الجمعة، يوليو 16، 2010

د/ على مبروك يروى تفاصيل الأيام الأخيرة فى حياة نصر حامد أبوزيد


كل ما قيل عن مرضه غير صحيح..

ولم يعرف أحد إلى الآن ماذا أصابه..

 وقال لى قبل وفاته ياعلي أنا الآن أرى «الله»



إذا كان الموت يعنى نهاية مشروع حياة الإنسان،
 فهذا معناه أن نصر حامد أبوزيد لم يمت؛
 لأن مشروع حياته فى الحقيقة كان على وشك الابتداء،
 وحتى الآن أنا لا أستطيع أن أتكلم حول «نصر» باعتباره ميتاً
 ولم أستوعب هذه الفكرة بعد،
لأنه مازال حاضرا معى فى كل تفاصيل الحياة، وأتخيل أن فترة مرضه وما أعقبها مجرد «حلم» سرعان ما سينتهى لأقابله مرة أخرى.
 هذا ما قاله الدكتور على مبروك أستاذ الفلسفة الإسلامية
وصديق الدكتور نصر حامد أبوزيد
ورفيق رحلته العلمية والبحثية والشاهد «الوحيد» على ما مر بـ«أبوزيد» من تطورات المرض،
 منذ بدايته وحتى آخر مراحله.
 وفى الحقيقة الحديث مع «مبروك» عن نصر أبوزيد لا يكشف لنا وجه «أبوزيد» الأكاديمى فقط،
 بل يتخطى هذا ليرسم بدقة وبراعة وجهه الإنسانى الذى طالما تجاهلناه،
 فمنذ خمسة عشر عاما، ونحن نتداول اسم نصر حامد أبوزيد مذيلا بإكلاشيه
 «مثير للجدل»
 لكن الغريب هو أن هذا الرجل كان غالبا ما يفضل الصمت،
 ولم يكن يظهر بوسائل الإعلام المختفلة والمتعددة إلا مرات معدودة،
 والأغرب هو أنك بصعوبة بالغة تتذكر نبرة صوته وإيماءاته ولزمات حديثه،
 وكأنه «طيف خفيف» تسمع عنه ولا تسمعه،
 فمنذ أن تم تكفيره وإصدار حكم بتفريقه عن زوجته اكتفينا بالكلام عنه دون أن نكلمه،
 وبالشجار حوله دون أن نحاول جدياً أن نتعرف إليه..
 خمس عشرة سنة، نعرف نصر «المشكلة» ولا نعرف نصر «الإنسان»
عن هذا الوجه الغائب وعن الأيام الصعبة، والغريبة التى مر بها أبوزيد بإندونيسيا ومصر يحدثنا الدكتور على مبروك عن أيام المحنة الأخيرة التى حولت نصر إلى ما يشبه الأسطورة.

«نصر»
 لم يمت، ولن يموت طالما لم يبدأ مشروعه الذى خطط له منذ سنين،
 عن هذا المشروع يحدثنا «مبروك» فيقول:
 منذ يناير الماضى ونحن نخطط لوضع الخطوات التنفيذية لنبدأ مشروعنا البحثى، التقينا فى يناير عشرة أيام ثم اتفقنا على خطوات البحث فى مارس وأبريل وكان لقاؤنا القريب فى مايو الذى اختبرنا فيه مشروعنا على عدد كبير من العلماء المسلمين القادمين من بيئات مختلفة
 للبحث عن جوهر الإسلام فى قلوبهم والاستفادة من تصور كل واحد منهم
 عن الإسلام،
وكان فريق المستشارين من العلماء يضم جنسيات متعددة وبيئات متنوعة بقدر كبير، سواء من أوروبا أو من أفريقيا أو من آسيا أو من الهند..
 وكان هذا المشروع نواة لـ«معهد الدراسات القرآنية» الذى كنا نحاول إنشاءه ليكون عملاً مؤسسياً لا عملاً فردياً ينتهى بانتهاء صاحبه،
 وليكون نافذة لنشر أفكار هذا المعهد فى العالم أجمع،
 وبشرط أن يكون هذا العمل بعيداً تماماً عن أيادى أى سلطة أو أية سياسة،
 ولذلك تقرر أن يكون مقر هذا المعهد بإندونيسيا،
 وأن يكون له فرع آخر بهولندا،
 والمؤلم أن نصر حاول أن يقيم هذا المعهد فى مصر..
 وحينما عرضه على أحد المسؤولين قال له إنه من أنصار مبدأ
«الباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح»
 فكان هذا الباب هو نصر ذاته.

يقول مبروك:
 كان من المفترض أن نتوجه إلى هولندا فى 25 يونيو الماضى لحضور مؤتمر تكريمى لنصر حامد أبوزيد فى جامعته بمناسبة تقاعده..
 وكان هذا المؤتمر يحمل عنواناً جميلاً هو
 «كيف يمكن أن نقدم إسلاماً ذا وجه إنسانى»
وأعتقد أن إدارة الجامعة اختارت هذا العنوان فى إشارة منها إلى أن «نصر»
هو ذلك الوجه الإنسانى للإسلام،
 وأنه هو الإجابة الحية على هذا السؤال،
 وأنه هو الذى حل المعادلة الصعبة بالنسبة للغرب فى أن يكون المسلم متحضراً وعالماً وموضوعياً ومتسامحاً،
 لكن للأسف...
 لم نتمكن من حضور هذا المؤتمر لأن حالة نصر الصحية كانت قد بدأت فى التهاوى قبل هذا الميعاد بأيام.

لا يحب «مبروك» فكرة الكلام عن الحالة الصحية لأبوزيد وتطور مراحل مرضه،
 لما يتعرض له من ألم نفسى من هذه الذكريات الحزينة التى شاهدها عن قرب
 وكان مراقبها الوحيد، وأول مكتشفيها..
 فيقول كلمة ويؤخر كلمة ويخرج الكلام من فمه ممزوجا بالألم،
 وتفلت الكلمات من فمه متقطعة وكأنه يوشوش لك بسر:
 إلى الآن لم أستطع فهم ما جرى، فلم يكن هناك أعراض واضحة لأى مرض..
 وكان كل شىء عادى وكان نصر بكامل وعيه وتركيزه،
 فى كل تفاصيل الحياة، من أول احتياجاته اليومية وبرنامجه العملى،
 وحتى اتصالاته المتكررة بزوجته الدكتورة ابتهال التى كانت تمنحه قدراً هائلاً من المحبة والسعادة بمجرد أن يسمع صوتها
ويقول لها: أزيك يا حبيبى..
 لكن بمرور الأيام أدركت أن هناك شيئاً غير طبيعى،
 وحينما بدأت أشعر أن «الأمور فى النازل» وتأكدت من أنه ليس هناك إمكانية فى بقائه بإندونيسيا على هذه الحال،
 بدأت فى إجراءات العودة، إلى القاهرة..
 ولم أتمكن من السفر لأوروبا لمعالجته لضيق الوقت وصعوبة الإجراءات،
 فكانت القاهرة خيارى الوحيد،
 وفى الحقيقة لم أكن أتخيل أن تتفاقم المشكلة إلى هذا الحد، فـ«نصر» لم يكن يشتكى من شىء عضوى، ولم يتأثر أى جهاز حيوى فى جسده..
 وحتى مغادرتنا إندونيسيا كان فى حالة صحية ممتازة
 وخرجنا من الفندق معاً وركبنا الطائرة سويا «على رجلينا» دون مساعدة من أحد ولا إجراءات طبية، ولا أى شىء، وتناولنا الغذاء..
 وكنا نتكلم مع بعض طوال الطريق،
 لكنى منذ أن لاحظت تغيره لم أكن أتطرق معه إلى أمور فكرية عميقة،
 لأن ذهنه كان شارداً لأوقات كثيرة،
 وحينما كنت ألح عليه بالسؤال عن حاله كان يقول إنه يمر بمرحلة صوفية عميقة، وأنه فى حالة نادرة من السلام والصفاء،
 وهذا ليس غريباً على نصر، لأنه كان يعتبر نفسه من مريدى القطب الصوفى الأكبر «ابن عربى»
 وكان مفتوناً بالتجرية الصوفية الإسلامية، وكان زاهداً بالمعنى الكامل، فى كل أمور الحياة، وأول كلمة قالها فى أول محاضرة له بأوروبا هى
 «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله».

يستبعد مبروك فكرة أن يكون ما تعرض إليه «أبوزيد» بفعل فاعل..
 ويتهكم على من يروج فكرة أن هناك «مؤامرة» أوصلته إلى هذه الحال،
 ويقول:
 أرجو أن يتوقف خيال الناس عن إنتاج هذه المغالطات، فأنا أشهد أننا كنا نعامل فى إندونيسيا أحسن معاملة..
 والشعب الإندونيسى شعب طيب ومتسامح وكان يضع نصر على رأسه،
 وكانت تربط نصر علاقة قوية جدا بالرئيس الإندونيسى السابق عبدالرحمن واحد، وهو الذى استضافنا فى بلده واقترح علينا أن ننفذ مشروعنا به،
 وبالمناسبة لم يخضع نصر لأى فحص طبى خارج مصر..
 ولم نعرف حتى الآن سبب مرضه ووفاته..
 ومن يقول إنه كان يعانى من فيروس غريب أقول له بل جهلك هو الغريب،
فمن الواضح أن الأطباء حينما لم ينجحوا فى اكشاف السبب الحقيقى للمرض اخترعوا موضوع هذا الفيروس ليبرروا عجزهم وضعف مستواهم المهنى والعلمى،
ومن الملفت أن حالة نصر الصحية ازدادت سوءاً فى المستشفى
فى حين أنه كان يتناول عقاقير من المفترض أن تحسن حالته،
 ففى إندونيسيا كان يعى كل شىء ويدرك كل شىء وكنا كثيراً ما نتكلم حتى فى حالته فكان يقول لى أنه يمر بتجربة روحية ووجد صوفى
، ومشاهدة للحقائق..
 كان ينظر لى وكأنه لا ينظر لى، وأشعر كما لو كانت عيناه تخترق وجهى
 وترى ما وراءه، وكانت عينه تنظر إلى بسكينة واطمئنان ونور
 ثم قال لى:
 يا علي.. أنت شاهدي الذى لا يكذب يا علي.. أنا أمر بتجربة روحية عميقة وأشعر كما لو كنت أصل إلى مالم يصل إليه بشر.. يا على.. أنا الآن أرى الله.

يبتسم مبروك ويتذكر فتنقلب ابتسامته إلى وجوم:
 نصر كان بيحب الضحك، لكن فى الفترة الأخيرة أصبح أكثر ميلا للصمت،
 وكان لا ينطق إلا بحساب،
 وكأنما لا يريد أن يقطع عالم الصفاء الذى كان يحيا فيه بأية أمور دنيوية أخرى، وبرغم أن نصر كان «حكيم» طوال الوقت،
لكنه فى تجربة مرضه كان لا يتكلم إلا بالحكمة أو بالشعر،
 مجسداً قول النفرى
 «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة».

تم النشر في جريدة اليوم السابع بتاريخ 16 يوليــــــــو 2010
كتب / وائــل السمــــري

السبت، يوليو 10، 2010

عن نصر حامد أبو زيد


علي مبروك شريك الطموح ورحلة المرض:

 رأينا بوادر شروده فتصورناها تجربة روحية



الدكتور علي مبروك واحد من أهم زملاء نصر أبو زيد ورفاق رحلته البحثية
 في‮ "‬الدراسات القرآنية‮"‬،‮ 
‬بالإضافة إلي هذا فلقد رافقته في رحلته الأخيرة إلي أندونيسيا للبحث في مشروعهما المشترك حول إنشاء‮ "‬المعهد الدولي للدراسات القرآنية‮" ‬هناك‮.
‬عاصر مبروك مرض أبو زيد يوما بيوم،
‮ ‬كما عاصره بمستشفي الشيخ زايد بالقاهرة‮. ‬
يقدم لنا هنا تقريرًا عن مرض العالم الأخير،‮ ‬كما يحدثنا عن المشروع المشترك الذي يفترض أن يقوم بتغيير طريقة نظر المسلمين إلي تراثهم‮. ‬

شاركت نصر أبو زيد رحلته الأخيرة إلي أندونيسيا‮. ‬

كيف بدأت بوادر مرضه وكيف تم اكتشافها؟
المرض لم يتم التعامل معه منذ وقت مبكر كمرض‮. ‬عندما‮  ‬وصل إلي أندونيسيا كان بكامل لياقته الذهنية والعقلية‮.
‬قضي وقتا طويلا بكامل اللياقة ثم بدأت تظهر بوادر انفصال إلي حد بعيد،‮
 ‬مثل عدم التركيز فيما نقوله،‮ ‬كأنه مشغول بشيء ما حميم يخصه،‮
‬عندما حدث هذا عبرت عن انزعاجي لبعض الأصدقاء الذين نعمل معهم في مشروع‮ "‬المعهد الدولي للدراسات القرآنية‮".
‬كان تفسيرهم أن ما يحدث أقرب إلي تجربة روحية يمر بها نصر،
‮ ‬كان يتحدث بلغة من بلغ‮ ‬أخيرا حقائق الأشياء،‮ ‬كلامه كان فيه قدر كبير جدا من الإيجاز والكثافة في نفس الوقت،‮
‬وعندما عبرت له هو شخصياً عن انزعاجي طمأنني وقال له أنه دخل في تجربة معاينة‮.‬

استعمل لفظ‮ "‬معاينة"؟
بالضبط‮. ‬وقال أنه الآن يري الحقائق كما لم يكن يبصرها‮. ‬
أنا كنت أطمئن نفسي أنه ربما كان الموضوع فعلاً يسير في الاتجاه الروحي
 وليس الصحي،‮ ‬كنا نقوم بجولات طويلة ونلتقي بأشخاص فاضطررت لمغادرة نصر لمدة ثلاثة أو أربعة أيام‮.
 ‬وعندما عدت وجدت حالته قد أصبحت أكثر سوءاً‮.
تشاورت مع بعض الأصدقاء‮.
‬قلنا أنه لابد له من مغادرة أندونيسيا،‮ ‬إما إلي القاهرة أو أمستردام،‮ ‬والوحيدة التي كان يفترض أن تأخذ هذا القرار هي زوجته الدكتورة ابتهال يونس‮. ‬حدثتها تليفونيا‮.
شرحت لها أن هناك شيئا‮ ‬غير طبيعي في حالة نصر،‮
‬وأن هناك قراءة بأن ما يحدث له مجرد تجربة روحية،
‮ ‬ولكنني‮ ‬غير مقتنع تماما بهذه القراءة،‮ ‬وأنه من الصعب أن نجد في أندونيسيا من يفهم حالته ويتابعها‮.
 ‬واختارت أن يعود إلي القاهرة‮.‬
لم يكن ممكناً لنصر أن يسافر وحده إلي هولندا‮.
‬بالإضافة لهذا فبالتأكيد لم يكن لدي أي منا تقدير حقيقي لخطورة حالته في هذه المرحلة المبكرة‮. ‬عندها‮  ‬قررنا الانتقال للقاهرة‮.
 ‬نصر يتحدث ويأكل ويشرب بدون مشاكل‮.‬‮ ‬وجهزنا الأمر بحيث يكون هناك طاقم طبي في انتظاره،‮ ‬لم نذهب للبيت،‮ ‬ذهبنا إلي المستشفي مباشرة‮.
‬ولكن في مصر بدأت الأمور تتفاقم بشكل مريع‮. ‬

تعتقد أن الأمور كانت ستصبح أفضل لو كان قد وصل مبكرا إلي مستشفي؟
لا أعرف بالضبط مصداقية هذا الكلام‮.
‬ولا أستطيع الحكم علي أي كلام طبي،‮
 ‬ولكن عندما تركته لأول يوم في المستشفي كانت حالته لا بأس بها،‮ ‬
فقط لحظات قليلة يبتعد فيها ثم تصبح حالته علي ما يرام،‮
‬وعندما جئنا من المطار كان يتحدث مع السائق بشكل طبيعي جدا‮.
‬لابد لي من الإشارة إلي أن الخدمة الطبية في مصر سيئة فعلا،‮ ‬يكفي أننا قضينا عشرة أيام في المستشفي في حالة عدم يقين‮.
‬لم نكن نعرف مما يعاني نصر بالضبط‮. ‬
الأطباء كانوا يضعون فروضا ويختبرونها،‮
 ‬وكل فرض يقومون باختباره ليومين أو ثلاثة أيام،‮
 ‬قيل أنه يعاني من فيروس،‮ ‬وقيل جلطات صغيرة في الرأس ومالاريا والتهاب سحائي،‮ ‬يبدو أن الانهيار الذي أصابنا في كل المناطق لم يستبعد المجال الطبي‮.‬

هل كان في‮ ‬غيبوبة؟
لم يدخل أبدا في‮ ‬غيبوبة‮.
‬حتي الفترة التي انفصل فيها عن العالم كان مايزال يتحرك ويفتح عينيه،‮ ‬
وجسمه كان يقوم بكل وظائفه الحيوية‮.
‬أتصور أن معدل الانهيار في أندونيسيا كان أقل منه في مصر،‮
‬علي الرغم من تعاطيه للأدوية التي كان يفترض أن تساعد جسمه
علي مقاومة الفيروس‮. ‬
عبرت للطبيب عن هذه الملاحظة،‮ ‬ووافقني،‮ ‬بدون أن يعلق أو يفسر‮.
 ‬دوماً كان يقال لنا أنه مادام الجسم قد دخل في منطقة الفيروس
 فعلينا ان نتوقع أن تظل حالته هكذا لشهرين أو ثلاثة،‮ ‬
وعندما يشفي لا يمكن التنبؤ كم سيخسر من قدراته العقلية والذهنية‮.
‬وقيل لنا أننا نحتاج إلي وقت‮.
‬أصبت باليأس من كل هذا الكلام‮.
‬والآن لا أعرف هل يتعلق الأمر بأنه بدأ العلاج متأخرا،‮ ‬أم بالتأخر في القدرة علي تشخيص المرض،‮ ‬ولا أعرف أيضاً‮ ‬تفسير الفيروس،‮ ‬
هل هو صحيح أم لا‮.‬

ناقشتما في أندونيسيا موضوع إنشاء‮ "‬المعهد الدولي للدراسات القرآنية‮"‬،‮ ‬
إلي أية مرحلة وصل مشروعكما؟
أتصور أن هذا المعهد قد يكون أفضل تكريم لنصر حامد أبو زيد،‮ ‬
نحن العاملين بنفس المجال نتصور أن روح نصر موزعة فينا،‮
‬وهذا المشروع يظل هو الآداة والوسيلة التي نؤكد من خلالها أن نصر حي ومستمر في العالم،‮ ‬من خلال فكرته‮. ‬
انطلاقاً من فكرتنا المشتركة بأن المسلمين يعيشون أزمة مع أنفسهم ومع العالم،‮
‬وأن الإسلام قد تم اختطافه من جانب جماعات تدعي التماهي والتوحد معه وبالتالي ترتكب جرائم في حق المسلمين وغيرهم علي السواء،
‮ ‬ومن فكرتنا بأن المسار السياسي وحده لا يكفي لحل هذه المشكلة
 وأنه لابد من العمل علي مسار ثقافي‮ ‬،‮ ‬فكرنا في هذا المشروع‮.
‬منطقتنا منخرطة منذ قرنين في مشروع لبناء دولة حديثة ولكنها لم تؤد إلا لمزيد من الاستبداد والظلامية‮. ‬

ولماذا تم اختيار أندونيسيا؟
موضوع أندونيسيا جاء لاحقاً،‮
 ‬أخبرني نصر أنه عرض الأمر علي جهة مهمة في مصر،‮ ‬
وكان مقترحا لها أن تقوم بتبنيه،‮ ‬ولكن الجهة قالت له ببساطة أنهم‮
"‬لا يريدون وجع دماغ‮".
 ‬وجاء العرض من أندونيسيا،‮ ‬حتي من قبل أن نعرض المشروع علي أحد،‮
 ‬حدث هذا من خلال علاقات نصر أبو زيد الطيبة بالرئيس الأندونيسي السابق
عبد الرحمن واحد،‮
‬المشكلة في اندونيسيا أن الإسلام تم اختطافه من جانب جماعات سلفية،‮ ‬تحارب التقاليد الأندونيسية المتسامحة‮.
 ‬الإسلام الإندونيسي التقليدي كما كان يقول نصر عنه‮ "‬إسلام مبتسم‮"‬،‮ ‬ومتسامح
،‮ ‬ولا يمكن فيه أبدا القبول بفكرة أحادية تحكم الجميع،‮
‬من هنا أنشأ الرئيس عبد الرحمن واحد مع البروفيسور شامل معاريف منظمة‮ "‬الحرية للجميع‮"
 ‬لتحاول معالجة الأضرار التي تسبب فيها هذا التغلغل للإسلام الوهابي داخل المجتمع الإندونيسي،‮ ‬وهي المنظمة التي قامت بتبني إنشاء المعهد‮. ‬

وماذا عن الخطوات الأولية للمشروع‮....
كيف عملتما عليه؟
منذ يناير الماضي،‮ ‬وكان نصر في القاهرة،‮ ‬ونحن نعمل علي المشروع‮.
 ‬أقمنا جلسات عمل مكثفة للغاية تبدأ في الصباح وتنتهي في المساء،‮
‬كان هناك بعد قائم علي الورقة الأكاديمية للمشروع،‮ ‬
وبعد يتعلق بالتعامل مع علماء الدين التقليديين،‮ ‬في النهاية أنت لا تريد لمشروعك أن يكون مشروعا للصفوة،‮ ‬تريده أن يصل للناس‮.
‬وهناك بعد يتعلق بالميديا من أجل إيصال أفكارنا والإعلان عنها،‮ ‬
كما أننا نحتاج تمويلا كي نتمكن من كل هذا‮.
 ‬كتبنا سبعين ورقة بالإنجليزية وقمت أنا بترجمتها للعربية‮.
‬وأرسلنا إلي كل من يعنيهم الأمر نسخا من هذه الورقة،‮ ‬من مثقفين وأكاديميين ورجال دين،‮ ‬من الداخل والخارج،‮
‬أرسلنا إلي شخصيات بإيران وباكستان والولايات المتحدة،‮
‬وقمنا في سفرتنا الأخيرة لأندونيسيا بلقاءات مباشرة مع من قرأوا الورقة،‮ ‬وتصوير لقاءات مع بعض الشخصيات التي تتحدث عن أهمية هذا المشروع،‮ ‬لكي يمكن استخدامها في الدعاية له‮.
‬كان مقرراً لهذه الزيارة أن تستمر لثلاثة أشهر،‮
‬ولكنني أزعم أن الأسبوعين اللذين قضيناهما في أندونيسيا كانا كافيين لنقوم بالجهد الأساسي في هذا الإطار‮. ‬

والهدف الأساسي للمشروع كما تراه؟
في قلب هذا المشروع كان تقديم قراءة مغايرة للقرآن،‮
‬المشكلة أن جميع تفسيرات القرآن كانت تفسيرات خطية،‮
 ‬تبدأ من سورة الفاتحة وتنتهي بسورة الناس،
‮ ‬بعض القراءات كانت موضوعاتية،‮ ‬أي أنها تعمل علي موضوعات بعينها،‮
 ‬مثل المال مثلا،‮ ‬ولكن مشكلة هذه التفسيرات أن بعض رواسب الأيديولوجيا
 قد تسللت إليها‮.
‬فكرتنا كانت تقديم قراءة تعتمد علي التيمات الأساسية في القرآن،‮ ‬
مثل تيمة الحدود والعقاب مثلا،‮ ‬وتيمة خلق العالم،
‮ ‬علي شرط أن يتم قراءة هذه التيمات من خلال تعالقها وتشابكها معاً‮.
‬هناك تفسيرات كثيرة قامت بالتركيز علي تيمات بعينها لصالح تهميش تيمات أخري،‮ ‬تقرأ تفسير القرطبي مثلا فتشعر أنه كتاب في اللاهوت لفرط ما اهتم
 بالتيمة اللاهوتية في القرآن،‮ ‬
أو القصاص الذي تجده مهتما أكثر من أي شيء آخر بالحدود العقابية‮. ‬
كنا نعتقد أن هذه قراءات مختزلة بعض الشيء‮. ‬

تم النشر في أخبار الأدب بتاريخ 10يوليــــــــــو 2010
كتب/ نائل الطوخي


الأربعاء، أغسطس 05، 2009

ماوراء الأصول الأشعرية


انزياحات المدنس ومخايلات المقدس
------------------------------------


"معاشر الناس: إنما تغيّبت عنكم هذه المدة؛ لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما أنخلع من ثوبي هذا".

 مقطع من رواية على لسان الأشعري، يردّ فيها تحوّله إلى ما يشبه الأزمة النفسية/الفكرية"


"فلمّا كانت ليلة سبع وعشرين (من رمضان)، وكان من عادته (أي الأشعري) سهر تلك الليلة، أخذه من النعاس ما لم يتمالك معه السهر، فنام وهو يتأسّف على ترك القيام فيها، فرأى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) ثلاثاً،
 فقال له: ما صنعت فيما أمرتك به؟
فقال: قد تركت الكلام يا رسول الله، ولزمت كتاب الله وسنّتك،
 فقال له: أنا ما أمرتك بترك الكلام. إنّما أمرتك بنصرة المذاهب المرويّة عنّي، فإنّها الحقّ،
 قال: فقلت: يا رسول الله، كيف أدع مذهباً تصوّرت مسائله، وعرفت دلائله منذ ثلاثين سنة، لرؤيا،
 قال: فقال لي: لولا أنّي أعلم أنّ الله يمدّك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبيّن لك وجوهها، فجُد فيه، فإنّ الله سيمدّك بمدد من عنده "

"مقطع من رواية عن الأشعري ترتد بتحوله إلى أمر نبوي"


"كان يأتيني شيء والله ما سمعته من خصم قط، ولا رأيته في كتاب، فعلمت أنّ ذلك من مدد الله الذي بشّرني به رسول الله."

"قول للأشعري- أورده ابن عساكر- يخايل فيه بالتواصل مع الإلهي"


تكاد أيّ قراءة جدية للأشعرية،
 أن تنتهي إلى أنّ واقع هيمنتها وسطوتها الواسعة في عالم الإسلام،
لا ترتبط بكفاءة خطابها النظريّ واتساقه، بقدر ما ترتبط بشروط تقع خارج حقل النظر كلياً؛ 
وأعني في عالم الواقع الذي يكاد وحده أن يبرّر هيمنتها الكاملة.
 فالحقّ أنّ الخطاب النظريّ للأشعرية،
 يبدو مسكوناً بما يرزح تحت وطأته،
 من ضروب الإرباك والتناقض؛ التي نتجت، للمفارقة،
 بتأثير ضغوط الخارج وتحديداته، وبحيث يبدو وكأنّ تحديدات الخارج تعمل بالنسبة للخطاب الأشعريّ، لا كسياق يبني فيه هيمنته فقط،
 بل وكمصدر لما يسكنه من الإرباكات أيضاً.
 وإذ يحيل ذلك إلى مركزية الخارج في بلورة كلّ من الهيمنة والمأزق، فيما يتعلّق بالأشعرية، في آن معاً،
فإنّه يلزم التنويه بضرب من التمايز بين "الخارج"، كأصل لهيمنة الخطاب الأشعري، وبينه كمصدر لإرباكاته؛
 ولكن مع ملاحظة أنّ هذا التمايز لا يحيل إلى الانقطاع الكامل بين نوعين مختلفين من "الخارج"، حيث الأمر لا يتجاوز حدود مجرّد التمييز الإجرائي الذي تقتضيه القراءة.
فإذ يحيل انبثاق الأشعرية،
 وسيادتها داخل الثقافة الإسلامية، إلى شروط ذاتية وموضوعية تتحدّد بها في الخارج، فإنّه فيما يحيل "الخارج" كأصل لهيمنة الأشعرية وسيادتها،
 إلى تجاوب خطابها مع شروط موضوعية تقوم في الواقع التاريخي؛
 وهى شروط تستدعي حضور الخطاب وتبرّره،
 بقدر ما أن الخطاب يمثّل، هو نفسه، استجابة لها، فإنّ "الخارج" كمصدر لما تلبّسها من ضروب التناقض والإرباك، يحيل إلى ما يبدو وكأنّه الشرط الذاتي أو الشخصيّ، المتعلّق بتحولات شخص مؤسس الأشعرية؛
وأعنى أبا الحسن الأشعري؛ الذي تكاد تحوّلات حياته أن تحدّد الإطار الذي انبثقت الأشعرية داخله مع مطلع القرن الرابع الهجري.
وبالطبع فإنّ ذلك لا يعني أنّ تناقضات الخطاب الأشعري وإرباكاته تتأتّى فقط من الشرط الذاتي المؤسّس له؛
وذلك من حيث يبدو أنّ هذا الشرط نفسه قد لعب دوراً، بحسب ما ستكشف القراءة، في تثبيت هيمنة الخطاب وترسيخها.

ورغم وعي هذه القراءة بأنّ سعياً إلى الإمساك بما يقوم وراء تأسيس الأصول الأشعرية،
لا بدّ أن ينشغل بما يقف وراء انبثاقها من شروط ذاتية وموضوعية معاً،
فإنّه يلزم التنويه بأنّ حدود الانشغال فيها، لن تجاوز، في الأغلب، حدود ما هو ذاتي؛ ليس فقط لأنّ الشرط الموضوعي إنما يشتغل من خلال الذاتي،
 فيما يتعلق- على الأقل- بلحظة التأسيس والانبثاق،
 بل ولأنّ الشرط "الذاتي" قد لعب دوراً بالغ المركزية في تأسيس الأشعرية بالذات؛ وإلى حدّ استحالة تحليل انبثاقها بمعزل عن الفاعلية المؤثرة لهذا الشرط.
 وإذ يحيل هذا الشرط الذاتي إلى ما يتعلق بالتحوّلات الحادّة والعنيفة التي عرفتها حياة الأشعري؛
 فإنّ هذه التحوّلات التي كانت الأصول الأشعرية هي نتاجها الأهمّ،
 لا تجد ما يفسّرها إلا في قلب تجربة نفسية معذّبة، تلظّى الرجل بنارها، وسعى للانعتاق من تداعياتها المرّة.
 ولأنّ الأصول الأشعرية لم تكن، هكذا، إلا أداة الأشعريّ في إنجازه لانعتاقه،
 فإنّه قد راح يتعالى بها إلى أن تكون من قبيل المقدّس الذي يتنزَّل من عالم الملكوت، وذلك لكي يقطع الطريق على أيّ مسعى لربطها بالمدنّس الذي يسكن عالم المكبوت. ولسوء الحظّ ..
 فإنّ معظم كاتبي مناقب الأشعري ودارسيه قد راحوا يرسّخون لتصوّر الأشعرية
- ابتداء من هذا التعالي- كنتاج لتوجيه نبويّ أو حتى إلهيّ،
وليس كنتاج لمكبوت نفسيّ.
 لكن الحقيقة أنّ قراءة وإعادة تركيب روايات انخلاع الأشعري عن الاعتزال وتأسيسه لطريقته الأشعرية الجديدة- وهى موضوع هذه القراءة- تتكشف عن عنف طافح أحاط بهذا الانخلاع على نحو بدا معه الأمر وكأنه يتجاوز مجرّد التوجيه النبويّ إلي انفجارات المكبوت النفسيّ.

وبالطبع فإنّه إذا كانت الأشعرية قد صدرت عن مثل هذه التجربة المضطربة، والمسكونة بهذا القدر الهائل من الشقاء والمرارة،
 فإنّه لن يكون غريباً أن تشقى بكلّ ما كان عليها أن تجابهه من ضروب الإرباك والتناقض، وإلى حدّ ما تكاد تنتهي إليه هذه القراءة من أنّها خطاب التناقض بجدارة.
وحتى مع صرف النظر عن ضروب الإرباك والتناقض التي هي نتاج ما يقوم وراء تبلور الأشعرية من الاضطراب والحصر النفسيّ،
 فإنّه يبقى أن تعالي الأشعري- أو دارسيه وكاتبي مناقبه بالأحرى-
بما يؤسّس لأصول اعتقاده، من حلكة المكبوت إلى قداسة ونورانية الملكوت،
 إنّما هو أحد تجلّيات اشتغال واحدة من أهمّ الآليات النفسية التي تقف وراء ظهور الإبداع بأشكاله المختلفة؛
وأعني آلية الإعلاء والتسامي التي كان لها أن تفتح الباب أمامه، للإفصاح عن المكبوت والتحرّر منه،
 ولكن ليس في شكل إبداع إنسانيّ هو- في الأغلب- ما تنحلُّ إليه،
 بحسب التحليل النفسيّ، عقدة المكبوت، بل في صورة إلهام ربّانيّ يتنزَّل من فيض عالم الملكوت.
وإذن فإنّه التسامي بالأشعرية إلى ما يقوم وراء الإنسانيّ ويتعدّاه؛
 على نحو تستمدّ منه قداسة وحصانة، ترتفع بهما فوق أيّ نقد أو مساءلة؛
وهو الضرب من الارتفاع الذي يستحيل فهمه خارج القصد الإنسانيّ إلى تأبيد الهيمنة وتثبيت الحضور.
ومن جهة أخرى، فإنّ اشتغال هذه الآلية النفسية لم يكن ليُخفي،
 بل لعلّه يؤكد، حقيقة أنّ ما يقوم وراء أصول الأشعرية،
 ليس شيئاً إلا المكبوت النفسيّ يتخفى وراء الإلهام النبويّ؛
وبما يعنيه ذلك كلّه من أنّ الشرط الإنسانيّ، لا سواه، هو ما يقف وراء انبثاق الأشعرية.


تم النشر في موقع الآوان بتاريخ 5 أغسطـــــــس 2009

الجمعة، يوليو 10، 2009

مركزيّة السياسيّ في علاقته بالدينيّ:

السياسي يحدّد بناء الأنطولوجيّ الأشعريّ
==========================



إذا كان الأشاعرة قد انتهوا
- كما تبدَّى في مقال سابق-
 إلى إفقار فعل الوعي على نحو كامل،
 وذلك حين اختزلوه في مجرد ضرب من "معرفة الاستدلال" التي هي أفقر أنواع المعرفة؛ لأنّ الوعي لا يعرف، في إطارها،
 إلا أن يتقيُّد بما يبدأ منه (وبحيث تصبح المعرفة تثبيتاً لما هو معروف أصلاً)،
 وليس "معرفة اكتشاف" لا يتقيَّد فيها الوعي إلا بما ينتهي إليه،
(وبحيث تصبح المعرفة إدراكاً للجديد غير المعروف)،
 فإنّ هذا البناء الأشعريّ الفقير إلى فعل الوعي قد تأدى إلى تصوّر العالم كمحض دليل أو علامة لا اعتبار لها في ذاتها؛
بل إنّ كامل معناها يُستفاد بأسره مما تؤشّر وتدلّ عليه من وجود مفارق يقوم وراءها.

 وبالطبع فإنّ هذا الحضور للعالم كمجرّد دليل وعلامة كان لا بدّ أن يحدّد طبيعة كلّ من تصوّره وبنائه في النسق الأشعريّ.
وأعنى- في كلمة واحدة- أنّه كان لزاماً أن يتبلور "تصوّر" العالم داخل هذا النسق بوصفه "كلّ موجود سوى الله، وهو أجسام محدودة متناهية المنقطعات،
وأعراض قائمة بها، كألوانها وهيئاتها، في تركيبها، وسائر صفاتها، وما شاهدنا منها واتصلت به حواسنا، وما غاب منها عن مدرك حواسنا،
هي (وغيرها مما ينحلّ إليه العالم من عناصر أولية) متساوية في ثبوت حكم الجواز لها، ولا شكل يُعاين أو يُفرض منا، صغر أو كبر، أو قرب أو بعد، أو غاب أو شهد،
 إلا والعقل قاضِ بأنّ تلك الأجسام المشكَّلة،
 لا يستحيل فرض تشكُّلها على هيئة أخرى.
وما سكن منها لم يحل العقل تحرّكه.
وما تحرّك منها لم يحل سكونه،
 وما صُودف مرتفعاً إلى منتهى سمك من الجوّ لم يبعد تقدير انخفاضه،
وما استدار على النطاق لم يبعد فرض تدواره (دورانه) نائياً عن مجراه،
 وترتب الكواكب على أشكالها يجوز على خلاف هيئاتها وأحوالها…
(وبما يعنى أنه لا شيء البتة إلا ويقبل الخرق والفوات والانقلاب على خلاف الهيئة والحال، وكلّ ذلك ليس من نفسه طبعاً، بل من غيره)
 لأنه إذ يتّضح بأدنى نظر استمرار مقتضى الجواز على العالم جميعه،
 وما ثبت جوازه استحال الحكم بوجوبه. فإذا لزم العالم حكم الجواز، استحال القضاء بقدمه وتقرّر أنّه: مفتقر إلى مقتضى اقتضاه على ما هو عليه.
 وإنما يستغنى عن المؤثر ما قضى العقل بوجوبه، فيستقلّ بوجوبه عن مقتضى يقتضيه.
 فأمّا ما ثبت جوازه وتعارضت فيه جهات الإمكان، فمن المحال ثبوته اتفاقا على جهة منها من غير مقتضى (أو مؤثر) .
 وهكذا فإنّ الخرق والفوات وإمكان انقلاب الهيئة والحال هو جوهر ما يمكن للعقل أن يقضي به على العالم ابتداء من ثبوت حكم الجواز لكلّ ما فيه.
ولأنّ حكم الجواز للعالم لازم عن تصوّره (أي العالم) هو ما سوى الله الذي يستقلّ وحده بوجوب الوجود وضرورته،
 فإنّ ذلك يعني أنّ نقطة البدء في تصوّر العالم، بحسب الأشاعرة،
إنما تنطلق من مغايرته مع الله، وعلى نحو يكون فيه تصوّره مجرّد فرع عن تصوّر الله. وبالطبع فإنّ ذلك يتجاوب مع حضور العالم المُشار إليه، في النسق الأشعريّ، كمجرد "دليل" هو- بدوره- فرع عن تصوّر "مدلول" يقوم سابقاً عليه.
والمُلاحظ أنّ هذا التصوّر الذي يؤسّس،
 لم يزل، لكيفية حضور العالم في الوعي المعاصر،
 كان لا بدّ أن يئول، بدوره، إلى بناء للعالم على نحو من الخواء والانفصال والتفتت والافتقار الكامل لما يتقوَّم به ذاتياً.
إذ الحقّ أنّه كان لزاماً أن ينحلّ بناء العالم، بحسب هذا التصوّر،
 إلى أجزاء تتناهى، لأنه
 " لا يمكن- حسب واحدِ من ورثة النسق الأشعري الكبار- إحاطة شاملة إلا بموجود متناه، ولا يمكن تحقق موجود متناه إلا إذا انقسم إلى جزء لا يتجزأ" .
 وإذا كانت تلك الأجزاء التي لا تتجزّأ هي اللبنة الأولى في بناء العالم،
 فإنّه كان لا بدّ من تصوّرها لا تعلُق بينها أو تداخل أو اتّصال،
 بل ليس بينها إلا التفتّت والانفصال الذي يسمح وحده بكلّ ما هو ممكن من الخرق والفوات وانقلاب الهيئة والحال.
وهنا يُشار إلى أنّه إذا كان القصد من ردّ العالم إلى تلك الأجزاء التي تتناهى ولا تتجزأ، هو التنزُّل بالعالم إلى وضعية التناهي ليقع في قبضة العلم المحيط والقدرة المطلقة لذات تقف خارجه،
 وبكيفية لا يقدر معها أبداً على الفعل خارج سياق هيمنتها الشاملة؛
 فإنّ تحقيق هذه الهيمنة على ما ينتهي إليه التناهي من جواهر مفردة
 (أو أجزاء لا تتجزأ) وأعراض يكون أولى لا محالة.
 وضمن سياق هذه الهيمنة، فإنّه كان لزاماً أن يتخلّى الجوهر عن حمولته الفلسفية التي تحيل إلى تقوّمه بذاته وفعله بطبعه،
 ليتزوَّد بحمولة مغايرة تناسب وضعه تحت الهيمنة.
 ومن هنا ذلك التصوّر للجوهر، في النسق الأشعريّ، لا باعتباره- على قول الفلاسفة- "ما قام بنفسه، فهو متقوّم بذاته ومتعيّن بماهيته"، بل باعتباره "ما يقبل العَرَض قبولاً يستحيل معه أن ينفكّ جوهر عن عَرَض" .
وهكذا فإنّ حقيقة الجوهر لا تُستفاد من عين ذاته، بل من كونه محلاً لغيره
 (أو العّرّض).
 وبالطبع فإنّ حضورهما معاً يُستفاد من "أنّ لهما مدخلية تامّة في الأدلّة (على الله)"، وذلك على قول من أدرك، لذلك، ضرورة
"التكلُّم عليهما، قبل التكلُّم على إثبات الصانع".

والغريب حقاً أنّ النسق قد استدعى هذا الترابط بين كلّ من الجوهر والعَرَض،
 لا من أجل صهرهما في هوية واحدة
" تكون فيها الأعراض- على قول أحد المعتزلة- من فعل الأجسام أو الجواهر طباعاً" ، بل بقصد إفساح المجال أمام تصدّعهما وانهيارهما معاً؛
 وذلك من حيث أنّ
"الأعراض هي التي لا يصح بقاؤها، وهى التي تعرض في الجواهر والأجسام وتبطل في ثاني حال وجودها" .
 وهكذا فإنها وجود إلى الانعدام والبطلان الذي كان لا بدّ أن يطال الجواهر أيضاً ابتداء من عدم قابليتها للانفكاك عنها؛
 وهو الضرب من الانعدام الذي راح يجد ما يؤسّسه في التصوّر الأشعريّ للزمان هو
"مجموع ذرات أو آنات (لا تتجزّأ)، يحدث الواحد منها بعد الأخر، ولا صلة بين الواحد والآخر" .
 وإذ الآن، هكذا، هو وحدة منفصلة وقائمة بذاتها،
ولا صلة البتة بينها، كوحدة، وبين ما يسبقها أو يلحقها من آنات،
 فإنّ ذلك يعنى أنّ هوّة من الفراغ أو العدم- حتى لو كانت وهمية وغير محسوسة-
لا بدّ أن تقوم بين كلّ آن وآخر من آنات هذا الزمان؛
 وهى هوّة يسقط العَرَض- ومعه الجوهر الذي لا ينفك عنه- ويتهاوى فيها،
 فيبطل وينعدم. وبالطبع فإنّه كان لازماً أن يدخل العدم ،هكذا، إلى بناء العالم من خلال هذا الزمان الذي تنفصل وتتقطع آناته.
ولعلّ هذه الإضافة للعدم إلى الزمان إنما ترتبط بالسعي إلى إظهار أثر القدر والمطلقة الذي "لا بدّ أن يكون وجودياً، حيث لا تتعلق القدرة بالعدم"، بل بمجرّد الإيجاد والإحداث.
وهو من نوع الإيجاد والإحداث المستمر الذي لا يتوقّف، ليس فقط لأنّ الإعدام المنسرب إلى بناء العالم من طبيعة بناء الزمان لا يتوقّف بدوره، بل- والأهمّ- لأنّه "يلزم استغناء العالم حال بقائه (بنفسه) عن الصانع" .
ومن هنا ضرورة "الخلق المستمر" للعالم حتى لا يستغني، حال بقائه بنفسه،
عن الصانع من جهة، وحتى لا ينقطع عن البقاء في حال عدم تجدّد أعراضه من جهة أخرى. ولأنّ هذا التجدد للأعراض (وهو أساس الخلق المستمر والمتجدد للعالم)
"هو للقادر المختار، فإنّه يخصص بمجرد إرادته كلّ واحد منها بوقته الذي خلقه فيه، وإن كان يمكن له خلقه قبل ذلك الوقت وبعده" ،
 فإنّ ذلك يعنى أنها محض الإرادة منفكة عن أيّ تحديدات أو سنن، وليس سواها، هي ما يفعل في العالم، لا عند واحدة من لحظاته فحسب، بل في كل آن من آنات زمانه. وفي كلمة واحدة، فإنّها "مطلق الإرادة"، وليس "قانون العقل والحكمة" هي ما يحدّد تصور العالم الأشعري وبنائه بحسب.
والحقّ أن هذا التصوّر للعالم متلاشياً في قبضة الإرادة لم يكن أبداً من مقتضيات العقيدة، بقدر ما كان من لوازم السياسة وضروراتها.
إذ الحقّ أنه ليس مما يتعارض أبداً ومقتضيات العقيدة أن يكون الله قد خلق العالم لمرة واحدةِ فقط، ثم أمدّه بقوانين ثابتة وسنن شاملة، تحفظ وجوده وتنظم حركته،
هي انعكاس لعلمه وحكمته، ومن دون أن يكون بقاء العالم موقوفاً على التدخل المباشر من الله في كلّ لحظة؛ وبكيفية يكون معها "نظام القانون" وليس "مطلق الإرادة" هو ما ينتظم علاقتهما ويحددها.
والملاحظ أنه وحتى حين اتّسع الخطاب لمفهوم "القانون"،
فإنّ ذلك لم يمنعه من نزع التأثير والفاعلية عن هذه القوانين ابتداء من أنه:
" لدى تدقيق النظر والبحث في الأدلة العقلية، وملاحظة عظيم قدرته سبحانه،
 وكمال علمه، وتدبر عجائب صنعه، ظهر لنا معشر أهل السنّة والجماعة،
 أنّ جميع تلك الأسباب والقوانين التي وضعها الله سبحانه،
 وجرت عادته في إحداث الحوادث عندها ما هي إلا عادية، بمعنى أن عادته تعالى جرت بإحداث الحوادث عندها لا بتأثيرها، وأن الزمن الذي خُص لتكوّنها وحدوثها ما هو إلا عاديّ أيضاً، وهو سبحانه وتعالى قادر على إحداث تلك الحوادث بدون تلك الأسباب والقوانين" .
 والحقّ إنّ هذا الإلغاء لفاعلية القوانين وتأثيرها إنما يرتبط، في العمق، بالإلحاح الدائم على تفعيل "مطلق الإرادة" على حساب "مقتضى العلم والحكمة".
 وإذ يرتبط هذا التفعيل للإرادة مطلقة من أيّ تحديد،
 وبما يترتّب على ذلك من نفي القانون، باستحالة أن تتحدّد الإرادة الإلهية بقانون العالم خارجها؛ فإنّ ذلك يتجاهل حقيقة أنّ "قانون العالم" هو انعكاس لعلم الذات الإلهية وحكمتها، وبما يعنى أنّ الإرادة تتحدّد بالعلم والحكمة، وليس أبداً بشيء خارجها.

 وإذن فالأمر لا يتعلق بتحديدات للذات من خارجها، بقدر ما هي الذات تتحدد بقانونها الخاص. ومن هنا أن هذا التصوّر الأشعري، الذي ينبني على أولوية "الإرادة"- مطلقة من كل تحديد- على "العلم والحكمة"، تفعل من خلالهما الذات ويتعيّن حضورها في العالم، لا يمكن أن يكون مما تفرضه طبيعة الذات وماهيتها، بل إنه يئول- فيما يبدو- إلى التشويش على ماهية هذه الذات؛ وأعني من حيث تصوّرها مُعرّاة من قانون ينتظم فعلها. والملاحظ أنّ الخطاب حين جوبه بما يئول إليه هذا الإطلاق للإرادة، على حساب العلم، من شناعات، أظهر من الارتباك ما بدا معه مضطراً إلى تصور العلم قائماً قبل الإرادة متقدّماً عليها.
فإذ ينبني إطلاق الإرادة- حسب الخطاب-
على لزوم حكم "الجواز" للعالم، وبما يترتّب عليه من نفي "الضرورة"،
 أو القطع- بلغة الخطاب-
 بأنّ:" الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سبباً، وبين ما يُعتقد مسبباً، ليس ضرورياً عندنا، بل كلّ شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما، متضمّناً لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمّناً لنفي الآخر،
 فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الريّ والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، وهلمَّ جراَّ، إلى كلّ المشاهدات من المقترنات في الطبّ والنجوم والصناعات والحرف.
 فإنّ اقترانها (هو) لما سبق من تقدير الله سبحانه، يخلقها على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه، غير قابل للفوت"، لأنّ القول بعكس ذلك يلزم عنه
" أنّ الله تعالى لا يفعل بالإرادة"،
 فإنّ الخطاب، وقد "أنكر لزوم المسببات عن أسبابها، وأضافها إلى إرادة مخترعها، ولم يكن للإرادة أيضاً منهج مخصوص معيَّن، بل أمكن تفننه وتنوّعه"،
 لم يجد إلا أن يفترض ضرباً من "العلم" المسبق المتعدّي للإرادة والسابق عليها، ليحول دون ارتكاب محالات شنيعة يئول إليها لزوم حكم الجواز للعالم.
وهكذا فإنّ شناعات يجرّ إليها إنكار الضرورة،
من قبيل أنّ" يُجوُّز كلّ واحد منّا، أن يكون بين يديه سباعٌ ضارية، ونيران مشتعلة، وجبال راسية، وأعداء مستعدة بالأسلحة لقتله، وهو لا يراها، لأنّ الله تعالى ليس يخلق الرؤية له.
 ومن وضع كتاباً في بيته، فليجوُّز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته، غلاماً أمرد عاقلاً متصرفاً، أو انقلب حيواناً، ولو ترك غلاماً في بيته، فليجوُّز انقلابه كلباً، أو ترك الرماد فليجوُّز مسكاً، وانقلاب الحجر ذهباً، والذهب حجراً، وإذا سئل عن شيء من هذا،
 فينبغي أن يقول:
 لا أدري ما في البيت الآن، وإنّما القدر الذي أعلمه أني تركت في البيت كتاباً،
ولعلّه الآن فرس، قد لطخ بيت الكتب ببوله وروثه،
 وإنّي تركت في البيت جرّة من الماء، ولعلها الآن انقلبت شجرة تفاح، فإنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء ممكن، فلا بدّ من التردّد فيه"،
 قد دفعت الخطاب إلى التراجع تحت وطأة ضغوطها العنيدة إلى أنه...
" لا مانع من أن تكون هذه الأشياء ممكنة في مقدورات الله تعالى، ويكون قد جرى في سابق علمه أنه لا يفعلها في بعض (وبالأحرى معظم) الأوقات، ويخلق لنا العلم بأنه ليس يفعلها في تلك الأوقات".
 وهكذا راح الخطاب ينصاع لما سعى إلى الإفلات منه دوماً؛
 وأعنى تصوّر الإرادة تتحدّد بضرب من العلم المسبق
- الذي يستحيل العالم من دونه إلى ساحة للمحال والفوضى-
 بعدم حصول هذه المحالات إلا في أوقات مخصوصة.
والحقّ أنّ رضوخ الخطاب لهذه الضغوط والإرباكات التي عرضت له،
 ضمن مجال اشتغاله الديني، نتيجة إصراره على إطلاق الإرادة مُعرّاة،
 ولو من مجرّد "منهج مخصوص معيَّن" تفعل بحسبه، ليكشف عن كون الباعث الأعمق لهذا الإطلاق، بكلّ ما يترتب عليه من المحال والفوضى، إنما يقوم خارج حدود مجال "الديني"، الذي لم يكن لشيء أن يحضر فاعلاً خارج حدوده- بل داخلها، وحتى في قلبها، وهو الأهمّ- إلا "السياسي".
إذ الحقّ أنّ تحليلاً لمسار العلاقة بين الديني والسياسي في الإسلام يكاد يتكشَّف عن مركزية الدور الذي لعبه السياسي في مسار هذه العلاقة؛
وإلى حدّ تبلور الدينيّ في قلبه. ولعلّ هذا المسار يتمايز كلياً عن ذلك الذي اتخذته العلاقة نفسها في المسيحية؛
 وتلك قصّة أخرى.


تم النشر في موقع الآوان بتاريخ 10 يوليــــــــــــو 2009

الجمعة، مايو 29، 2009

كيف قاربت النخبة العربية مفهوم العقلانية الحديثة؟



إذا كانت النخبة العربية
 قد راحت تغطى على سعى دولتها البائسة التعيسة إلى التكيّف مع العجز،
 بخطاب عن العقلانية والواقعية،
لا يجاوز اشتغال العقل داخله حدود القبول والتسليم بما هو قائم،
أو حتى الاستسلام له،
ولا يتعدى حضور الواقع، ضمنه، حدود أنه مجرد كيان مصمت
 لا ينطوي في جوفه على أي إمكانات أو ممكنات تقوم وراء ما يظهر على سطحه الفقير؛
 فإن بؤس هذا الخطاب وابتذاله لا يتأتى مما يهبه لمفاهيمه من مضامين ليست فقيرة وجدباء فقط،
 بل وتمثل انحرافا كاملاً عن الروح الحقة التي تحملها هذه المفاهيم في سياق الحداثة؛ التي تتباهي هذه النخبة بحمل بيارقها.
 وإذ يتأكد هذا الانحراف عبر تحليل لتلك المفاهيم في خطاب الحداثة،
 فإن نقطة البدء في هذا التحليل لابد أن تنطلق من ملاحظة التلازم الكامل بين كل من العقل والواقع والتاريخ في هذا الخطاب،
وإلى حد أن الواحد منهما يكاد يحدد الآخر، ويتحدد به على نحو مطلق.
 ولعل ذلك ما تتكشَّف عنه حقيقة أنه إذا كانت الحداثة قد استقرت على تصور الواقع كصيرورة، وذلك انطلاقا من كونه مجرد نتاج لوعى الإنسان وفعله في العالم،
 واللذان لا يمكن تصورهما أبدا خارج دائرة التجاوز والتخطي؛
 فإن ذلك قد فرض تصوراً للعقل هو قوة نفي ورفض لكل وضع قائم يتصوره أصحابه كاملاً ونهائياً؛
 وبما يعنيه ذلك من دخول التاريخ كمكون جوهري في بناء كل من العقل والعقلانية. 

وبالطبع فإن هذا التصور للعقل يتجاوب تماماً مع تصور كل من الواقع كصيرورة، والتاريخ كتجاوز؛ وأعنى من حيث تتجاوب قوة النفي التي ينطوي عليها بناء العقل مع الحركية والصيرورة التي يقوم عليها بناء كل من الواقع والتاريخ.
والحق أن هذا التصور للعقلانية
 يكاد أن يجعل منها فعل تحرر في العمق. فالتحرر هو، في جوهره، فعل نفي ورفض؛ وذلك انطلاقاً من أنه يبدأ كممارسة إنسانية لا تتوقف،
 في كافة مناحي النشاط الإنساني،
من قول "لا" النافية لوضع قائم يُراد من البشر أن يخضعوا لسطوته؛
 وعلى نحو لا تمايز فيه بين "لا" ينطق بها الوعي،
 أو ينطق بها الوعييى بمثل ما هو الحال في الإسلام الذي أشعل ثورته في العالم من "لا" السالبة التي يبتدئ المرء فعل انتسابه إليه من الإقرار بها
(وأعنى "لا إله إلا الله").
فالتحرر هو جوهر ما يتغياه كل من الوعييي والوعي؛
اللذان يكمل الواحد منهما، أو الوعي، عمل الآخر، وهو الوعييى، والعكس أيضاً. وابتداء من كونهما فعلى نفي ورفض،
 فإنه يمكن المصير إلى جوهرية التماهي بين العقلانية والتحرر؛ وإلى حد إمكان اعتبار العقلانية هي فعل تحرر في الجوهر.

والحق أن العقلانية قد انبثقت في سياق الحداثة الأوروبية كممارسة تحررية تتصف بالشمول والكلية؛
 وذلك من حيث لم تقف عند حدود "الإنسان" الذي أدرك الوعي أن سعياً إلى تحريره وتأكيد مركزية حضوره وسلطانه في العالم،
 لا يمكن أن يتحقق إلا عبر توسيع مجال التحرر ليشمل أيضاً كل من الطبيعة والمجتمع والتاريخ التي كان عليها أن تتحرر جميعاً- في موازاة تحرر الإنسان- من قبضة الوهم وسلطان الخرافة.
 وهكذا فإن الوعي حين كان يحرر نفسه، كان يحرر غيره
 (كالطبيعة والمجتمع والتاريخ)؛
وأعنى من حيث راح يرتفع بها إلى مستوى المعقولية، وذلك عبر الكشف عن نظام العقل الكامن فيها، والذي بدا أنها جميعاً إنما تنبني بحسبه.
ولعل شمول فعل التحرر على هذا النحو، يكشف عن الطبيعة الجدلية، وغير الصورية، لتلك العقلانية التي بدا أنها لا تنبني على تصور للعقل هو بمثابة جوهر أو أقنوم جامد بحسب ما تصوره القدماء، بل على اعتباره ممارسة مفتوحة لا تكف عن الاغتناء والنماء؛ وبما يعنيه ذلك من تاريخيتها.
 فالعقل في الحداثة هو مشروع مفتوح وتكوين، وليس جوهراً أو معطى جاهز ومكتمل.
لكن ثمة معضلة حقة تجابه هذه العقلانية.
 وهي معضلة تتأتى من أن هناك في بنائها العميق ما تنطوي عليه،
ولكنها- في الآن نفسه- تناضل ضده،
 مما يتعارض مع هذا الجوهر التحرري القائم على النفي الذي لا يتوقف.
إنه ما تنطوي عليه من السعي إلى "الهيمنة"؛
الذي يستلزم تثبيتاً لوضع ما على نحو يعطل اشتغال قوة النفي والتخطي الدائم. 

ويتأتى هذا السعي إلى الهيمنة من أن نفي "وضع ما" ورفعه،
إنما يؤول إلى فتح الباب أمام انبثاق "وضع بديل"؛ وذلك ابتداء مما أكده هيجل من "إن كل سلب أو نفي هو- أيضاً- تعيين ووضع لبديل في العمق".
 وبالرغم من أن هذا الوضع البديل لابد أن يكون- بحسب منطق العقلانية-
 موضوعاً للنفي والرفع،
 فإنه قد يحدث أحياناً أن تسعى قوى بعينها إلى تثبيت أوضاع ما،
 وبالطبع مع ضرورة الوعي بأن مثل هذا السعي يمثل انحرافاً عن روح ومنطق العقلانية، التي تبادر، هي نفسها، بالنضال ضده.
وعلى أي الأحوال فإنه يبقى أن العقلانية قد تبلورت، في سياق الحداثة،
 مسكونة بالتوتر بين قوة النفي من جهة، وبين السعي إلى الهيمنة من جهة أخرى. وغنيُّ عن البيان أن هذا التوتر القائم في قلبها،
إنما يرتبط بحقيقة أن العقلانية، وكأي مشروع ينبني في قلب عملية تاريخية،
لابد أن ينطوي على جوانب متعارضة، أو حتى متناقضة.
 لكن المهم هنا أنها تسعى إلى رفع ما يتعارض من هذه الجوانب التي تنطوي عليها، مع جوهر اشتغالها ومنطقها التحرّري.

وهكذا فإن معضلة العقلانية هي نتاج كونها مشروع مفتوح قيد الاكتمال،
 وليست جوهراً أو معطى مكتمل
 (وأعنى بذلك تصورها كبناء صوري ينتصب أولانياً، وكأدنى ما يكون إلى المعيار الذي يتميز به ما هو عقلي من اللاعقلي).
 فهذا السعي إلى الاكتمال لا يتحقق في فضاء شفاف خالٍ من أي معاندة،
بل يجرى في مواجهة عوائق تجد معها العقلانية نفسها مشتبكة مع بعض ما تكون، هي نفسها، قد وضعته في لحظة سابقة ما،
ثم تناضل ضده بعد ذلك، ومن دون أن ينطوي ذلك على أي تناقض
 لأن العقلانية هي مشروع تاريخي يحقق اكتماله عبر تجاوزها لذاتها،
 وليست جوهراً معطى أولانياً يمثل الخروج على ما يفرضه تناقضاً؛
 وبما يعنيه ذلك من أنها ليست عقلانية تماهي مع الذات، بل مجاوزة لها بالأحرى. فالعقلانية كجوهر:
 هي فقط ما تفرض وتضع أولانياً- وككل جوهر بالطبع- ما يُعد الخروج عنه تناقضاً، ولكنها كمشروع لا تفرض،
 بل تضع ما يصبح رفعه، بمثابة نوع من التجاوز، وليس التناقض.
 ومن هنا إمكان المصير إلى أنه إذا كانت تاريخية العقلانية هي أصل معضلتها،
 فإنها تكون باب الانفكاك من أحابيلها كذلك؛
 وأعنى من حيث لا يكون منها مجرد الوضع والإنشاء فحسب،
 بل والدفع إلى التجاوز أيضاً.
 فإذ العقل- والعقلانية بالتالي- ليس معطىً مطلقاً،
 بل هو تكوين تاريخي، فإن ذلك يعنى أن ما يضعه العقل، من معارف وفلسفات وأنظمة ومؤسسات، ليس مطلقاً ونهائياً بدوره.
 بل إنه يكون تكويناً تاريخياً مشروطاً بجملة سياقات يفقد معقوليته خارجها؛
 وبما يعنيه ذلك من أن العقل ذاته سرعان ما يكتشف حدود ما كان قد وضعه في لحظة ما، بل ويدرك ما ينطوي عليه هذا الذي كان قد وضعه هو نفسه،
 من جوانب تفقد مع التطور معقوليتها،
 ويتجاوزها إلى وضع جديد يكون هو الأكثر معقولية من وضع سابق عليه،
 وليس أبداً على نحو مطلق.
 إذ العقل إنما ينعكس على نفسه، ويتجاوز ذاته على نحو دائم.
 ولهذا فإن كل ما يضعه هذا العقل في لحظة ما باعتباره الأكثر معقولية مما كان سابقاً عليه، لابد أن يفقد بعض هذه المعقولية، أو حتى كلها،
في مسار التطور الذي لا يكف فيه العقل عن تجاوز نفسه أبداً.
 إن ذلك يعنى أن اللاعقل يدخل في تركيب العقلانية،
ولا يمكن اعتباره مجرد نقص يقوم خارجها؛ وعلى النحو الذي يؤكده ما أشار إليه هيجل من أن الخطأ هو جزء من تركيب الحقيقة.
 وإذ يحيل ذلك إلى استحالة مقاربة العقلانية كنموذج أو جوهر جاهز قابل للاستنساخ في غير سياقه الذي انبثق فيه؛
 وبما يعنيه ذلك من ضرورة بناء العقلانية في قلب عملية تاريخية لا تكف فيها عن النضال ضد واقعها، ومن أجله، بل وضد نفسها أيضاً،
 فإن ذلك يكشف عن بؤس المقاربة العربية للعقلانية الحديثة؛ وأعن من حيث تنبني (هذه المقاربة) على تصورها كجوهر ثابت يمكن نقله،
 وليس كمشروع تاريخي لابد من بنائه في قلب معركة تدور رحاها على أرض واقعها الخاص.

ولعل أهم ما يؤول إليه هذا الإنبناء،
 الذي يكون فيه التاريخ جزءاً من صميم بناء العقلانية وماهيتها،
أن تثبيت ما يضعه العقل في لحظة ما على أنه وضع مطلق ونهائي،
 وينبغي أن يخضع له البشر،
هو في جوهره ممارسة لا عقلانية، لأنها تستمسك بما لابد أن يتجاوزه العقل،
وتطمح إلى تثبيته كوضع نهائي ليس له أبداً ما بعد.
وإذ يبدو وكأن هذه الممارسة تنحاز لمبدأ الهيمنة على حساب قوة النفي التي تكاد تتحدد بها العقلانية الحديثة؛
 فإنها وبقدر ما تفارق حدود العقلانية،
فإنما لتضع نفسها- وبالقدر ذاته- في قلب الإيديولوجيا بما هي وعى زائف وغير مطابق لمنطق كل من العقل والواقع.
 ومن هنا ما يمكن للوعي أن يمسك به من أن ما عُرف بالعقلانية الوضعية؛
التي انطوت على التسليم بما هو قائم باعتباره واقعة نهائية لا سبيل إلى مناطحتها وإزاحتها، لم تكن في حقيقتها أكثر من قناع إيديولوجى تحارب به التيارات المحافظة، في الفكر الأوروبي، معركتها، أو- بالأحرى- معركة الرأسمالية المتوحشة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وذلك في مواجهة قوى النفي والثورة التي حافظت على وفائها لجوهر العقلانية التحررى.

فلقد أدركت الرأسمالية أن الأساس الفلسفي الذي أنجزت بفضله إنتصارها على الإقطاع، والقائم على تصور العقل كقوة تحرير ورفض،
 والواقع كصيرورة، والتاريخ كتجاوز، لابد أن يؤول إلى تقويض مسعاها إلى تثبيت نفسها كوضع نهائي لا يُقاوم ولا يقبل التخطي والتجاوز،
فراحت تتوسل بالوضعية لتهبها أساساً فلسفياً تفلت به من المصير
 الذي تراه متربصاً بها.
ومن هنا إن الوضعية قد يسَّرت، على قول ماركيوز،
 استسلام الفكر لكل ما هو موجود، ولكل ما لديه القدرة على الاستمرار في التجربة؛ حتى لقد ذكر مؤسس الوضعية صراحة أن لفظ "الوضعي" الذي كان يصف به فلسفته يتضمن تعليم الناس أن يتخذوا موقفاً إيجابياً (لا نقدياً) من الوضع السائد.
 فالفلسفة الوضعية
 تستهدف تأكيد النظام القائم ضد أولئك الذين أكدوا الحاجة إلى نفيه؛
وذلك عبر "تعليم الناس أن نظامهم الاجتماعي يندرج تحت قوانين أزلية لا يجوز لأحد أن يخالفها، وإلا كان مستحقاً للعقاب".
وتبعاً لذلك فإن ماركيوز لم يتورع عن القطع بأنها مجرد
"دفاع إيديولوجى عن مجتمع الطبقة الوسطى (المهيمن)، كما أنها تحمل بذور تبرير فلسفي للنزعة التسلطية"
وإلى حد أنه
 "يندر- على قوله- أن نجد في الماضي فلسفة (كالوضعية) تطالب بمثل هذا الإلحاح، وبمثل هذه الصراحة، بأن تُستخدم في حفظ السلطة القائمة وحماية المصالح الموجودة من كل هجوم ثوري".
 بل إن الأمر قد تجاوز مجرد ذلك إلى تحولها إلى ما يشبه اللاهوت الجامد؛
ومن هنا ما جرى المصير إليه من أن
"المذهب الوضعي هو المذهب الكاثوليكي بدون المسيحية"
 (وهنا يُشار إلى أنه قد جرى بالفعل التبشير بها كديانة جديدة).
 وإذ تفقد الوضعية، هكذا، جوهر ما يميز أي عقلانية حقة، فإنها تصبح مجرد إيديولوجيا، لا تملك من العقلانية إلا مجرد زخارفها الصورية.
 وللمفارقة فإنها قد أُجبرت، حين أخذت موقعها في عالم الإيديولوجيا،
 على أن تحمل سمات "المرحلة اللاهوتية"، التي تقول هذه الوضعية نفسها أنها قد أحالتها إلى مجرد ذكرى غابرة في تاريخ الإنسانية.

وهكذا فإن العقلاني العربي الذي يستعير،
 في دفاعه عن دولة البؤس الراهنة، تلك الوضعية، لا يفعل إلا أن يستعير مجرد إيديولوجيا، ذات سمات لاهوتية،
 استخدمتها القوى المحافظة لتغطية مواقعها (الإيديولوجية) في مواجهة الروح الحقة للعقلانية،
 وهو حتى في هذه الاستعارة يظل وفياً لماضويته الأصيلة التي جعلته يتكأ على شيء من مخلفات القرن التاسع عشر. 
والحق أن الأمر لا يقف عند حد الوفاء للماضوية،
 بل ويتجاوز إلى ما يبدو من أن استعارته لتلك العقلانية الوضعية البائسة،
 إنما يتجاوب مع حقيقة الدور "التسلطي"، وليس "التحرّري"،
 لما يُقال أنه العقلانية العربية؛ وذلك ابتداء من تحيزاتها السوسيوسياسية المضمرة.
 فإذ يرتبط الدور التحرري للعقلانية، بعقلانية تخوض معركة ضد المجتمع،
ومن أجله؛
 أعنى من أجل تحريره من قبضة الخرافة التي يجرى استعباده باسمها،
فإن العقلانية العربية لم تزل تحارب معركتها التعيسة ضد المجتمع،
 ولكن لا من أجل تحريره، بل من أجل تثبيت مواقع نخبة مهيمنة لا تقبل التخلي عن امتيازاتها السياسية والاجتماعية،
 بل وتعمل على تحصينها من خلال ما ترفعه من شعارات العقلانية المبتذلة.
وبالطبع فإنها لا يمكن أن تكون معركة العقلانية الحقة، بقدر ما هي - وبامتياز- معركة الإيديولوجيا الرثة.
والحق أن تحليلاً سوسيوسياسياً للعقلانية العربية،
إنما يكشف عن نخبويتها الضيقة من جهة، وبما يترتب على ذلك من عزلتها وهشاشتها التي كان لابد أن تتأدى بها- وكما هو حاصل بالفعل- إلى التبعية الكاملة للدولة من جهة أخرى. 
ولعل ذلك يرتبط بأن خطاب الحداثة العربي قد تبلور،
 ومنذ البدء، بوصفه خطاب دولة، لا خطاب مجتمع.

وهكذا فإنه وحتى إذا راح البعض يجادل بأن أصداء تلك الوضعية تتردد
(كعلامة على استعادتها لعافيتها)
في أجواء اللحظة الراهنة من خلال مفهوم "النهاية" التي راحت تطال كل شيء ابتداءً من التاريخ، وحتى الإنسان والعقل والمثقف والإيديولوجيا،
فإنه يبقى أن الدور الوظيفي الذي يلعبه هذا المفهوم في تثبيت دعائم إيديولوجيا الليبرالية الجديدة التي يتعرض العالم الآن للقصف- تحت أعلامها الزاهية-
من غلاة اليمين الأمريكي المحافظ، يؤول إلى أنه ليس من جديد يطال خطاب العقلاني العربي التعيس حين يثرثر عن نهاية التاريخ،
 بينما لم يبدأ التاريخ بالنسبة له بعد.
وأعنى من حيث أنه يظل، واعياً أو غير واع، متعبداً في محراب الإيديولوجيا؛
 وهو الذي لم يكف- للمفارقة- عن الثرثرة بأن عصر هذه الإيديوجيا قد انتهى إلى غير رجعة، وأنه قد عرف أخيراً فضائل العقلانية وحكمتها،
بعد أن غابت طويلاً عن عالمه؛ الذي كان يرزح تحت وطأة الطيش والرطانة والديماغوجية.
وهنا تنبثق المفارقة زاعقة من حقيقة أن من يتصورون أنفسهم يحاربون معركة العقلانية في مواجهة الإيديولوجيا التي يتحدثون عن مسؤوليتها عن تخلف بلدانهم، لا يفعلون حقاً إلا أن يُحصِّنوا مواقع الإيديولوجيا التي ينحازون إليها؛
والتي اختلفت عن سابقتها المرذولة، بأن أصبحت إيديولوجيا للسكون والرخاوة واللذة والإشباع؛
وهي الإيديولوجيا الناعمة التي تليق حقاً بنخبة تدخل طور الترف،
 المؤذن- بحسب التحليل الخلدوني البارع- بخراب العمران وانهيار الدولة.
ولسوء الحظ ..
فإن الأمر لا يقف عند حدود هذا الوجه الإيديولوجي الفاضح لتلك العقلانية العربية (وهو الوجه الذي يفضح لا علميتها، بل وحتى- للمفارقة- لا عقلانيتها)،
 بل ويتعداه إلى ما تنطوي عليه من ضروب الانحياز التي يستحيل إخفاءها والتغطية عليها.
 فإن ثمة ما يمكن اعتباره ضربٌ من الانحياز الإعلائي الذي يجرى فيه تسييد الغرب على حساب المجتمعات الوطنية التي تصبح موضوعاً لضرب من الانحياز الهجائي أو الإنحطاطي.
 فالغرب، في خطاب هذه العقلانية، هو نهاية التطور،
وذروة العقلانية والكمال؛ وبحيث يستحيل تماماً تصور أن يقوم خارجه ما هو أكمل منه أو أكثر رقياً.
 وليس من شك في أن هذا التعالي بالغرب إلى فضاء المطلق غير القابل للمجاوزة، كان لابد أن يتأدى إلى لزوم انصياع الآخرين لكل ما يفرضه،
بوصفه وضعاً نهائياً لا يقبل السؤال أو المناقشة.
 ومن هنا أن ما تنبنى عليه العقلانية العربية البائسة من التسليم بما هو قائم، يكاد هو نفسه أن ينبنى على إقرار النخبة العربية بوضع الغرب السيادي،
 وغير القابل للتحدي.
وضمن سياق هذا الانحياز للغرب،
 فإنه يبدو وكأن ثمة الانحياز داخل هذا الغرب لما يبدو وكأنها قوى الهيمنة في مواجهة قوى التغيير والثورة.
 فقد بدا أن دعاة العقلانية العرب لا يكتفون بالانحياز للعقلانية الأوروبية كنموذج جاهز لابد من التفكير به،
 بل وينحازون داخل هذه العقلانية لواحد فقط من المبدأين اللذين يحددان جوهر بنائها؛
وأعنى الانحياز لما يفرضه مبدأ الهيمنة على حساب ما يضعه مبدأ السلب.
 لكنه يلزم التنويه بأن هذا الذي ينحازون إليه من السعي إلى تثبيت وضع قائم وترسيخه، مما يفرضه مبدأ الهيمنة،
 لا يتكشَّف عندهم عن السعي إلى تثبيت وضع الهيمنة لأنفسهم، لأنهم لا يعرفون مثل هذا الوضع إلا من موقع المفعول به،
 وليس من موقع الفاعل أبداً،
 بل يكشف عن استسلامهم لوضع الخضوع والتكيّف مع العجز؛ وبما يمكن أن يعنيه ذلك من أن المنطق الذي تفكر بحسب مبادئه هذه النخبة، كان لابد أن ينتهي بها إلى الانحياز ضد مجتمعاتها في النهاية.

وبالفعل فإن تلك المجتمعات هي ، في خطاب هذه النخبة،
موضوع دائم للهجاء والتبكيت؛
وأعنى من حيث لا تظهر تلك المجتمعات في الخطاب إلا كفضاء لتوالد الوهم والطيش والخرافة واللاعقلانية وغياب المنطق.
إنها- في كلمة واحدة- مجتمعات الانفعال والهوى،
 في مقابل ما يتحلى به السادة في الغرب من المنطق والحكمة والواقعية.
ولسوء الحظ فإنهم كانوا هنا أيضاً يستعيدون من مخلفات القرن التاسع عشر،
ولكن ليس وضعيته هذه المرة،
بل مفردات القاموس الهجائي والانحطاطي التي بلورها خطاب الاستشراق ضد المجتمعات الشرقية على العموم.
 وحين يدرك المرء أن هذا القاموس الهجائي قد ارتبط بتبرير واقع الهيمنة الاستعمارية على تلك المجتمعات،
 فإن انهماك نخبة البؤس الراهنة في الثرثرة بمفردات هذا القاموس إنما يحيل إلى تحولٍ في موقفها من مجرد الانحياز إلى عقلانية الغرب،
 إلى الانخراط في مشروع تبرير هيمنته؛ وهو العمل الذي يبدو،
 من فرط حماس النخبة في أدائه، أنها لطالما انتظرته وحلمت به طويلاً.
 ولعلها أرادته لما يتيحه لها في سياق الخيبة والهزيمة الذي لا تعرف سواه
- وعبر ما يهبها من إمكانية التناهي مع الغرب الذي لا يعرف الهزائم-
 فرصة أن تتذوق يوماً طعم الانتصار،
حتى ولو كان انتصارا على مجتمعاتها بالذات.

 والملاحظ أن ثمة ما يبرر أن تكون هذه المجتمعات موضوعاً للانتقام والثأر؛
 وأعنى بسبب سعيها إلى الانفلات من قبضة هذه النخبة ودولتها التي يبدو أنها تستشعر الآن،
وأكثر من أي وقت مضى، أنها قد بلغت نهايتها حقاً،
 وآن لها أن تصبح- ومعها نخبتها الرثّة- من مخلفات ماضٍ لن يكون إلا موضوعاً لازدراء أجيال العرب الآتية، الذين يبدو أنهم لن يرثوا منهما؛
 أعنى من الدولة والنخبة، إلا محض التعاسة والخيبة.


تم النشر في موقع الأوان بتاريخ 29 مايـــــــــــــو 2009