الاثنين، أبريل 09، 2012

النخبة المصرية ليست على مستوى ثورة يناير



يدافع أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة:
 د . علي مبروك،
 في كتاباته عن الإسلام الحضاري والدور التنويري للإسلام،
 وقد اتجه للبحث في التراث العربي الإسلامي الفلسفي والكلامي للتحرر من سطوة الخطابات القديمة وامتداداتها الحديثة،
 لبناء دولة الحق التي ترنو إليها الشعوب في الوطن العربي .
من مؤلفاته: “النبوة من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ”،
 “عن الإمامة والسياسة”،
 “الخطاب التاريخي في علم العقائد”،
 “لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا”،
“الخطاب السياسي الأشعري”، “نحو رؤية مغايرة”،
 “ما وراء تأسيس الأصول”،
 “مساهمة في نزع أقنعة التقديس” . 

هنا حوار معه:

أصدرت مؤخراً كتاب “ثورات العرب . . خطاب التأسيس” ما أبرز ملامح هذا الخطاب؟
 قبل الحديث عن ملامح الخطاب التأسيسي لثورات الربيع العربي
 لابد أن نفهم أولاً لماذا قامت هذه الثورات!!
 الثورات المشتعلة في العالم العربي في بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين،
 في تصوري موجهة ضد الدولة العربية القائمة “الحديثة”،
ولابد أن نفهم من أين جاءت هذه الدولة؟
هذه الدولة ابنة خطاب النهضة العربية، ورفض هذه الدولة هو رفض في جانب منه لخطاب النهضة والتحديث الذي استمر على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، ويبدو أن هذا الخطاب بلغ نهايته التعيسة،
 لأن وعود التقدم لم تنجز شيئاً في ظل غياب الديمقراطية وسيطرة الاستبداد،
وتعاني معظم البلدان العربية من أزمات اقتصادية حادة،
 كما أنها تعاني أزمات تفكير .
إذن هذه الثورات ليست ضد أنظمة سياسية، ولكنها قامت من أجل شيء أعمق وأكبر، فهي ثورات ضد خطاب تجسده هذه الدولة،
 والسمة البنيوية لهذه الدولة أنها دولة قمع، والقمع فيها بنيوي
وليس مجرد ممارسة سياسية فقط، وهي أكبر من السياسة،
لأن هذه الدولة كانت لديها قناعة منذ البداية بأنه لا سبيل لإجراء التحديث وإنتاجه في العالم العربي إلا من خلال فرضه بالقوة على المجتمع، لأن هذه الدولة على رأسها “جنرال أو باشا” .
ولم يكن التحديث عند الرواد الأوائل مشروطاً بالعقل،
لأن الشروط العقلية وِأهمها:
إنتاج العقل الذي هو أساس البنية الحضارية المتكاملة لم تكن متوافرة،
 حيث تأكد هؤلاء الرواد الأوائل أن شرط العقل للتحديث ليس متوافراً في العالم العربي، وجرى اعتماد القوة باعتبارها السبيل الوحيد لبناء التحديث .
 والقوة هنا هي قوة الدولة “دولة القمع البنيوي”،
 لأن القمع سمة بنيوية تأصلت في هذه الدولة .
 نحن نرنو إلى دولة الحق، وهذه الثورات العربية المندلعة في العديد من أقطار العالم العربي تطمح إلى بناء دولة الحق .
وأهم شرط فيها:
 أنه لابد أن يتحول المجتمع بأفراده من مجرد أدوات يستخدمها الحداثيون لفترة طويلة إلى ذوات تتسم بسمتين:
الوعي والإرادة،
 والأمر لا يتعلق بمجرد “وثائق دستورية وقانونية”،
 رغم أهميتها لكن إلى جانب ذلك لابد من تكريس مفهوم الفرد الواعي الحر،
مثلاً ثورة يناير أقصت الجمهور من الفعل وهمشته ونسبت الفضل إلى مواقع التواصل الاجتماعي “الفيس بوك”،
وهذا يمثل ممارسة إقصائية للجمهور باعتباره فاعلاً حقيقياً،
 كما تم الترويج قديماً إلى أن محمد علي هو مؤسس مصر الحديثة،
وتناسينا دور المجتمع المصري في هذا التحديث،
إذن لابد من صياغة خطاب تأسيسي يتحول معه المجتمع من فاعل مجازي إلى فاعل حقيقي أصيل .

 لكن الجمهور العربي ليس كتلة واحدة صماء متحدة الرأي، بدليل حالة الارتباك الممزوج بالفوضى في مصر بعد الثورة؟
 سؤالك يفترض أن الجمهور متشرذم ومنقسم على ذاته،
 وأنا أختلف معك تماماً،
لأن الفوضى والارتباك الذي تشهده مصر الآن تجسيد لأزمة النخبة وانقسامها وتشرذمها في مصر،
 على العكس ربما الجمهور نواة صلبة هي العاصم من انجرار البلاد نحو الفوضى، فوضوية المشهد المصري الراهن نتاج انقسام النخبة المصرية وتشرذمها،
فالنخبة المصرية ليست على مستوى الحدث .
ومانشهده من فوضى هو مسؤولية النخبة وليس الجمهور،
 ولابد من إخراج هذا الجمهور من الوضع التقليدي الذي تتعامل معه النخبة كأداة، الجمهور الذي استمرأ هذا التعامل من جانب النخبة في حاجة إلى أن نبذل جهداً معرفياً لزيادة الوعي لديه،
بحيث ينتقل بمقتضاه من نظرته إلى نفسه على أنه مجرد أداة إلى أن يكون ذاتاً حقيقية تمتلك القدرة على أن تقرر لنفسها وتختار لنفسها .

 كيف تعول على جمهور تبلغ نسبة الأمية فيه 40 في المئة؟
 أنا لا أعول على هذا الجمهور في وضعه الراهن،
 ولكن بعد نقله من حالته التي يرثى لها إلى حالة أخرى يكون فيها مسلحاً بالوعي، ومالكاً لقراره وعلينا ممارسة نقدية للثقافة السائدة من قبل النظام التعليمي
“على أهميته”،
لأن هذا الجمهور هو نتاج هذه الثقافة،
ونحن في حاجة إلى عمل ثقافي على هذا الجمهور، لتحويله من التقليدية التي تجعله صيداً سهلاً للنخبة لتجعله موضوع استمرار للتهييج والإثارة،
 فهو متلق طوال الوقت ولا يشارك في اتخاذ القرار،
 ولابد من إخراج هذا الجمهور من ثقافته التقليدية إلى باحة ثقافة عقلانية نقدية في مجتمعاتنا .

 ثورات الربيع العربي رفعت شعارات: “الحرية، العدالة، الكرامة” لكن الواقع يرفضها لماذا؟
 لأن الشعار لا يكفي مجرد النطق به وحسب،
 أي شعار لكي يتحول إلى حقيقة لابد من توافر ظروف موضوعية تتيح تحول الشعار إلى حقيقة ممكنة،
 النظام السابق كرس مفهوم الفرد كأداة، كيف يتحول هذا الفرد إلى فرد حر،
منبع الأزمة أننا نطلب مطالب في إطار شروط،
 هذه الشروط ليست خصبة بما يكفي لتحويل مطالبنا إلى وقائع على الأرض .

كثير من المصريين يتصورون أن ثورة 25 يناير ثورة ليبرالية،
لكنها في ظني ثورة تفتح الباب أمام توافر الشروط المهيأة لثورة ليبرالية،
 وهي في حاجة إلى شرطين مهمين:
الأول / شرط اقتصادي
 والثاني/ شرط ثقافي،
 فهناك ما يقرب من 40 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر،
وهناك 35 في المئة من الجمهور أميون، فلا تحدثني عن ليبرالية،
 لأن النظام السابق جرف البلاد بحيث لا نستطيع تصنيف العهد البائد بأنه خطوة سابقة على الليبرالية .

 أين الليبرالية التي تتحدث عنها والإسلاميون فازوا بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية ومجلس الشورى الأخيرة؟
 سؤالك يؤكد ما أقوله،
 وهو أن شروط الثورة الليبرالية ليست موجودة،
 ولكن الباب قد انفتح لبلورة ما أقوله،
فأداء الحكومة المقبلة سوف يحاول أن يثبت كفاءته في إدارة الملف الاقتصادي، وسيحاول محاصرة الشروط التي أدت إلى الانقسام السياسي،
 وسوف يتم فتح الباب لمشاركة سياسية أوسع .

 هل تتوقع أن يصحح التيار الإسلامي أخطاء الدولة الحديثة القمعية؟
 من الممكن بشرط أن ينقلب خطابه رأساً على عقب،
 ولابد من إعادة النظر في خطابهم بشكل جذري،
 وهناك اتفاق بين رواد النهضة على أن تفوق الغرب يعود أساساً إلى نظامه السياسي الضامن في رأيهم للحرية والمقيد للسلطة بالقانون،
وأن تأخر الشرق بما فيه البلاد الإسلامية يعود أيضاً إلى طبيعة نظامه السياسي القائم على الاستبداد أن هذا الموقف يصدق على الفكر الإسلامي العربي والإسلامي عموماً، سواء ذلك الذي قام بإسم السلفية أو ذاك الذي أراد أن يكون ليبرالياً،
ولابد من إقامة تنظيمات سياسية تقوم على دعامتي العدل والحرية،
 لكن للأسف هناك بعض الإسلاميين ممن يستدعون الإسلام كمنظومة جاهزة، وفرضها على الواقع الراهن
وفي هذه الحالة ستتم إعادة إنتاج النظام السابق في مصر من جديد،
 نحن في حاجة إلى إسلام مفتوح بلا ضفاف،
 يتجاوب مع الواقع بحيث يكون له دور في تشكيل خطاب مفتوح يتفاعل مع الواقع .

 برأيك ما هو السبيل إلى اقتلاع جذور الاستبداد الكامنة في الوعي العربي؟
 لابد من إعادة بناء العقل على النحو الذي يؤول في النهاية إلى اقتلاع الجذر الأعمق للاستبداد الكامن في تجاويف العقل الغائرة العميقة،
 وهذا يعني أن تحرير العقل هو التوطئة الجوهرية اللازمة لتحرير الواقع،
فالواقع ليس مجرد الممارسة التي تطفو على السطح بقدر ما هو أيضاً،
 ما يكمن تحتها من نظام المعني،
 الذي هو نظام العقل في الآن نفسه،
 وبما يعنيه ذلك من أن الهوية هي جوهر العلاقة بين العقل والواقع،
 ومن دون هذا التحرير للعقل سيظل الاستبداد يعيد إنتاج نفسه في الواقع .

 كيف ترى ثنائية الحداثة والتراث في هذا السياق؟
 لابد من تأسيس العلاقة بين التراث والحداثة على نحو من الاتساق والتوافق
وليس التضاد والتنافر،
 وإذا كان انبثاق الحداثة يرتبط بما يؤسسها وينتجها “التراث” بأكثر من ارتباطه بــــ”الحداثي” الذي ينتج عنها،
 رغم أن هذا الأخير لابد أن يؤثر في مسار تطورها،
 فإن هذا يعني أن أي سعي إلى إنتاج حداثة حقة لابد أن يربط نفسه بالانخراط في عملية إنتاج التراث الذي يؤسسها،
 وإذن فالأمر يتجاوز ما يمكن استنساخه،
لأنه يتعلق بالروحي الذي لا يمكن نقله،
 وبما يعنيه ذلك من ضرورة السعي إلى امتلاكه على نحو حقيقي،
 وذلك عبر إنتاجه في السياق الخاص بالثقافة العربية الإسلامية،
الآن عملية الإنتاج تلك إنما تتحقق ضمن شروط تخص هذه الثقافة الأخيرة،
 فإن الروحي “التراثي” الذي ينشأ في هذه العملية لا يمكن إلا أن يكون خاصاً بتلك الثقافة .


تم النشر في موقع الخليج بتاريخ 9 إبريـــــل 2012



الخميس، أبريل 05، 2012

عن الشريعة وما هو قطعي الدلالة‏..‏ قراءة في مراوغة مفهوم‏!‏



لا يشتغل المفهوم‏(‏ أي مفهوم‏)‏ منفردا‏,‏
 بل يشتبك مع غيره‏ من مفاهيم أخري‏,‏
 تتضافر معه في انتاج ـ وتثبيت ـ الدلالة التي يريدها لها مستخدموه‏.‏
وإذا كان قد بدا أن دلالة مفهوم الشريعة في الاستخدام الجاري له ـ في الوقت الحاضر ـ يرتبط بتاريخ طويل من الفهم المنغلق الضيق, بقدر ما يفارق رحابة وانفتاح التداول القرآني له, فإن ثمة مفاهيم تتضافر معا في انتاج تلك الدلالة المتزمتة لهذا المفهوم. 

فإن روح القطع والجزم وتعطيل التفكير التي تفيض بها مفاهيم مثل:
النص القطعي الثبوت والدلالة و لا اجتهاد مع نص هي الروح التي يتغذي عليها البناء المنغلق الضيق الذي استقر لمفهوم الشريعة.
وغني عن البيان أن سعيا الي استعادة ما أراده القرآن للمفهوم من رحابة وانفتاح, لن يكون ممكنا إلا عبر الحوار مع تلك المفاهيم الداعمة التي تآدت الي تثبيت المفهوم الضيق للشريعة( كمحض أحكام وحدود), وهي المفاهيم التي ترسخت كمصادرات تتعدي منطق التفكير والمناقشة.
 ولعل القيمة القصوي للحوار مع تلك المفاهيم يتأتي من أنها تمثل الأسس التي يعتمد عليها الساعون إلي احتلال المجال العام في مصر( من مؤدلجي الاسلام) في التأثير علي وعي الجمهور, بعد أن أفلحوا في التلاعب بعواطفه.

ومن حسن الحظ أن تحليلاً لتلك المفاهيم يكاد يكشف عن أنها لا تقدم معرفة حقة, بقدر ماتعمل كأقنعة تتخفي وراءها رؤي وتصورات يراد تحصينها خلف القداسة المفترضة لما يخايل به السطح الظاهر لتلك المفاهيم غير المنضبطة.
 وإذن فإنها من قبيل المفاهيم التي تكون مرادة, لا لما تجليه وتكشف عنه, بل لما تخفيه وتغطي عليه.
ولكي تكون مثل تلك المفاهيم قادرة علي أداء وظيفتها في التمويه والإخفاء, فإنه يغلب عليها بساطة الصياغة اللغوية علي نحو يسهل معه ترديدها, بما يؤول الي ترسيخها وتثبيتها.
 وهكذا فإن البساطة اللغوية لمفهوم قطعي الثبوت قطعي الدلالة لا تعكس الإحكام والدقة, بقدر ماتعكس مراوغة تيسير الترديد الذي يقصد الي تثبيت حكم المقدم( قطعي الثبوت) للتالي( قطعي الدلالة) علي رغم انتماء الواحد منهما الي مجال مغاير لذلك الذي ينتمي إليه الآخر.
 إذ فيما ينتمي الثبوت الي مجال التاريخ الذي يقبل كل ما يحدث فيه أن يكون موضوعا للقطع والتثبت, فإن الدلالة تنتمي الي مجال المعني الذي لا يقبل ـ بطبيعته ـ أن يكون موضوعا للقطع والتثبيت أبدا.

وهكذا فإن ماينسحب علي الثبوت لا يمكن أن ينسحب,آليا, علي الدلالة بحسب ما يقصد إليه المفهوم, وما يعنيه ذلك مباشرة من أن الثبوت القطعي لأصول الاسلام        (قرآنا وسنة) لا يعني أبدا إمكان القول بقطعية الدلالة التي يربطها البعض بهما.

وإذا كان ثمة من يسعي الي تثبيت القطعية فيما يخص دلالة القرآن, عبر القول بأن عدم القول بقطعية دلالته لا يعني ما هو أكثر من القول بظنية تلك الدلالة, و أن وصف دلالة الآيات بالظنية يوجب ـ علي قول أحدهم ـ كون القرآن حجة ظنية ومعجزة غير قطعية, مع أن الاعجاز يقوم علي القطع واليقين, فإنه يلزم كشف ما ينطوي عليه هذا القول من مراوغة التسوية بين القطعي وبين اليقيني, في حين أن القطعي إنما يرادف, في الحقيقة, المنغلق والجامد,
 وذلك فضلا عن التسوية ـ من جهة أخري ـ بين عدم القطع وبين الظن( بما هو نقيض الحق), في حين أن المعني غير القطعي لا يعني أكثر من المعني المنفتح المتحرك. 

وهكذا فإن الأمر يتعلق بالدفاع عن الدلالة المفتوحة في مقابل الدلالة المغلقة, وليس أبدا بتكريس الدلالة الظنية في مقابل الدلالة اليقينية. وليس من شك في أن إعجاز القرآن يكون أكثر رسوخا في حال الدلالة المفتوحة منه في حال الدلالة المغلقة الجامدة, وأعني من حيث لا ينكشف إعجازه إلا مع انفتاح دلالته وإتساعها, وليس العكس.

وإذا كانت سهولة ترديد مفهوم قطعي الثبوت قطعي الدلالة قد أتاحت له تداولا واسعا نسبيا بين الجمهور, فإن الغريب حقا أن هذا القطعي الدلالة هو ـ بحسب تعريف الأصوليين له ـ مما يعز حصوله في القرآن.
 فإذا كان القطعي الدلالة هو ما دل علي معني متعين فهمه منه, ولا يحتمل تأويلا, ولا مجال لفهم معني غيره منه, أو أنه علي قول آخر ماينتقل بإفادة المعني علي قطع مع انحسام جهات التأويل والاحتمال فإن ذلك مما يندر وجوده في القرآن, وإلي حد أن السيوطي لم يجد إلا مثالا واحدا له, في قوله تعالي:
فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم, تلك عشرة كاملة,
وبما يعنيه ذلك من أنه لم يجد في القرآن ماينطبق عليه معني القطع إلا في شطر آية هو عبارة عن مسألة حسابية.
 وأما إذا جري تعريف القطعي الدلالة بأنه كل نص دل علي فرض في الإرث مقدر أو حد في العقوبة مقرر أو نصاب محدد, فإن ثمة من فروض الإرث المقدرة تصريحا في القرآن, ماكان موضوعا لاختلاف الصحابة أنفسهم, وبما يعنيه ذلك من إستحالة أن تكون محلا لدلالة قاطعة.

وكمثال فإنه يمكن الإشارة الي ماأورده ابن العربي ـ في كتابه أحكام القرآن بخصوص قوله تعالي:
 فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك.
 فعلي رغم أنه فرض في الإرث مقدر ـ وبما يعنيه ذلك من وجود أن يكون من قبيل القطعي الدلالة بحسب التعريف الآنف, فإن ابن العربي قد اعتبره معضلة عظيمة, فإنه تعالي لو قال:
(فإن كن إثنتين فما فوقهما فلهن ثلثا ماترك), لانقطع النزاع.
 فلما جاء القول هكذا مشكلا وبين( القرآن) حكم( البنت) الواحدة بالنصف, وحكم مازاد علي الاثنتين بالثلثين, وسكت عن حكم البنتين أشكل الحال, بما يعنيه ذلك من أنه من قبيل المشكل الذي يستحيل معه الجزم والقطع.
 وحين يضاف الي ذلك الاختلاف الحاصل في نفس الآية بخصوص قوله تعالي:
 فإن لم يكن له ولد وورثة أبواه فلأمه الثلث,
والذي لم يكن قاطعا رغم أنه فرض مقدر, حيث أورد القرطبي أن( ابن عباس) قال في إمرأة تركت زوجها وأبويها:
للزوج النصف, وللأم ثلث جميع المال, وللأب مابقي,
 وذلك في حين أورد عن( زيد بن ثابت) قوله:
 للزوج النصف, وللأم ثلث مابقي( وليس ثلث جميع المال).
 والمهم أنه حين سأل ابن عباس زيدا:
 أتجد ماتقوله في كتاب الله, أم تقوله برأي ؟
فإن مارد به زيد من أنه يقوله برأيه, لا يعني إلا دلالة القول ليست قطعية أبداً, علي رغم أنه فرض مقدر.

والحق أنه, وعلي فرض بيان القول ووضوحه, فإنه لا يجوز القول بقطعية الدلالة مطلقا, فإنه لو صح ذلك لما كان لعمر بن الخطاب أن يوقف دفع سهم المؤلفة قلوبهم مع بيان القرآن له صراحة, وهو ما يعني أن أمر الدلالة لا يتوقف فقط علي بيان المقال, بل وكذا علي سياق الحال.
 فهل يستوعب مؤدلجو لاسلام سياق الحال ؟

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 5 / ابريل /2012



الخميس، مارس 22، 2012

الشريعة بين التاريخ والقرآن



يئول عدم الإنضباط المعرفي للمفاهيم إلي إلتباسها وتشوشها‏,‏
علي النحو الذي يجعل منها موضوعاً للتلاعب‏,‏ وليس الفهم‏.‏
وغني عن البيان أن المفاهيم تتحول, حين تصبح موضوعاً للتلاعب وليس الفهم, إلي أدوات يتحارب بها الناس ويتناحرون, بدل أن تكون ساحات يتواصلون عبرها ويتحاورون.
 ولسوء الحظ, فإنه إذا كان الفضاء المصري الراهن يزدحم بما يجري تداوله فيه من مفاهيم متناحرة, فإن ما يغلب عليها من التشوش وعدم الانضباط المعرفي, قد أحالها إلي أدوات تتبادل بها النخبة الإحتراب والقصف.
 ومن بين هذه المفاهيم تتجلي, لافتة, القيمة القصوي لمفهوم الشريعة, الذي تشهد اللحظة الراهنة إستخداما متزيدا له من جانب جماعات الإسلام السياسي التي تستثمره في صعودها المتسارع نحو السلطة في العالم العربي علي العموم, وذلك فضلا عن شحذها الجاري له لتحسم به الجدل المرتقب حول الدستور في مصر. 

ولعله يمكن القول أن الاستخدام الراهن للمفهوم كأحد أسلحة هذه الايديولوجيا الزاحفة نحو السلطة قد جعل منه أداة إقصاء, أو حتي سحق, للخصوم بالكلية, وذلك- وللمفارقة - علي حساب ما أراده القرآن من أن يكون المفهوم ساحة يتواصل عبرها البشر, علي اختلاف الأقوام والأزمان.
وهنا يلزم التنويه بما يبدو من أن التلاعب الايديولوجي بالمفهوم إنما يتأسس علي التشوش الناتج عن الخلط بين الشريعة وبين الفقه; وهو الخلط الذي لا يكتفي بتجاهل التمييز القرآني الحاسم بينهما, بل ويلح- إبتداء من ذلك - علي تصور بالغ الضيق والتحيز والانغلاق للشريعة; وعلي النحو الذي يناقض- وللمفارقة - الطرح القرآني لها.

ولعل ذلك يكشف عن أن إمكانية قول جديد في الشريعة لابد أن تؤسس نفسها علي استعادة الفهم القرآني(المنفتح) لها, وذلك في مواجهة ما يبدو أنه تاريخ من الفهم  (المنغلق) الضيق الذي تتحكم فيه مفاهيماً صنعتها عصور الجمود والركود الطويل التي عاشتها المجتمعات الإسلامية.
 ولسوء الحظ, فإن الأمر لا يقف عند مجرد ركود المفاهيم وجمودها, بل يتجاوز إلي الإنحراف بها عن المجال التداولي لها في القرآن.
 وبالرغم من ذلك, فإن منتجي هذا الفهم وحراسه لا يكفون عن الإدعاء بأن القرآن هو مصدر تلك المفاهيم, لكي يهبوها حصانته وقداسته;
وعلي العموم, فإن الاستخدام الراهن للعديد من المفاهيم- التي يقال إنها إسلامية- يرتبط بذلك التاريخ الطويل من الفهم الذي وجهته حاجات وإكراهات الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه المسلمون, بأكثر من إرتباطه بما يمكن أن يكون التوجيه القرآني لها.
ولسوء الحظ, فإن التاريخ قد إتجه بالمفاهيم إلي أفق أكثر ضيقا مما أراده لها القرآن.
وكمثال, فإنه إذا كان ما يغلب علي الاستخدام الراهن لمفهوم الشريعة هو ربطه بالأحكام والحدود, فإن هذا الربط يجد ما يؤسسه في التاريخ, وليس في القرآن الذي يربط الشريعة بما يقوم فوق الأحكام والحدود. وإذا كان المتصور أن ربط المفهوم   (أي مفهوم) بالتاريخ يجعله أكثر اتساعا, فإن الأمر يبدو علي العكس تماما من ذلك, فيما يخص مفهوم الشريعة الذي يبدو أن ربطه بالقرآن- وليس التاريخ - هو الذي يجعله أكثر اتساعا ورحابة.
 وبالطبع فإنه حين يراوغ البعض فيخفي هذا المفهوم الضيق للشريعة, الذي أنتجه التاريخ, وراء القرآن, فإنه لا سبيل إلي فضح تلك المراوغة إلا عبر استعادة مقاربته القرآنية الأرحب.

فقد أورد القرآن الجذر شرع ومشتقاته أربع مرات; كان في ثلاث منها منسوبا إلي الله وحده, وفي المرة الوحيدة التي نسب فيها القرآن الفعل شرعوا إلي البشر, فإن ذلك كان علي سبيل الاستنكار والتعريض; وبما يعنيه ذلك من عدم تصور إمكانية نسبة هذا الفعل إلي غير الله. وحين يضاف إلي ذلك أن القرآن قد أورد مشتقات الجذر فقه عشرين مرة كان فيها جميعا في صيغة الفعل المنسوب إلي البشر فقط, فإن الدلالة القصوي لذلك تتمثل في إلهية ما يربطه القرآن بالفعل شرع, في مقابل بشرية ما يربطه بالفعل فقه.
ولعل قراءة لما أضافه القرآن إلي الله من أنه:
شرع لكم من الدين ما وصي به نوحاً, والذي أوحينا إليك, وما وصينا به إبراهيم وموسي وعيسي أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه,
 لتكشف عن صرف القرآن لدلالة الفعل شرع إلي ما قال القرطبي أنه توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء, وما قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير, أنه ما يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان, كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان, والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء.

 إن ذلك يعني أن الفعل شرع الذي إختص به القرآن الله وحده, ينصرف إلي المشترك بين بني البشر مما ينضوي تحت كليات الدين وأمهات الفضائل; أو هو الدين الذي تطابقت الأنبياء علي صحته, والذي يجب أن يكون المراد منه- علي قول الرازي- شيئا مغايرا للتكاليف والأحكام, لأنها مختلفة متفاوتة.
 وهكذا يتبلور القول صريحا بأن دلالة الفعل شرع لا تنصرف إلي التكاليف والأحكام, بل إلي ما يقوم فوقها من الكليات التي يتشارك فيها بنو البشر جميعا, والتي تنتصب كمسلمات تتعدي التفكير والمساءلة, وذلك علي عكس التكاليف والأحكام والحدود التي هي موضوع للتفكير; وذلك بحسب ما يبدو من إنشغال المصريين الراهن بالتفكير في حد الحرابة.
وبالطبع فإن كون التكاليف والأحكام والحدود موضوعا للتفكير( إكتناها لحكمتها ووعيا بعللها, وشروط إنفاذها, والموانع التي تحول دون هذا الإنفاذ) لمما يجعلها من قبيل ما يندرج تحت مظلة الفقه الذي أضاف القرآن فعله إلي البشر, بحسب ما تشير الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين.

 ولعل هذا التمييز القرآني بين كلي ثابت مشترك مردود إلي الله بالفعل شرع, وبين جزئي متغير خاص مردود إلي البشر بالفعل يتفقهوا,
 يؤسس لقراءة للآية:
 لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجاً علي أساس تباين لفظتي الشرعة والمنهاج, وليس ترادفهما; وبحيث ينصرف مدلول الشرعة إلي الكلي المشترك, فيما ينصرف مدلول المنهاج إلي الجزئي المتغير.
وحين يدرك المرء أن الأمر لا يقف عند مجرد تأكيد هذا التمييز, بل يتجاوز إلي ما أدركه البعض( وأعني الرازي) من أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول( الكلي المشترك) أقوي من سعيه في تقرير النوع الثاني( الجزئي المتغير), فإن له أن يهيب بأولئك الساعين إلي حسم معركة الدستور بسلاح الشريعة إلي الإنصات إلي صوت القرآن الذي يلح علي الكلي المشترك, بدلا من التاريخ الذي يلح, في المقابل, علي الجزئي المتغير.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 22 / مارس /2012


الخميس، مارس 08، 2012

متـي تكون إرادة الشـعب حــرة حقـــا؟




 "لم أكن أعرف أن سبحان الله يمكن أن يعصي بها الله إلا في هذا المجلس "
تنسب المصادر إلي عبدالقاهر الجرجاني هذا القول الذي يستهدف التأكيد به- وهو البلاغي الكبير- علي أن أنبل الشعارات قد يكون السبيل إلي أحط الغايات; وإلي الحد الذي يمكن أن يكون معه تسبيح الله هو الباب إلي معصيته.
ولعله يمكن القول- قياسا علي قول الجرجاني- أن المرء لم يكن يعرف أن إرادة الشعب يمكن أن يتسلط بها البعض علي الشعب, إلا في سياق المشهد المصري الراهن; الذي يتبدي فيه جليا سعي البعض إلي توظيف المفهوم في تحقيق مكاسب سياسية تخصه, ولو كان ذلك علي حساب الإرادة الحقة وخصما منها من جهة, وبصرف النظر عما يضمره هذا التوظيف من تشويه الروح الحقة لمفهوم الإرادة من جهة أخري. 

وهكذا فحين يقوم فريق من المصريين بإشهار مفهوم إرادة الشعب- كالسيف- في وجه كل من يطرحون تصورا يختلف مع ما يجري تحشيد الجمهور وراءه, فإنهم لا يفعلون بذلك إلا أن يستخدموا هذا المفهوم علي طريقة سبحان الله التي يراد بها عصيان الله.
 وحين يدرك المرء أن الفريق الذي يتمترس الآن وراء إرادة الشعب هو الأكثر قدرة علي حشد الجمهور عبر التأثير في ميوله الدينية الكامنة, فإن ذلك يعني أن الإرادة, هنا, ليست حرة أبدا, بل إنها خاضعة لتوجيه ما لا يقدر الجمهور علي مجرد التفكير فيه( ناهيك عن أن يري رأيا فيه).
ولعل ذلك يندرج في إطار ذات الممارسة الشائهة التي تجعل فريقا من المصريين يقيم التراتب التنظيمي لبناء جماعته علي مبدأ السمع والطاعة( بما يقوم عليه من ثقافة التلقي والإذعان), هو الأكثر تخفيا وراء يافطة الديمقراطية( بما تقوم عليه من القدرة علي التفكيرالمستقل المنفتح علي النقد والحوار), رغم ما يبدو من أن الديمقراطية لا تكون, والحال كذلك, إلا محض شعار فارغ يراد التغطية به علي نزعة سلطوية كامنة.
والحق أن ما يمارسه الكثيرون من التلاعب بمفهوم إرادة الشعب إنما يرتبط بغموض فكرة الإرادة الذي يجعل الناس يتصورون أن كل ما يصدر عنها يكون دائما فعل حرية واختيار, وذلك فيما تقطع التجربة بأن ما يصدر عنها لا يمكن, في أحيان كثيرة, إلا أن يكون فعل إكراه واضطرار.
 ويرتبط ذلك بأن الفعل الحر فعلا إنما يصدر عن إرادة يحددها الوعي, وليس عن إرادة تنفلت من تحديداته. ولكن الإرادة تكون, بحسب طبيعتها, أوسع مجالا من الوعي, لأنها تنفتح علي ما يتجاوز حدوده( من العواطف والانفعالات الأولية والرغائب الغريزية, بل وحتي المكبوتات اللاواعية).
ولهذا فإن كل ما يصدر عنها لا يمكن أن يكون أبدا فعل حرية. وهكذا فحين يقع الناس في قبضة انفعالاتهم وعواطفهم, وحتي أوهامهم, فإنهم لا يمكن أن يكونوا أحرارا حقا, بل إن الفعل الصادر عنهم يكون فعل إكراه واضطرار; ومن دون أن يؤثر في ذلك أنه قد يكون مستوفيا لكل مظاهر الفعل الحر وفقط فإن كون مصدر الاضطرار في هذا النوع من الفعل لا يكون القهر المادي الخارجي لسلطة متعسفة, هو ما يجعله يبدو وكأنه فعل حرية.
 وغني عن البيان أن الطغاة جميعا يلعبون علي هذا المخزون الانفعالي العاطفي( وحتي الغرائزي) الراكد, فيقومون بتوجيه شعوبهم, عبر استثارة هذا المخزون, إلي ما يقولون إنها إختيارات تلك الشعوب, في حين انها تكون محض اختياراتهم الخاصة.

وإذا كانت الانتخابات هي الآلية التي أتاحها النظام الحديث, لتكشف عبرها الشعوب عن إرادتها الحقة, فإنها تكون آداة الطغاة في إنفاذ مراوغة تخفيهم أيضا. ويرتبط ذلك بأن آلية الانتخاب هي- وبلغة أهل القانون- آلية إظهار للإرادة, وليست أبدا آلية إنشاء لها. ومن هنا لزوم التنويه بأن الشرط اللازم لتحقق الإرادة الحرة هو الوعي; بما هو قدرة علي التفكير المستقل غير القابل للتوجيه, والذي يستحيل مع غيابه أن تكون للشعوب إرادة حرة, حتي ولو جري سوقها لصندوق الإنتخابات كل بضع سنوات.
إن ذلك يعني أن استيفاء الشرط السياسي( متمثلا في الإجراء الإنتخابي), من دون حضور الشرط الثقافي( متمثلا في القدرة علي التفكير المستقل), لا يمكن أن يكون دليلا علي أن إرادة الناس هي فعلا حرة. ومن حسن الحظ, أن الحقبة الحديثة قد شهدت نماذج عدة لشعوب جري سوقها, عبر التلاعب بعواطفها وأوهامها, إلي ما لا يمكن أن يكون إختيارا حرا أبدا, وذلك لأن الإستبداد لا يمكن أن يكون إرادة لأحد, ناهيك عن أن تكون هذه الإرادة حرة.
ولقد كانت مصر- مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي- مسرحا لتلاعب نخبتها بما قالت إنه إرادة شعبها; وهو التلاعب الذي تحقق- لسوء الحظ- عبر التخفي وراء الدين. فقد شاءت النخبة, آنذاك, أن تطلق مدد الولاية لحاكمها من غير حد زماني تنتهي إليه.
 وإذ لا يمكن لأحد أن يجادل في أن إطلاق الولاية للحاكم من دون تحديد لمدة ولايته هو السبيل إلي تكريس إستبداده وفساده, فإنه ليس من شك في أن إرادة هذا الإطلاق
( التي ستكون إرادة للإستبداد حينئذ),
لا يمكن أن تكون فعل إختيار, بقدر ما هي فعل إكراه وإضطرار ألجأت النخبة إليه المصريين حين ربطت هذا الإطلاق للولاية من دون تحديد زماني بجعل مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع. ما حدث, إذن, هو أن النخبة الحاكمة كانت هي التي أرادت الاستبداد( عبر إطلاق الولاية للحاكم; الذي كان الرئيس السادات, والذي لم يستفد من هذا الإطلاق وتركه لخلفه يستفيد منه حتي جري خلعه أخيرا), ولكنها راحت تتخفي وراء الشعب; حين جعلت من هذا الاستبداد إرادة له. لكنها لم تنجح- ولسوء الحظ- في جعل الاستبداد إرادة للشعب إلا عبر التلاعب بالدين; وعلي النحو الذي وجد الناس معه أنفسهم مضطرين لقبول ما تريده النخبة من الاستبداد, وإلا فإنهم سيخرجون علي ما يعتبرونه صحيح دينهم.
 وهكذا فإن سعي النخبة إلي تثبيت هيمنتها يجعلها لا تتورع عن اصطناع إرادة للشعب, ولو كان هذا الإصطناع يتحقق عبر الإساءة إلي الدين, من خلال استخدامه في التغطية به علي ما تبتغي من كسب سياسي. ولسوء الحظ, فإن شرائح واسعة من النخبة المصرية لا تزال, للآن, تستخدم الدين في اصطناع إرادة للشعب تغطي بها علي أهدافها السياسية الخاصة.

وأخيرا فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن التلاعب بإرادة الشعوب لا يتحقق من خلال الدين وحده; وأعني من حيث تكشف التجربة عن أن إثارة مشاعر الخوف والهلع عند الشعوب, واستنفار النوازع الغريزية المكبوتة في لاوعيها الجمعي, هي كلها مما يمكن معه تعبئتها في إتجاه بعينه يراد لها أن تمضي فيه. ولعل شيئا من ذلك قد حدث مع المصريين الذين يحتاجون إلي عمل كبير لكي تصبح إرادتهم حرة حقا; علي أن يكون مفهوما أنه عمل ثقافي ممتد, وليس عملا سياسيا تصنعه الخطابة.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 8 / مارس / 2012


السبت، مارس 03، 2012

‮ عن "‬ثــورات العرب‮"


حكايــــــة الحداثـــة الشـــكلية

كتب / وائل فتحي 



تاريخ جلب الحداثة أو قطف الثمرة،‮ ‬
هذا أول استنتاج سيصل له القارئ عند قراءة‮
 "‬ثورات العرب‮..‬خطاب التأسيس‮"
 ‬للدكتور علي مبروك‮.‬
‮ ‬كيف حاولنا جلب الحداثة لوادينا الطيب منذ اعتلاء محمد علي ولاية مصر،‮ ‬وحتي الآن!؟‮ ‬
هذا هو سؤال الكتاب‮.‬

بداية‮ ‬يطرح المؤلف مناقشة حول مشروع الحداثة التركية،‮
 ‬ذلك الذي خاضه كمال أتاتورك ضد الدين،‮
 ‬معتبرا أن هذا الطرح خاطئ،‮ ‬
مثلما كان الطرح الخاص بالدولة الحديثة لمحمد علي باشتراط الحداثة بما‮ ‬يتفق مع التراث كذلك،‮ ‬حيث استمرت هيمنة خطاب القوة في التجربتين،‮
‬لهذا‮ ‬يقدم الأستاذ المساعد بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة للقارئ نصيحة مفداها
أن السبيل الوحيد للتحرر في بلاد العرب‮ ‬يكمن في :
التخلي عن خطاب القوة مقابل خطاب المعرفة‮..‬هكذا تستقيم الحداثة‮.
‬ولنتأمل سويا هذا التصور‮: ‬

الدولة‮ 
كيف جلبت الحداثة المشروطة بــ"تخليص‮" ‬رفاعة‮ ‬رافع الطهطاوي،‮
وما الموانع التي منعت النقل الكامل؟
 مثلاً‮ ‬ينقل أول ناقل للحداثة الأوروبية‮ ‬الطهطاوي‮
‬في تلخيصه لهذه الحداثة فيما‮ ‬يخص توزيع وتقسيم السلطات‮
"‬إن ملك فرنسا ليس مطلق التصرف،‮ ‬وإن السياسة الفرنساوية هي قانون مقيد‮"
(‬كما جاء في الكتاب العُمدة: تخليص الأبريز في تلخيص بايز‮)‬،‮
 ‬ولكن الطهطاوي ما‮ ‬يلبس أن‮ ‬يتناسي تماماً عقد مقارنة بين ملك في فرنسا وباشا في مصر،‮ ‬ليورد المقارنة بشكل‮ ‬يدمر تماماً حس المقارنة حينما‮ ‬يتكلم عن الدولة المصرية،‮ ‬في الكتاب نفسه،‮
 ‬حيث‮ ‬يكتب عنها وفقاً لقاموس‮ "‬السياسة الشرعية‮" ‬حيث‮ ‬يري،‮
‬فيما‮ ‬يخص الدولة المصرية الجديدة‮
"‬إن للملوك في ممالكهم حقوقا تسمي بالمزايا،‮ ‬وعليهم واجبات في حق الراعايا‮. ‬
فمن مزايا الملك أنه خليفة الله في أرضه،‮ ‬وأن حسابه علي ربه،‮
‬فليس عليه في فعله مسئولية لأحد من رعاياه،‮ ‬وإنما‮ ‬يذكر للحكم والحكمة من طرف أرباب الشرعيات أو السياسات برفق ولين،‮ ‬
لإخطاره بما عسي أن‮ ‬يكون قد‮ ‬غفل عنه،‮ ‬مع حسن الظن به‮"..‬
هكذا‮ ‬ينتهي رفاعة إلي أن مصدر سلطة الباشا ليس الأمة،‮ ‬وإنما الله،‮
 ‬والذي‮ ‬يلح الطهطاوي طوال‮ »‬تخليصه‮« ‬
أن الله سبحانه وتعالي هو الذي ولاه حكم مصر،‮
 ‬وذلك‮ ‬يتعارض مع الواقع التاريخي الذي‮ ‬يقطع بأن تولية الباشا كانت من جماهير الشعب ونخبته التي استمسكت به في مواجهة الإرادة السلطانية العلوية،‮
 ‬كل هذا‮ ‬يكشف،‮ ‬حسبما‮ ‬يري الباحث ومؤلف الكتاب،‮ ‬
عن أزمة مثقف‮ ‬يجد نفسه مضطرا لأن‮ ‬يكون بوقاً لسلطة القوة علي حساب سلطة الحقيقة‮. ‬لنتقدم بالزمن سريعاً،‮ ‬لنجد إنعكاسا لهذه الفكرة في وقتنا الراهن،‮ ‬
حيث أعاد إنتاج أنصار‮ "‬مبارك‮" ‬هذه الفكرة،‮
‬حيث رفع أحد المؤيدين لافتة كتب عليها‮: ‬
من اختاره الله لا‮ ‬يسقطه الخونة والعملاء‮!‬
لكل هذا فالكتاب‮ ‬يعد تأريخاً‮ ‬لفكرة صراع بين قوتين‮:
‬السلطة،‮ ‬والمعرفة،‮
 ‬رغم ذلك لا‮ ‬يعكس الكتاب صراعا بين القوة والقوة الناعمة،‮ ‬مثلاً،‮
 ‬بل‮ ‬يسجل تاريخاً من سطوة الأولي وقلة حيلة الثانية‮.‬
‮ ‬كان مشروع النهضة قائماً علي دعم القوة،‮
‬بمعني أن نأخذ من الحداثة ما‮ ‬يجعلنا أقوياء،‮ ‬أن تكون الدولة صلبة،‮
‬دون أن ننقل تجارب الحداثة،‮ ‬رفاعة الطهطاوي كانت له عبارة‮ ‬اعتراف أن مشروع النهضة كان‮ ‬يهدف لقطف الثمرة،‮
‬وليس لتقليب التربة‮.‬
الثمرة هي ثمرة الحداثة،‮ ‬ليس هذا أوان الحديث عن رفاعة ومشروعه المعرفي،‮
‬لكن الإشارة تكشف للقارئ ملامح خطاب التأسيس العربي أي‮
"‬ثورات العرب‮..‬خطاب التأسيس‮"‬،‮
 ‬حيث‮ ‬يري الباحث أن ثورات العرب كانت مجرد مدخل
ليعود مبروك إلي نشأة مشروع النهضة العربي،‮
 ‬أي مشروع الدولة الحديثة،‮ ‬لهذا‮ ‬يتجول بين النشأة المعرفية التي أرساها رفاعة الطهطاوي‮. ‬
يكشف الكتاب أن مشروع النهضة العربي كان قائماً علي استجلاب مظاهرة القوة فقط،‮ ‬ومظاهر الحداثة أيضاً،‮ ‬
بينما كان عماد الدولة التي أسسها محمد علي الجيش،‮
‬إلا أن بقية المظاهر لم تهدف لتأسيس دولة قوية،‮ ‬بل أن تبدو دولة قوية فحسب‮.‬
الجامعة
تعطيل متعمد للنهضة بسبب السياسة،‮
‬حينما‮ ‬كان الحضور للسياسي طاغياً علي حساب المعرفي،‮ ‬كان ذلك في نهايات القرن التاسع عشر،مما أسس لأزمة شاملة،‮ ‬فكان الحل المطروح هو الجامعة‮. ‬
خلال هذه الفترة لم تستطع جامعة الأزهر أن تلعب الدور الوسطي بين سيطرة
السلطة‮/ ‬القوة‮/ ‬الجيش،
‮ ‬ورغبة المجتمع في‮  ‬والتقدم بعد ذلك‮.
‬حيث انشغلت المؤسسة الأزهرية بالحداثة المشروطة باسم الحفاظ علي التراث،‮
 ‬حتي أن المؤلف‮ ‬يتوقف عند تجربة تأسيس كلية دار العلوم،‮
 ‬لتعيد إنتاج خلطة تناسب مجتمعنا بين الدين والعلم،‮ ‬لكنها لم تحقق شيئا حسب استشهاد الكتاب برأي دكتور طه حسين‮.‬
لكن كل‮  ‬ذلك لم‮ ‬يعنِ‮ ‬نهاية دور مؤسسة القوة الصلبة،‮
‬بل استمرت الغلبة لها،‮ ‬وكان تغليب السياسي،‮ ‬علي المعرفي،‮ ‬أمراً مستمراً.‬

لنترك النشأة،‮
‬وننتقل لتأسيس خطاب المعرفة،‮
‬وبالتحديد النقد المعرفي حيث‮ ‬يتوقف الباحث عند جدل ولدته الأفكار النقدية
 بين عابد الجابري وجورج طرابيشي،‮
 ‬يتوقف‮ "‬الفيلسوف‮" ‬المغربي الراحل و"المفكر‮" ‬واللبناني عند مفهوم الأصالة بين الشرق والغرب العربيين،‮ ‬بينما‮ ‬يشيد الجابري بالمشروع النهضوي المغاربي،‮ ‬
الذي صنعه العقل المغاربي الذي‮ ‬يتسم بتفكير منطقي‮ ‬يبحث عن البرهان،‮
‬كنتاج لتأثره بالمعرفة الإغريقية،‮
 ‬بينما‮ ‬يحصر الجابري-أيضا‮- ‬العقل الشرقيّ‮ ‬في دور العقل الصوفي البياني،‮
 ‬في حين أن جورج طرابيشي‮ ‬يعيد أصول المعرفة اليونانية للحضارة الفينيقية،‮
 ‬هكذا‮ ‬يكشف لنا الباحث أن النقد المعرفي قد ارتد بالعرب إلي الماضي السحيق
أي إلي التفاخر بالقبائل،‮
‬بما‮ ‬يستتبع ذلك بجدارة الأكثر أصالة،‮ ‬من أصحاب التصورين،‮ ‬بالإمساك بمقاليد السلطة والقيادة‮!‬
هنا‮ ‬يمكننا القول أن وظيفة النقد لم تعد تحرير الأفهام،‮ ‬
بقدر ما باتت تثبيت الأوهام‮..‬أوهام الأصالة،‮ ‬وجدارة الصدارة والقيادة،‮
‬وبالطبع لن‮ ‬يستطيع النقد إنتاج معرفة بالواقع،‮
‬لهذا‮ ‬يكتب د.مبروك‮:
"‬أعني من حيث لم‮ ‬يتجاوز الأمر حدود استبدال أصالة بأصالة ومركز بآخر،‮ ‬
وعلي نحو‮ ‬يكشف عن هيمنة منطق الإبدال والإحلال
الذي هيمن علي مجمل ما ساد فضاء الخطاب العربي
 من الاختزال الأيديولوجي للواقع‮."

تم النشر في أخبار الأدب بتاريخ 3 مـــــــــارس 2012‬