلاً كبيراً حول مفهوم‮
»‬الدولة الحديثة‮« ‬
الذي يتحدث عنه الكثيرون في العالم العربي الآن،‮ ‬
هل لدينا بالفعل دولة حديثة أم أن حالنا يشبه ما تحدث عنه الشاعر العراقي معروف الرصافي في بداية القرن العشرين‮
»‬علم ودستور ومجلس أمة‮..
 ‬كلٌ عن المعني الصحيح محرف‮ «


 ‬وان كل ما نتحدث عنه باعتباره مؤسسات هي مجرد هياكل صورية أو ادوات تحقق من خلالها الارادة المستبدة للحاكم ولا تشكل اي نوع من انواع الحدود


علي ارادة هذا الحاكم،‮


‬ما يجعل الجمهور الآن‮  ‬يتجه إلي‮ »‬اصحاب الاخلاق‮« ‬


لأن المؤسسات لم تفد بشيء‮.‬

في هذا السياق كيف تري‮ ‬25‮ ‬يناير؟
‮٥٢ ‬يناير فتحت الباب لنا أمام فرصة،‮
‬فإما أن نكون علي مستوي اللحظة والتحدي،‮
 ‬وأن نتفاعل بشكل إيجابي‮  ‬مع تلك اللحظة الهامة،‮
وإما ستدخل مصر والعالم العربي في نفق مظلم يعلم الله مداه‮.‬

مرة ثانية‮... ‬إلي من توجه ضمير المخاطب هنا؟
إلي النخبة التي يجب أن‮  ‬تستشعر حساسية اللحظة الراهنة،‮ ‬
ولكن ما يبدو لي حتي الآن‮  ‬ليس مطمئنا بشكل كبير،‮
 ‬فكي نكون علي مستوي اللحظة يجب أن نعي دلالتها علي مستوي السياق التاريخي،‮ ‬ويجب أن نري من أين جئنا لنصل إلي هذه اللحظة،‮ ‬واين نود الذهاب!!
وما يبدو لي حتي الآن أن ممارسات النخبة لم تتغير،‮
‬واسوأ ما فيها انها حتي الآن‮  ‬غارقة في مستوي التخاصم والتناطح الايديولوجي،‮ ‬وهذه ليست الشروط اللازمة لكي تتحول‮ ‬25‮ ‬يناير إلي ثورة،‮
‬حتي الآن‮  ‬نحن امام مشروع ثورة،‮ ‬والامر لا يتعلق بتغيير رأس السلطة،‮
‬أو باستبدال سلطة محل اخري‮.‬
ولكن السؤال هو‮:
 ‬هل نملك الآن‮  ‬شروط بناء النظام الجديد؟
 ولا اقصد هنا فقط الفهم السياسي لهذه الشروط،‮
 ‬ولكن ما اقصده هو الفهم المعرفي لدلالة ما حدث،‮ ‬وأكتفي فقط بطرح السؤال
والأيام والممارسات ستجيب عليه‮.‬

روج النظام وبعض المثقفين أن أي تحرك جماهيري يمكن أن يحدث سيكون اسلامياً،‮ ‬ولكن يمكن القول بثقة أن‮  ‬أيام التحرير كانت ذات مسحة علمانية،‮ ‬كيف تفسر ذلك ولماذا تبدو تلك الحالة‮ ‬غائبة حالياً؟‮ ‬
اللحظة من‮ ‬25 ‬يناير وحتي‮ ‬11‬ فبراير
هي لحظة استثنائية لا يمكن القياس عليها،‮ ‬
وتظل لحظات فارقة في تاريخ حياة الشعوب،‮ ‬
بالتأكيد كانت لحظة فريدة اجتمع فيها كل الناس علي مطلب واحد تريد أن‮  ‬تقبض عليه بأيديها،‮
 ‬وهذا ما شكل تلك اللحظة وليس علمانية الناس أو حداثتهم،‮
 ‬ولكن اتفاقهم علي مطلب واحد وواضح ولا مجال فيه للاختلاف بين كل الناس المحتشدة في كل مدن مصر‮.‬
لكن المشهد اختلف بعذ ذلك لأننا رجعنا إلي السياق العادي،‮
‬وانتهت اللحظة الاستثنائية،‮
‬وعدنا إلي الممارسات التي أتحدث عنها وأريد توضيح أن حديثي عنها لا يعني رفضاً لها ولكنها محاولة لنقدها،‮
 ‬رغبة في مزيد من العمق للحوارت الدائرة‮.‬

ما الذي تقصده بتعميق الحوار‮...‬
أي المناطق تحديداً‮ ‬التي تري أنها تحتاج إلي ذلك التعميق؟
دعني اضرب لك مثلا من الحوار الدائر بين الدينيين والمدنيين حالياً،‮
 ‬والذي لا افهم علي أي ارضية يقف،‮
 ‬فمثلاً
 عندما يدور الحوار بين احد دعاة الدولة المدنية ذات المرجعية الاسلامية
وبين أحد دعاة المشروع العلماني،‮
‬يتحدث الديني عن عدم إمكانية تولي‮ ‬غير المسلمين الولاية العامة،‮
‬فيرد عليه المدني بأن هذا تمييز،‮
‬فيجيب الديني بالموافقة،‮ ‬
أجل هذا تمييز اجمع عليه الفقهاء‮. ‬

وهنا يقف صاحب المشروع العلماني حائرا أمام هذا»الاجماع‮«.‬
وما اقصده بتعميق الحوار هنا،‮ ‬
أن صاحب المشروع الديني هو اما جاهل او مرواغ،‮
 ‬فإذا كان جاهلاً فيجب أن يعرف واذا كان مراوغا فيجب كشف مرواغته،‮ ‬
ففي هذه الحالة يجب علي صاحب المشروع المدني الا يقف امام حائط‮ »‬الاجماع‮« ‬وانما يجب عليه اختراقه بالسؤال عما يعنيه هذا الاجماع،‮
‬بل يرد السؤال إلي مستوي اكثر عمقا بالسؤال عن معني المنظومة الفقهية اصلاً،‮
‬فهل الفقه هو القرآن؟
 أم انها منظومة خلقت بفعل كثير من المحددات التاريخية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية لظرف بعينه‮. ‬
فالامام مالك عندما يتحدث عن اصول فقهه فمنها أعراف اهل المدينة،‮ ‬
اذن ما تعارف عليه اهل المدينة اصبح في الفقه له قوة النص القرآني،‮
 ‬لذلك عندما اراد الخليفة ابو جعفر المنصور تعميم كتاب‮
»‬الموطأ‮« ‬للامام مالك
علي جميع البلاد،‮ ‬


رفض مالك لأن عادات اهل العراق تختلف عن عادات اهل المدينة،‮


‬وكل بلد له عادات واعراف مختلفة‮. ‬


فالفقه يحمل من المجتمعي والسياسي الكثير،‮ ‬


ولكن مرواغة صاحب المشروع الديني باستعمال‮ »‬الاجماع‮« ‬تهدف إلي خداع الجمهور عن طريق الخلط بين الفقه والدين‮.‬
وعندما يقف داعية الدولة المدنية امام‮ »‬الاجماع‮« ‬فهذا يعني انه قبل الفرضية التي يطرحها الآخر والتي تساوي بين الفقه والدين،‮
 ‬وبالتالي إذا عارضت الدولة المدنية ما يقول به الفقه فكأنها تعارض الدين‮.‬
هذا ما اعنيه بالأسس التي تعمق الحوار،‮
‬ولكن ما يحدث أن الجميع يصنع تراكيب بالغة الهشاشة ويخوضون بها نقاشا‮ ‬غاية في الضحالة،‮ ‬وهذه اسوأ طريقة في الاشتغال المعرفي‮.‬
فمن يريد إقامة دولة دينية ذات مرجعية دينية قائمة علي التباس بين أن
الفقه هو الدين،‮ ‬
وهكذا نبدو كمن يريد أن يسلم مصر إلي من يبني مشروعاً‮ ‬خاطئاً‮ ‬من اساسه،‮ ‬وبالتالي فان مستقبل البلاد لا يعنيه‮.‬
ونفس المشكلة موجودة في الخطابات الأخري
فالجميع في الهم سواء المدني والديني والحداثي،‮
 ‬والهدف من مثل هذه النقاشات ليس تفنيد خطاب الخصم،‮ ‬
ولكن بالاساس تنبيهه إلي انه لا يوجد خطاب يمكنه بناء واقع مشرق بدون أن‮  ‬يكون مبنياً‮ ‬علي اساس سليم‮. ‬
واتمني ألا تقام تلك النقاشات في برامج التوك شو،‮ ‬ولكن بعيداً عن ماكينة الاعلام،‮ ‬فهناك في كل فريق من هو مهموم بمستقبل البلد وليس فقط ما يمكن الفوز به من الكعكة الحالية‮.‬

كيف تري سبيل الخروج من تلك الدائرة؟
يجب أن نبني الشروط التي تسمح بمصر مختلفة
ولن نصنع ذلك الا اذا انتقلنا من الخطاب القديم،‮
 ‬الذي يعمل فقط علي صناعة توافق شكلي خارجي،‮
‬فيصبح لدينا كل شيء ولكن من الخارج فقط لدينا مؤسسات شكلية،‮ ‬ودولة شكلية،‮ ‬وحتي الدين لدينا شكلي،‮ ‬بينما الجوهر خال تماما‮.
‬لذلك اصبحنا في ذيل الامم بسبب الخواء الفظيع الذي نحيا فيه،‮ ‬
وكما ذكرت فنحن امام فرصة يمكن أن تخرجنا بعيداً‮ ‬عن تلك الدائرة،‮ ‬اذا وعينا بمتطلباتها‮.‬
وأولي تلك الخطوات أن نتجه إلي إنقاذ النخبة،‮
 ‬ومن سيقوم بهذه العملية هم ذلك الجزء من النخبة الذي يمتلك خطابا نقديا يجعله قادراً‮ ‬علي رؤية الفجوات في خطابه قبل رؤية فجوات خطابات الآخرين،
‮ ‬كي نفتح باباً لتجاوز التلفيق والشكلانية الهشة‮. ‬
وهذا التجاوز هو ما يسمح فعليا ببناء دولة المؤسسات،‮ ‬دولة الحق،‮ ‬وهذا ما يسمح بإعادة تشكيل العلاقة‮ ‬بين الدولة وبين المجتمع‮.‬

تم النشر في جريدة أخبار الأدب بتاريخ في 1 اكتوبـــــر 2011
كتب / محمد فرج
لينـــــــك المــوضـــــــوع




الخميس، يوليو 21، 2011

عن مرحلة ما قبل المعرفي في مصر




يكشف مستوي الجدال والمناظرة المحتدمة في الفضاء المصري الراهن‏,‏
عن حقيقة أن 
مصر تعيش في إطار ما يمكن اعتباره مرحلة ما قبل المعرفي وأعني بها تلك المرحلة 

التي ينحبس فيها الناس داخل صناديق انتماءاتهم وتحيزاتهم الأيديولوجية والدينية والمذهبية‏.‏ وضمن سياق هذا الانحباس‏.‏...
فإن الناس لا يعجزون, فحسب, عن رؤية ما يقع خارج الصناديق الايديولوجية والمذهبية
التي يحبسون رؤوسهم داخلها, بل- والأهم- أنهم لا يقبلون التفكير في جملة المفاهيم والتصورات المضمرة التي يقوم عليها بناء ما يتحيزون له من إيديولوجيات ومذاهب, باعتبار أنها من قبيل المطلقات التي تعلو علي أي تفكير.


والملاحظ أن العقل حين ينحبس وراء تلك الأسوار الحصينة, لا يكف عن السعي إلي إكراه الواقع, بدوره, علي الانحباس معه وراءها.
وإذ يبدو, هكذا, أن مرحلة ما قبل المعرفي التي تسود الفضاء المصري الراهن, لا تقدم إلا عقلا منحبسا وراء أسوار الأيديولوجيا بأطيافها المختلفة( وأعني علماوية ودينية ومذهبية وغيرها) من جهة, وواقعا يراد له أن ينحبس, بدوره, وراء تلك الأسوار من جهة أخري, فإنه لا سبيل لتحرير كل من العقل والواقع إلا عبر الإشتغال المعرفي علي المفاهيم والتصورات التي يقوم عليها بناء الأنظمة الأيديولوجية والمذهبية التي تتقارع علي سطح الواقع المصري الراهن.

 ومن حسن الحظ أن إشتغالاً معرفياً علي معظم المفاهيم والتصورات والإفتراضات المضمرة التي يؤسس عليها البعض أبنية يريد لها أن تحدد معالم المسار السياسي والإجتماعي لمصر, إنما يكشف عن كونها أضعف من أن تكون أساسا لبناء راسخ; وأعني من حيث تبدو جميعا أضيق من أن تستوعب حركة الواقع, وأعجز- بالتالي- من أن تقدم حلولاً ناجزة لمشكلاته الجاثمة.
ولعل مثالاً للضلال الذي تمارسه الإيديولوجيا علي الوعي يتبدي في المقاربة الراهنة لخطاب التيار السلفي في مصر; وأعني من حيث ما تقدمه تلك المقاربة من صورة للخطاب تتعارض بالكلية مع الصورة التي تقدمها المقاربة المعرفية له.

 فإذ تقدم الإيديولوجيا صورة لخطاب يتسع لتباين الرؤي وتعدد الآراء, وإلي حد ما يجري الترويج له من أنه قد يكون للداعية السلفي في القاهرة زقولا في مسألة بعينها يختلف عن قول الداعية السكندري فيها, فإن المقاربة المعرفية تقدم, في المقابل, صورة لخطاب يقوم نظامه الباطن علي التفكير المقيد بأصل مسبق; وهو أصل يتم تضييقه علي نحو كامل, وبما يعنيه ذلك من إنغلاق الخطاب وجموده.

 وإذن فإنه التناقض بين صورة تقدمها الإيديولوجيا يتميز فيها الخطاب بالإتساع والرحابة, وبين ما يقدمه التحليل المعرفي من صورة يتسم فيها الخطاب بالضيق والجمود. وإذ تكون العبرة في تحليل الخطاب, بما يقدمه الإشتغال المعرفي علي نظامه العميق, وليس بما تقدمه الإيديولوجيا التي تجري علي سطحه بنفعيتها وإنتقائييها, فإنه يمكن القول بأن ما يجري من التركيز علي الإختلافات الجزئية بين دعاة الخطاب السلفي هو محض حيلة إجرائية تقصد, عبر التغطية علي نظامه المعرفي المغلق, إلي نسبة ما ليس فيه, من المرونة والديناميكية, إليه.

 وبالطبع فإنه لا شئ وراء نسبة المرونة والديناميكية إلي الخطاب, أي خطاب, إلا القصد إلي مكاثرة المؤمنين والأتباع; وبما يتبع ذلك من تحقيق الهيمنة والإنتشار.
 وإذ لا سبيل إلي تحرير الناس من زيف الصور التي تقدمها الإيديولوجيا للخطابات المتصارعة في الفضاء المصري الراهن, إلا عبر إنتاج معرفة منضبطة بها, فإن الخطاب السلفي يقوم- بحسب مصادره التأسيسية - علي خطاطة معرفية بسيطة تنطلق من أنه لا تفكير إلا إبتداء من أصل يجب الرجوع إليه; وهذا الأصل هو النص الذي يشتغل- علي قول أحد الآباء المؤسسين للخطاب- بمجرد زالتلاوة ونص التنزيل, وليس بتفسير وتأويل. ويربط الخطاب رفضه للتأويل بأنه قول بالظن والهوي, لم يأمر به النبي.
تلكم إذن هي خطاطة السلف نص بلا تأويل...وواقع لابد من أن ينحشر داخله. وإذ يبدو, والحال كذلك, أنه لا مجال لتوسيع النص بالتأويل, ليستوعب حركة الواقع التي تتسع بإطراد, بقدر ما هو السعي إلي تضييق الواقع ليقبل الإندراج تحت لفظ التنزيل, فإنه لا يبقي إلا أن تكون الأيديولوجيا, ولا شئ سواها, هي مصدر الإدعاء بمرونة مثل هذا الخطاب وديناميكيته.
والحق أن التأويل ليس قولا بالظن, بحسب ما يروج دعاة السلفية, بقدر ما هو السعي إلي إنتاج معني الآية القرآنية عبر ربطها بمحددات سياقية( منها سياق تنزيلها, والسياق النصي الذي يشملها, وسياق كل من الواقع والعقل معاً. وللمفارقة فإن القرآن نفسه يؤكد علي ضرورة تلك المحددات السياقية لأي عملية فهم.
 ويأتي المثال الأبرز علي ذلك من قصة موسي والخضر التي يبدو موسي فيها عاجزا عن إستيعاب أفعال الخضر( من خرق السفينة وقتل الغلام وهدم الجدار) إلا عبر ردها إلي سياق أشمل تكتسب فيه تلك الأفعال دلالتها ومعناها التي يصبح موسي قادراٌ علي إستيعابها. وهكذا فإن الإدعاء السلفي بأن النبي لم يأمر بالتأويل يتعارض مع جوهر الدرس القرآني الذي يؤكد ضرورة ربط الحدث الجزئي بسياق أشمل يكتسب فيه دلالة مغايرة; والذي لا يعني إلا التأويل.

والحق أن الإنحياز السلفي للتعامل مع القرآن بمنطق التنزيل علي حساب منطق التأويل لا يعني إلا الإنحياز للجزئي علي حساب الكلي في القرآن. فإذا كان أهم ما يميز القرآن كتنزيل أنه قد تنزل كآيات متفرقة علي مدي أكثر من عشرين عاما, فإن الإلحاح السلفي علي التعامل مع القرآن بنص التنزيل لا يعني إلا التعامل معه كآيات متفرقة, تنتج فيه الواحدة منها دلالتها في إنفصال عن غيرها, وليس ضمن سياق أكبر ترتبط فيه مع غيرها من الآيات; وذلك علي النحو الذي يتحدد فيه معناها بحسب نوع وإتجاه الحركة الكلية لهذا السياق.
حقا قد يستدعي داعية السلفية آيات أخري لتأكيد ما يريد من الآية التي يشتغل عليها أن تنطق به. وهكذا فإنه يستدعيها لتقف فقط إلي جوار الآية التي يشتغل عليها, وليس لكي تتفاعل أو تتحاور معها علي النحو الذي قد يؤدي إلي إعادة توجيه معناها في غير إتجاه ما تنطق به, وهي معزولة عن سياق تفاعلها مع غيرها.

 وإذن فإنه الإستدعاء ضمن منطق التجاور الذي هو منطق تثبيت للدلالة, وليس ضمن منطق التفاعل والتحاور الذي هو منطق تفجير الدلالات المكتنزة الكامنة. ولعل مثالا لبؤس تلك المقاربة السلفية التي تنتج فيه الآية, أو الآيات, دلالتها منفردة, يتجلي في القراءة السلفية لآيات الرقيق والإماء وملك اليمين, والتي راح أحد مشاهير دعاة السلفية يري فيها سبيلا لخروج المسلمين من أزماتهم الإقتصادية الخانقة... فإنه ليس مطلوبا من المسلمين- حسب داعية السلفية الكبير- إلا تفعيل آيات الغزو والإسترقاق وسبي الذراري والإماء, والذين سوف تكفي حصيلة بيعهم- أو حتي تحريرهم- لا لحل مشكلاتهم فقط, بل ولنقلهم إلي حال العيش المترف الرغيد.
 ومع صرف النظر عن أن الرجل لا يفعل إلا أن يستعيد, ليس من الإسلام, بل من أعراب ما قبل الإسلام ذاكرة إقتصاد الغزو الذي يري فيه الحل لمشكلات المسلمين الراهنة, فإن ما يبدو من الإستحالة الكاملة لتلك الممارسة التي يقترحها الرجل في إطار التطور الراهن للإنسانية, لمما يؤكد علي بؤس المقاربة السلفية التي يبدو وكأنها قد نذرت نفسها لإظهار تناقض القرآن مع ما بلغه مسار التطور الإنساني الراهن.
 والحق أن منطق السلفية القاضي بالتعامل مع القرآن بنص تنزيله, لابد أن يؤول - شاءوا أم أبوا- إلي ضرورة النضال من أجل رد العالم إلي الحال التي كان عليها وقت التنزيل. فإذا كان القرآن قد تنزل بأحكام حول الرق مثلا, وأدي التطور الإنساني إلي تعطيل إشتغالها, فإن داعية السلفية, وبسبب إصراره علي قراءة آيات الرق معزولة عن سياق تتفاعل فيه مع غيرها, وعلي نحو يتم فيه توجيه معناها في إتجاه مغاير لما تنطق به في عزلتها وفرادتها, يلح علي تفعيلها في جزئيتها, حتي لو إقتضي الأمر رداً للعالم إلي الحال التي كان عليها وقت نزول تلك الأحكام.

وهنا فإنه إذا كانت آيات الرق في جزئيتها تحيل إلي دلالة إستعبادية ترتبط بالسياق الذي كانت تعيش فيه المجتمعات القديمة, وأنماط الإنتاج السائدة فيها, فإن ربطها بغيرها من آيات يبدو فيها تحرير البشر, علي العموم, قصداً قرآنياً كلياً سوف يؤدي إلي إعادة توجيه دلالة تلك الآيات علي نحو ينقذ القرآن من وصمة اللا إنسانية. يبدو, إذن, وكأن كلا من القرآن والإنسانية في حاجة للخلاص من القبضة السلفية; وهو ما لن يكون ممكنا إلا عبر التجاوز بمصر من مرحلة ما قبل المعرفي التي تعيش فيها.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 21 / يوليو 2011

الثلاثاء، يوليو 19، 2011

قراءة في أزمة النخبة الفكرية المصرية بعد الثورة (3-3)



في الجزء الأول من الحوار،
 تحدث د. علي مبروك عن الخطاب النخبوي المصري - عبر توجهات النخب المختلفة – واصفا إياه بالضحالة البالغة في علاقته بالمفاهيم التي تحتاجها مصر في اللحظة الراهنة. ورأى أن التوجه الإسلامي يخلط الشريعة بالمدونة الفقهية. كما رأى التيار العلماني يعتبر الدين عدو للدولة المدنية بإطلاق من دون التفريق بين الدين كدين وبين الدين كدوجما تعمل على تحويل الاجتهاد الفقهي لمطلق رباني.
وفي الجزء الثاني،
 يتحدث عن مفهوم المواطنة ويقيم الأطروحات التجديدية فيه؛ والتي اعتبرها تقدم إشكالية جديدة. ويطور رؤية لمصدر إشكال الوضع الراهن في الحالة الإسلامية تتعلق بالفكر الاجتهادي الإسلامي المعاصر وطبيعة الثورة التي يقدمها على الإسلام التاريخي بدون تقديم قراءة في النصوص.
وفي هذا الجزء 
يتحدث د. علي مبروك عن إرادة الاستقطاب كنتيجة لسيادة نمط التفكير الأيديولوجي وليس نمط التفكير المعرفي.
وفيما يلي نص الجزء الثالث من الحوار:

** التوجهات اليسارية والليبرالية اليوم.. لماذا ترى أنها يجانبها الصواب فيما يتعلق بالنظر إلى قضية مدنية الدولة؟
د. علي مبروك:
 المشكلة طبعا في عدم ضبط المفهوم مفهوم الدولة المدنية. فهذا في حد ذاته مشكلة؛ لأنه يؤدي بهم إلى أن يضعوا أنفسهم في عباءات وفي مواقف استقطابية حدية. فعندما أقول أن الدولة المدنية هي الدولة اللا دينية أو غير الدينية هذا الكلام يؤدي لمشكلات استقطاب حادة كالتي شهدها المجتمع المصر عقب الثورة.
لا بد أن نحدد إنه إذا ما أحل الدين نفسه - على الأقل الجانب المتعلق بالدولة- إذا ما فهمناه على إنه نفسه بنية مدنية فلن تكون عندنا أي مشكلة.

** كيف – برأيك – يمكن إدارة النقاش حول دور الدين بما يعزز من فهم وضعه في الإطار المدني؟
د. علي مبروك:
 لا بد من طرح سؤال الدين.

** بمعنى؟
د. علي مبروك:
بمعنى أن نسأل ما هو الدين؟ وهو الكلام الذي ربما أشرت إليه في بداية الحوار بيننا عندما تتحدث عنه نعني به، ماذا يعني الإسلام؟ الدين بالفعل مدني رغم مصدره الإلهي. المشكلة في أن المصدر المطلق للدين يجعل الناس أيضا تصف الدين بأنه مطلق، فتجربة الوحي إذا تأملت فيها من مبتداها لمنتهاها ستجد نفسك مضطرا إلى الإجابة على سؤال ما هو المبدأ وراء التغير في الوحي إلى الحد الذي يجعل المصادر الإسلامية الكلاسيكية تتحدث عن عدد أنبياء وصلوا إلى 124 ألف نبي مقابل 313 رسول يحملون رسالات ووحي من السماء وشرائع إلى البشر؟ وعندما تسأل مثل هذا السؤال يرد عليك القرطبي في تفسيره لآية "ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها" (البقرة: 106)؛ حيث يقول: إن الله يسلك مسلك الطبيب الذي يراعي حال مرضاه: بمعنى إنه بحسب مصالحهم الدينية والدنيوية يكون الخطاب، وبالتالي يصل الرجل في تفسيره لهذه الآية إلى أن الله علمه مطلق لا يتغير ولا يتبدل ولكن خطاباته تتبدل، ومن طبيعي أن نسأل: لماذا يتبدل الخطاب؟ إذا كان الله راعى أنه يخاطب بشرا تتغير أوضاعهم وتتباين ظروفهم وبالتالي راعى ذلك في خطابه مع البشر لماذا لا نسير نحن على هذا الدرب؟
وهناك ما هو أكثر؛ فلو قرأنا في سورة الكهف، ذلك الحوار العظيم بين موسى – عليه السلام – والخضر؛ عندما اسمع هذا الحوار واقرأه أقول إننا أمام إله يريد أن يقول للبشر "يا بشر افهموا اعرفوا أن الخطابات لا تفهم خارج السياق".
هذا يعني أنك بإزاء حالة تتغير وتتبدل باختلاف أوضاع البشر وتباين ظروفهم. وهذه هي المدنية. لقد مارس الله معنا هذه الطريقة؛ فلماذا لا نمارسها مع أنفسنا فاهمين وقارئين؟ فنرى كيف كانت المنظومات القديمة تتأسس وعلام؟ وكيف أنه من الممكن أن نغاير التأسيس؟ أم سيظل ثقل المنظومة القديمة يفرض نفسه؟ وأنا أخشى من الكلام المتعلق بأن الأوضاع الواقعية تغيرت، وبالتالي يجب أن نغير الأوضاع الفقهية ونقول ذلك ويتهيأ لنا إن هذا القول وحده كاف لحل المشكلة. هذا لا يكفي لحل المشكلة بسبب بسيط جدا: هو أن المنظومة القديمة تخلق بنيات ذهنية وعقلية تخلق بدورها طرقا في التفكير، وتظل هذه الطرق تعيد إنتاج نفسها حتى لو غاب شرطها الاجتماعي التاريخي: بمعنى أن الشرط الاجتماعي التاريخي قد غاب، ومع ذلك؛ فكثير من المحللين يرى مثلا أن آليات التفكير العقلية العربية المهيمنة والحاكمة لهذا العقل في معظمها حتى الآن آليات البداوة وآليات القبيلة الحاكمة في آليات اشتغاله. فالعقل لديه ميكانيزمات يعمل بها، ولديه طرق في التفكير يتمايز بها؛ بحيث تستطيع أن تمايز بها عقل جماعة حضارية ما عن عقل جماعة حضارية أخرى.
فبرغم أن القبيلة سقطت كبناء اجتماعي في معظم العالم الإسلامي؛ إلا أن غيابها من الفضاء الاجتماعي وحتى السياسي لم يحل دون استمرار اشتغالها على الصعيد العقلي ويجب أن نكون واعيين بذلك. المشكلة ليست في الدين، وإنما هي في ثقل منظومة قديمة فهمت الدين وتعاملت معه في هذا الاتجاه، وفهمت منتجها في سياق إطلاقي، وعلينا الآن أن نعيد الفهم مرة أخرى إلى السياق الإنساني المتجدد.

** إذا تحدثنا عن إن الأزمة التي تحدثت عنها بخصوص العقل العربي، والتي أدت في داخل المساحة الإسلامية إلى صراع حاد ما بين قلة مجددين وكثرة كثيرة تفتقر إلى هذا النزوع التجديدي، وهو الوجه الآخر من حدث الاستقطاب الذي تشهده مصر الآن ما الذي أنتجته هذه الأزمة؟
د. علي مبروك:
 قبل أن أتحدث عما أنتجته هذه الأزمة دعني أولا أتحدث عن مسألة القلة المجددة في مواجهة الكثرة الغالبة التي هي ضد التجديد؛ لأن هذا يجرنا إلى مراوغات كثيرة يجب أن نضع أيدينا عليها، ونكون واعين بها. ونحن لا نفعل ذلك أيضا في أوقات كثيرة.
المشكلة إننا رأينا في الإسلام - في لحظة من لحظاته المزدهرة اللامعة - إمكانيات هائلة للتعدد والاختلاف وتباين الأنظار. رأينا هذا كله، لكن لم نسأل ماذا حدث بعد ذلك؟ ونظل نستدعي هذه اللحظة وكأن مجرد استدعائنا لها يمكن يؤدي إلى إنتاجها؛ دون أن نسأل: ماذا حدث؟ ما الذي وأد التعددية؟ ما الذي وأد حق الاختلاف؟ ما الذي أدى إلى هذا الاختناق؟ هذا الوضع الذي يكاد يختنق به العالم الإسلامي.
ودعنا لا ننسى مفهوما مهما جدا علينا أن نشتغل عليه، وهو مفهوم النسق المهيمن، وعلينا كذلك العمل على حقيقة الهيمنة، فهذا النسق الذي هيمن ابتداء منذ هذه المسألة باعتباره أنه الوسط، لكن علينا أن  نفهم كيف تتحدد آليات الهيمنة وآليات السيطرة لنسق مع إقصاء واستبعاد أنساق أخرى. ولا يكفي وأنا جالس في هذه اللحظة في القرن الواحد والعشرين أن أقول أن في القرن الرابع الهجري كان عندي أو في القرن الثالث الهجري كان عندي كذا وكذا، وكأن استدعائي أو حديثي عن هذه اللحظة كفيل بإنتاجها في واقعي، فهذا يعني أنني لا زلت من أنصار العقلية السحرية التي ترى أنه بمجرد الكلام عن شئ فإن حديثي يؤدي إلى امتلاك وحدوث هذا الذي أتحدث عنه، وهذا لا يحدث بالتأكيد.
في مصر إلى الآن، لا أستطيع أن أتحدث عن إن هناك اجتهادات جدية مع كل تقديري واحترامي. لكن سيظل تقييمي كباحث وكدارس أن كل هذه الاجتهادات تصب في الاجتهاد العملي الإجرائي ولا تغامر بمساءلة الكلي في المسألة.
وفي هذا الغطار، ومع استمرار الحوار، وأنا أرجو أن ينفتح الجميع على الحوار، فما نفعله أنا وأنت نسميه تحاورا، وأنا أعرف إن موقعك مختلف عن موقعي الفكري، ومع ذلك هناك إمكانية لأن تتوسع رؤيتي وأن أوسع رؤيتك؛ فيتم توسيع الآفاق وتوسيع الرؤى. أنا أتصور أن هذه هي قيمة اللحظة وقيمة الحدث الذي جرى في مصر، ولهذا السبب فأنا أتصور إنه على النخبة أن تلتقط هذه الفرصة.

** لماذا برأيك تم استبدال الحاجة للحوار بإرادة الاستقطاب؟
د. علي مبروك:
 وسيظل يتم لسبب بسيط لأننا لا زلنا نتعاطى مع المسائل بالطريقة الإيديولوجية وليس بالطريقة المعرفية. الحوار يحتاج إلى معرفة. فضبط المفاهيم الذي بدأنا منه يحتاج إلى معرفة، ويحتاج إلى حفر ودأب. الناس التي يقال لها رموز مصرية تجدهم الآن على إحدى القنوات الفضائية، وبعد ساعة تجده على قناة أخرى؛ يتنقل من قناة إلى قناة في مدينة إنتاج إعلامي واحدة. فهل مثل هذا لديه وقت للحوار أم عنده وقت ليظل يكرر منظومة الشعارات التي حفظناها ومللناها. هذا أخطر ما يتهدد اللحظة في مصر الآن وهو طغيان هذه النزعة الإيديولوجية في التعامل مع مفاهيم ينبغي أن تخضع لمعارفنا وحوار معارفنا.
فالشرط المهم جدا للحوار الذي سيفتح الباب لنا الآن هو نقد التعاطي الإيديولوجي، وكشف كيف أن الأيديولوجيا حاضرة باستمرار في ما تتداوله النخبة، وإنها تجعلنا نخسر الكثير وستجلنا نخسر أكتر.
لا نريد أن يطل علينا دعاة. نريد علماء يفكرون بطريقة منهجية، ويتجاوزوا الأيديولوجيا لتقديم اجتهاد حقيقي. لا نريد أن يأتينا أحد ولديه كل الأجوبة جاهزة، نريد التعاطي بعقلية الباحث الذي يطرح الأسئلة التي تحتاجها البلد.

تم النشر في موقع أون اسلام بتاريخ 19 يوليـــــــــــو 2011
حوار / وسام فـــــؤاد


قراءة في أزمة النخبة الفكرية المصرية بعد الثورة (3-3)



في الجزء الأول من الحوار،
 تحدث د. علي مبروك عن الخطاب النخبوي المصري - عبر توجهات النخب المختلفة – واصفا إياه بالضحالة البالغة في علاقته بالمفاهيم التي تحتاجها مصر في اللحظة الراهنة. ورأى أن التوجه الإسلامي يخلط الشريعة بالمدونة الفقهية. كما رأى التيار العلماني يعتبر الدين عدو للدولة المدنية بإطلاق من دون التفريق بين الدين كدين وبين الدين كدوجما تعمل على تحويل الاجتهاد الفقهي لمطلق رباني.
وفي الجزء الثاني،
 يتحدث عن مفهوم المواطنة ويقيم الأطروحات التجديدية فيه؛ والتي اعتبرها تقدم إشكالية جديدة. ويطور رؤية لمصدر إشكال الوضع الراهن في الحالة الإسلامية تتعلق بالفكر الاجتهادي الإسلامي المعاصر وطبيعة الثورة التي يقدمها على الإسلام التاريخي بدون تقديم قراءة في النصوص.
وفي هذا الجزء
يتحدث د. علي مبروك عن إرادة الاستقطاب كنتيجة لسيادة نمط التفكير الأيديولوجي وليس نمط التفكير المعرفي.
وفيما يلي نص الجزء الثالث من الحوار:
** التوجهات اليسارية والليبرالية اليوم.. لماذا ترى أنها يجانبها الصواب فيما يتعلق بالنظر إلى قضية مدنية الدولة؟
د. علي مبروك:
 المشكلة طبعا في عدم ضبط المفهوم مفهوم الدولة المدنية. فهذا في حد ذاته مشكلة؛ لأنه يؤدي بهم إلى أن يضعوا أنفسهم في عباءات وفي مواقف استقطابية حدية. فعندما أقول أن الدولة المدنية هي الدولة اللا دينية أو غير الدينية هذا الكلام يؤدي لمشكلات استقطاب حادة كالتي شهدها المجتمع المصر عقب الثورة.
لا بد أن نحدد إنه إذا ما أحل الدين نفسه - على الأقل الجانب المتعلق بالدولة- إذا ما فهمناه على إنه نفسه بنية مدنية فلن تكون عندنا أي مشكلة.

** كيف – برأيك – يمكن إدارة النقاش حول دور الدين بما يعزز من فهم وضعه في الإطار المدني؟
د. علي مبروك: 
لا بد من طرح سؤال الدين.

** بمعنى؟
د. علي مبروك:
 بمعنى أن نسأل ما هو الدين؟ وهو الكلام الذي ربما أشرت إليه في بداية الحوار بيننا عندما تتحدث عنه نعني به، ماذا يعني الإسلام؟ الدين بالفعل مدني رغم مصدره الإلهي. المشكلة في أن المصدر المطلق للدين يجعل الناس أيضا تصف الدين بأنه مطلق، فتجربة الوحي إذا تأملت فيها من مبتداها لمنتهاها ستجد نفسك مضطرا إلى الإجابة على سؤال ما هو المبدأ وراء التغير في الوحي إلى الحد الذي يجعل المصادر الإسلامية الكلاسيكية تتحدث عن عدد أنبياء وصلوا إلى 124 ألف نبي مقابل 313 رسول يحملون رسالات ووحي من السماء وشرائع إلى البشر؟ وعندما تسأل مثل هذا السؤال يرد عليك القرطبي في تفسيره لآية "ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها" (البقرة: 106)؛ حيث يقول: إن الله يسلك مسلك الطبيب الذي يراعي حال مرضاه: بمعنى إنه بحسب مصالحهم الدينية والدنيوية يكون الخطاب، وبالتالي يصل الرجل في تفسيره لهذه الآية إلى أن الله علمه مطلق لا يتغير ولا يتبدل ولكن خطاباته تتبدل، ومن طبيعي أن نسأل: لماذا يتبدل الخطاب؟ إذا كان الله راعى أنه يخاطب بشرا تتغير أوضاعهم وتتباين ظروفهم وبالتالي راعى ذلك في خطابه مع البشر لماذا لا نسير نحن على هذا الدرب؟
وهناك ما هو أكثر؛ فلو قرأنا في سورة الكهف، ذلك الحوار العظيم بين موسى – عليه السلام – والخضر؛ عندما اسمع هذا الحوار واقرأه أقول إننا أمام إله يريد أن يقول للبشر "يا بشر افهموا اعرفوا أن الخطابات لا تفهم خارج السياق".
هذا يعني أنك بإزاء حالة تتغير وتتبدل باختلاف أوضاع البشر وتباين ظروفهم. وهذه هي المدنية. لقد مارس الله معنا هذه الطريقة؛ فلماذا لا نمارسها مع أنفسنا فاهمين وقارئين؟ فنرى كيف كانت المنظومات القديمة تتأسس وعلام؟ وكيف أنه من الممكن أن نغاير التأسيس؟ أم سيظل ثقل المنظومة القديمة يفرض نفسه؟ وأنا أخشى من الكلام المتعلق بأن الأوضاع الواقعية تغيرت، وبالتالي يجب أن نغير الأوضاع الفقهية ونقول ذلك ويتهيأ لنا إن هذا القول وحده كاف لحل المشكلة. هذا لا يكفي لحل المشكلة بسبب بسيط جدا: هو أن المنظومة القديمة تخلق بنيات ذهنية وعقلية تخلق بدورها طرقا في التفكير، وتظل هذه الطرق تعيد إنتاج نفسها حتى لو غاب شرطها الاجتماعي التاريخي: بمعنى أن الشرط الاجتماعي التاريخي قد غاب، ومع ذلك؛ فكثير من المحللين يرى مثلا أن آليات التفكير العقلية العربية المهيمنة والحاكمة لهذا العقل في معظمها حتى الآن آليات البداوة وآليات القبيلة الحاكمة في آليات اشتغاله. فالعقل لديه ميكانيزمات يعمل بها، ولديه طرق في التفكير يتمايز بها؛ بحيث تستطيع أن تمايز بها عقل جماعة حضارية ما عن عقل جماعة حضارية أخرى.
فبرغم أن القبيلة سقطت كبناء اجتماعي في معظم العالم الإسلامي؛ إلا أن غيابها من الفضاء الاجتماعي وحتى السياسي لم يحل دون استمرار اشتغالها على الصعيد العقلي ويجب أن نكون واعيين بذلك. المشكلة ليست في الدين، وإنما هي في ثقل منظومة قديمة فهمت الدين وتعاملت معه في هذا الاتجاه، وفهمت منتجها في سياق إطلاقي، وعلينا الآن أن نعيد الفهم مرة أخرى إلى السياق الإنساني المتجدد.

** إذا تحدثنا عن إن الأزمة التي تحدثت عنها بخصوص العقل العربي، والتي أدت في داخل المساحة الإسلامية إلى صراع حاد ما بين قلة مجددين وكثرة كثيرة تفتقر إلى هذا النزوع التجديدي، وهو الوجه الآخر من حدث الاستقطاب الذي تشهده مصر الآن ما الذي أنتجته هذه الأزمة؟
د. علي مبروك:
 قبل أن أتحدث عما أنتجته هذه الأزمة دعني أولا أتحدث عن مسألة القلة المجددة في مواجهة الكثرة الغالبة التي هي ضد التجديد؛ لأن هذا يجرنا إلى مراوغات كثيرة يجب أن نضع أيدينا عليها، ونكون واعين بها. ونحن لا نفعل ذلك أيضا في أوقات كثيرة.
المشكلة إننا رأينا في الإسلام - في لحظة من لحظاته المزدهرة اللامعة - إمكانيات هائلة للتعدد والاختلاف وتباين الأنظار. رأينا هذا كله، لكن لم نسأل ماذا حدث بعد ذلك؟ ونظل نستدعي هذه اللحظة وكأن مجرد استدعائنا لها يمكن يؤدي إلى إنتاجها؛ دون أن نسأل: ماذا حدث؟ ما الذي وأد التعددية؟ ما الذي وأد حق الاختلاف؟ ما الذي أدى إلى هذا الاختناق؟ هذا الوضع الذي يكاد يختنق به العالم الإسلامي.
ودعنا لا ننسى مفهوما مهما جدا علينا أن نشتغل عليه، وهو مفهوم النسق المهيمن، وعلينا كذلك العمل على حقيقة الهيمنة، فهذا النسق الذي هيمن ابتداء منذ هذه المسألة باعتباره أنه الوسط، لكن علينا أن  نفهم كيف تتحدد آليات الهيمنة وآليات السيطرة لنسق مع إقصاء واستبعاد أنساق أخرى. ولا يكفي وأنا جالس في هذه اللحظة في القرن الواحد والعشرين أن أقول أن في القرن الرابع الهجري كان عندي أو في القرن الثالث الهجري كان عندي كذا وكذا، وكأن استدعائي أو حديثي عن هذه اللحظة كفيل بإنتاجها في واقعي، فهذا يعني أنني لا زلت من أنصار العقلية السحرية التي ترى أنه بمجرد الكلام عن شئ فإن حديثي يؤدي إلى امتلاك وحدوث هذا الذي أتحدث عنه، وهذا لا يحدث بالتأكيد.
في مصر إلى الآن، لا أستطيع أن أتحدث عن إن هناك اجتهادات جدية مع كل تقديري واحترامي. لكن سيظل تقييمي كباحث وكدارس أن كل هذه الاجتهادات تصب في الاجتهاد العملي الإجرائي ولا تغامر بمساءلة الكلي في المسألة.
وفي هذا الغطار، ومع استمرار الحوار، وأنا أرجو أن ينفتح الجميع على الحوار، فما نفعله أنا وأنت نسميه تحاورا، وأنا أعرف إن موقعك مختلف عن موقعي الفكري، ومع ذلك هناك إمكانية لأن تتوسع رؤيتي وأن أوسع رؤيتك؛ فيتم توسيع الآفاق وتوسيع الرؤى. أنا أتصور أن هذه هي قيمة اللحظة وقيمة الحدث الذي جرى في مصر، ولهذا السبب فأنا أتصور إنه على النخبة أن تلتقط هذه الفرصة.

** لماذا برأيك تم استبدال الحاجة للحوار بإرادة الاستقطاب؟
د. علي مبروك:
 وسيظل يتم لسبب بسيط لأننا لا زلنا نتعاطى مع المسائل بالطريقة الإيديولوجية وليس بالطريقة المعرفية. الحوار يحتاج إلى معرفة. فضبط المفاهيم الذي بدأنا منه يحتاج إلى معرفة، ويحتاج إلى حفر ودأب. الناس التي يقال لها رموز مصرية تجدهم الآن على إحدى القنوات الفضائية، وبعد ساعة تجده على قناة أخرى؛ يتنقل من قناة إلى قناة في مدينة إنتاج إعلامي واحدة. فهل مثل هذا لديه وقت للحوار أم عنده وقت ليظل يكرر منظومة الشعارات التي حفظناها ومللناها. هذا أخطر ما يتهدد اللحظة في مصر الآن وهو طغيان هذه النزعة الإيديولوجية في التعامل مع مفاهيم ينبغي أن تخضع لمعارفنا وحوار معارفنا.
فالشرط المهم جدا للحوار الذي سيفتح الباب لنا الآن هو نقد التعاطي الإيديولوجي، وكشف كيف أن الأيديولوجيا حاضرة باستمرار في ما تتداوله النخبة، وإنها تجعلنا نخسر الكثير وستجلنا نخسر أكتر.
لا نريد أن يطل علينا دعاة. نريد علماء يفكرون بطريقة منهجية، ويتجاوزوا الأيديولوجيا لتقديم اجتهاد حقيقي. لا نريد أن يأتينا أحد ولديه كل الأجوبة جاهزة، نريد التعاطي بعقلية الباحث الذي يطرح الأسئلة التي تحتاجها البلد.

تم النشر في موقع أون اسلام بتاريخ 19 يوليــــــــــــــو 2011
حوار/ وسام فـــــــــــــؤاد



الاثنين، يوليو 18، 2011

قراءة في أزمة النخبة الفكرية المصرية بعد الثورة (2-3)



في الجزء الأول من الحوار، تحدث د. علي مبروك عن الخطاب النخبوي المصري - عبر توجهات النخب المختلفة – واصفا إياه بالضحالة البالغة في علاقته بالمفاهيم التي تحتاجها مصر في اللحظة الراهنة.
ورأى أن التوجه الإسلامي يخلط الشريعة بالمدونة الفقهية. كما رأى التيار العلماني يعتبر الدين عدو للدولة المدنية بإطلاق من دون التفريق بين الدين كدين وبين الدين كدوجما تعمل على تحويل الاجتهاد الفقهي لمطلق رباني.
وفي هذا الجزء، يتحدث عن مفهوم المواطنة ويقيم الأطروحات التجديدية فيه؛ والتي اعتبرها تقدم إشكالية جديدة. ويطور رؤية لمصدر إشكال الوضع الراهن في الحالة الإسلامية تتعلق بالفكر الاجتهادي الإسلامي المعاصر وطبيعة الثورة التي يقدمها على الإسلام التاريخي بدون تقديم قراءة في النصوص.
وإليكم نص الجزء الثاني من الحوار:
** في سياق نقدك لوضع غير المسلمين في التصورات الإسلامية؛ كيف تقييم أطروحات المواطنة التي طور تكييفها القانوني الدكتور محمد سليم العوا والتي قال فيها أن مفهوم الذمة بصورة تاريخية كانت مرتبطة بطبيعة إمبراطورية، وأنه بطبيعة التطور التاريخي آل الأمر إلى الدولة القومية التي أعادت النظر في تقييم الشركاء في بناء مفهوم الدولة القومية، والذي تساوى فيه الجميع ومن ثم كان مفهوم المواطنة هو المفهوم المقابل لتساوي الجميع في إنشاء الدولة والنضال لأجلها؟
د. علي مبروك:
 قديما كان هناك وضعية قانونية لغير المسلم مغايرة للوضعية القانونية للمسلم في نفس الموقف – تاريخيا وليس شرعيا. فعندما يقال أن وضع الدولة القومية الحديثة يفرض منظور آخر للنظر لوضع غير المسلم مغاير باعتبار أن كلنا شركاء؛ فأنا أتصور بأن الأمر في حاجة أيضا إلى التعامل مع الموقف القديم، أنا معك في إن التاريخ لعب دورا مهما في توجيه النصوص، لكن يظل هناك أيضا حد أدنى من النصوص التي تتحدث عن دفع الجزية وما إلى ذلك، فكيف سنتعامل معها؟
كل الأمور تردنا في النهاية للأصول. لذا من المهم أن نعرف كيف نتعامل مع هذه الأصول؛ إذ أنه لا يكفي التعامل مع الإسلام التاريخي فقط.

** مفهوم المواطنة بحكم تكييفه وبنائه يبدو مفهوما نسبيا، مبني على قراءة الأصول. وهكذا تعامل معه الدكتور محمد سليم العوا. ولعلك تذكر تصريح الراحل مصطفى مشهور في عام 1997 عندما قال أن غير المسلمين يدفعون الجزية لأنهم لا يدخلون الجيش! فإذا ما تحدثنا عن التساوي في المراكز القانونية، وفي الحقوق والواجبات، وفي طريقة النظر إلى جميع الأطراف بدون وجه تمييز فيما بينهم؛ فإن هذه الحالة تدفع بصورة آلية نحو اعتبار كامل للتساوي في المراكز القانونية بين المختلفين. ما رأيك؟
د. علي مبروك:
 أنت تتحدث عن وضع قديم. أنا أقول إن ما فعله الدكتور العوا عن مسالة الجزية والذمة هو نقد ميراث تاريخي ومرتبط بأوضاع تاريخية معينة، ويمكن التعامل معه ضمن أفق الإسلام التاريخي، وبالتالي فتغير الأوضاع واختلافها والانتقال من الدولة بشكلها القديم إلى دولة أخرى يعني ذهاب علة الحكم القديم، وأصبحنا في إطار وضع جديد يفتح الباب أمام أحكام جديدة مختلفة. أنا أرى أن مشكلة هذا الطرح إنه يتجنب طوال الوقت التعامل مع الإسلام النصي. فالإسلام النصي لا بد أن يُقرأ أيضا. ولكن المشكلة أن ثقل الإسلام التاريخي خلق بنيات وعي وبنيات ذهنية، ورتب ما يبدو وكأنه أوضاع ومراكز قانونية ثابتة لا تتزحزح، ولا أظن أنه حتى في إطار الدولة الحديثة تساوت المراكز القانونية.
لكن الوضع القديم مستند على قراءة ما وتوجيه ما للنصوص. ونحن بإزاء وضع جديد، وهو يحتاج أيضا هذا التوجيه وهذه القراءة للنصوص. ولكن أنا أخشى أن الاجتهاد الذي يتم تقديمه ويتم طرحه الآن فيما يتعلق بالآليات الجديدة والطرائق الجدية في التعامل مع النصوص ليس على المستوى المطلوب.

** القضية في التعامل مع النص ليست فقط استنطاق للنص. فمبدأ الاستحسان ذلك المبدأ الفقهي الذي استنبطه الإمام أبو حنيفة من قلب الشريعة، هذا المبدأ هو نوع من أنواع العدول بمسألة ما من المسائل الفقهية عن حكم نظائرها في الشريعة الإسلامية إلى حكم آخر لوجود وجه يقتضي هذا العدول. أنا أتصور أنه إذا ما صعدنا إلى درجة أعلى من درجات النضج للكليات الموجودة في بنية الأصول المتاحة لدينا، لن يصبح هذا الاجتهاد من باب التملص من الرؤية التاريخية وتجنب البحث في الأصول إلى حد كبير، فهناك مجموعة من المبادئ الكلية القوية التي أدت إلى حدوث توافق عام حول ماهية الإسلام وكلياته، بما يعني إنه في هذا الإطار الأحكام صغيرة التي تنظم الأوضاع عرضة للتغيير؟
د. علي مبروك:
 ما أمسكت أنت به الآن هو قلب المشكلة، وهو التمييز بين أن هناك كليات وهناك أحكام صغيرة. وهذا هو المدخل المهم لتقديم اجتهاد حقيقي وجدي. ولكن السؤال يظل كيف ترتب العلاقة بين الكلي والجزئي؟ المنظومة القديمة قامت على اعتبار كبير للجزئي وأحيانا انتقاص للكلي. وهذه مسألة تشير إلى آية أسسوا عليها موضوع التعارف الحضاري وهي آية: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" (الحجرات: 13)، وأنا أحب أن أشير في هذا الحوار إلى تفسير ابن كثير لهذه الآية فعندما قرأت تفسير ابن كثير لهذه الآية أنا شخصيا أدركت إدراكا هاما جدا يتمثل في ماذا؟
ابن كثير يرى هذه مرتبطة بالآية التي تسبقها الآية "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم..." (الحجرات: 12)، فيقول إن الآية تشير إلى مفهوم التسوية بين البشر، وهذا المبدأ الذي يشير إليه ابن كثير اعتمد عليه علماء في الاعتراض على مبدأ الكفاءة في النكاح؛ لأن مبدأ اشتراط الكفاءة في النكاح يعني أن البشر ليسوا سواسية: أي أن هناك تراتبية اجتماعية تسمح لولي المرأة أحيانا أن يتجه إلى القاضي طالبا فسخ العقد لأن الزواج قائم على عدم الكفاءة، لكن هناك أدلة كثيرة بسطها علماء في كتب الفقه من مصادر أخرى على ضرورة الكفاءة في النكاح، وهنا تجد نفسك مباشرة بإزاء مثال نموذجي على ما نتحدث فيه، وكيف أن القيمة الكلية: قيمة المساواة بين البشر يتم إهدارها من خلال قاعدة قانونية جزئية يمكن أن يحكم بها القاضي.
هذه هي المشكلة في الحقيقة. هل المسلمون في الوضع الراهن الحالي قادرون على إنهم يواجهوا هذا السؤال؟ أم سيظل هناك ثقل كبير للمنظومة الفقهية؟ وهو ثقل لا تستمده من قوتها المعرفية، وإنما تستمده من توظيفها الإيديولوجي؛ مما يترتب عليه خلق وضعيات قانونية، وخلق امتيازات معينة لأطراف بعينهم. هل المسلمون مستعدون الآن لمواجهة هذا السؤال؟ هذا هو ما أعنيه. وهذا هو التحدي الذي يواجهه المسلمون الآن.

** لكن لو نظرنا في هذا الإطار للمدارس الفقهية المعاصرة مثلما نجد العوا ومحمد كمال إمام في جانب نجد غيرهم كثيرون في جانب آخر، ومثلما نجد مثلا في جماعة الإخوان المسلمين محمد جمال حشمت وعبد المنعم أبو الفتوح في جانب ونجد محمد مرسي وعصام العريان في جانب آخر.. وهذه الاجتهادات أظنك تعلمها.. ولا تكاد تجد من يتحاور معها بصورة قوية.
د. علي مبروك:
 لكني أخشى أن هذه الخلافات التي تشير إليها هي خلافات فروع ليست أصول.

** لا أظن إن ثمة خلافات في الأصول داخل هذه المدارس، الخلافات في الأصول في مذاهب كلية مثل السنة والشيعة إذا كانوا أضافوا أصل الإمامة أو غيره. لكن لا خلاف في الأصول داخل المذهب الواحد.
د. علي مبروك:
 أنا لا أقصد الخلاف بهذا المعنى، ولكني قلت إني استعير اللغة القديمة: بمعني أنها ليست خلافات في كليات كبيرة تبعد الأطراف المختلفة كل منها عن الآخر.
طالما أننا نتحدث عن حالة مدنية الدولة، فالقصد في هذا الإطار أنه إذا كان هناك ظرف تاريخي معين أدى إلى حيازة اجتهاد ما قبول مجموعة من الناس لسبب أو لآخر، فأنا أظن إن تغير هذا الظرف التاريخي يقتضي تقديم قراءة جديدة في الأصول. وهذا ينطبق على الحالة الفقهية المعاصرة بقدر ما انطبق أو ما دون تاريخيا عن عدول الشافعي عن بعض الأحكام الفرعية، ولكن يظل تشكيل الشافعي للأصول هو نفسه، ولم يختلف في طرقه في الاستدلال ومواقفه من المسائل الكبيرة في الشريعة، فهذه لم تتغير.

** كيف ترى التيارات الفكرية التجديدية الجديدة مثل أون إسلام ويقظة، ودورها في إطار المراجعة؟ والتي بلغت في ثورتها على الأطروحات المتكلسة ثورة تنظيمية أيضا.. ولهذا تجد يقظة فكر خرجت من عباءة الإخوان تجد شباب الإخوان خرجوا من عباءة الإخوان تجد عبد المنعم أبو الفتوح ومدرسته وقد خرجوا؟
د. علي مبروك:
أنا أرى أن هذه مؤشرات كلها جيدة وطيبة، ولا بد من دعمها؛ لكن لا بد أن يكون الهدف أيضا محدد؛ لأننا سنصل في وقت ما إلى السؤال الكبير أو إلى أسئلة كبيرة، وعلينا أن نكون مستعدين للتعاطي والتعامل معها.

تم النشر في موقع أون اسلام بتاريخ 18 يوليـــــــــــــو 2011
حــــــــوار / وسام فـــؤاد