الخميس، أبريل 18، 2013

عن القرآن والسلطان




لم تترك السياسة شيئاً إلا وتلاعبت به، وقامت بتوجيهه لخدمة ما تريد وتشتهى، إلى حد أن القرآن لم يفلت، على جلاله وتساميه، من هذا المصير.
وبالطبع، فإنه يلزم التأكيد على أن هذا التلاعب لم يتحقق - على الرغم مما يجرى تداوله من التنازع بين السنة والشيعة - من خلال التغيير والتزوير، بل من خلال ما جرى من تثبيت طرائق بعينها فى تصوره والتعامل معه. 
ومن ذلك مثلاً ما جرى من "تصوره" على النحو الذى جعله إحدى الساحات الرئيسية لإنتاج هذه الأطلقة، وكان ذلك عبر التعالى به من وجود من أجل الإنسان، إلى وجود سابق عليه، ومن تركيب تبلور فى العالم إلى كينونة ذات حضور مكتمل سابق فى المطلق. ولقد ترافق هذا التحويل، بدوره، مع تحولات مسار السياسة فى الإسلام من ممارسة "مفتوحة" إلى ممارسة "مغلقة"، وبكيفية تحول معها من القرآن الذى كان مركزه وقطبه هو "الإنسان"، إلى القرآن الذى استعمره، واحتكره "السلطان". إذ يجب تذكُّر أن التحول فى مسار السياسة من "خلافة الشورى" (مع أبى بكر) إلى "المُلّك العضود" (مع معاوية) قد تلازم مع الانتقال من القرآن الذى "لا ينطق بلسان، وإنما ينطق عنه الإنسان" - بحسب قول الإمام "عليّ بن أبى طالب" الذى لا يعنى إلا أن الإنسان يدخل فى تركيب القرآن - إلى القرآن أمسك به السلطان، وراح يتصوره ناطقا بدلالة مطلقة، مُقرنا له بالسيف، ليحسم به معركة السياسة. 
والحق أن نظرة على الطريقة التى جرى التعامل بها مع لغة القرآن، لتكشف عن التحولات فى مسار الصراع السياسي. فإذ يورد السجستانى، فى كتاب المصاحف، أنه "لما أراد عمر أن يكتب (المصحف) الإمام أقعد له نفرا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم فى اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن قد نزل على رجلٍ من مضر"، فإن الأمر قد اختلف مع عثمان الذى يُروى عنه أنه قال: "إذا اختلفتم فى عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلغة قريش، فإن القرآن أُنزل بلسانهم". وللغرابة، فإن هذا التحول من "لغة مضر" إلى "لغة قريش" قد ترافق مع ما كان يتنامى فى ساحة السياسة - وعبر عن نفسه صريحا مع عثمان - من اعتبارها (أى السياسة) شأنا قرشيا خالصا، بعد أن كانت قبله ساحة مفتوحة يشاركها فيها غيرها. ولعل دليلا على هذا التحول - فى السياسة - يأتى مما أورده الطبري، فى تاريخه، عن المنازعة التى جرت وقائعها حين اجتمع "عبدالرحمن بن عوف" إلى من "حضره من المهاجرين وذوى الفضل والسابقة من الأنصار، وأمراء الأجناد" ليختاروا الخليفة من أهل الشورى الذين عينهم "عمر" قبل موته. فقد "قال له عمار (بن ياسر): إن أردت ألا يختلف المسلمون، فبايع عليَّا، فقال المقداد: صدق عمار، إن بايعت عليَّا قلنا: سمعنا وأطعنا. وقال (عبدالله) بن أبى سرح: إن أردت ألا تختلف قريش، فبايع عثمان، فقال عبدالله بن أبى ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم عمار بن أبى سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟. فقال رجلٌ من بنى مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية (يعنى عمار)، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها". ولعل كون الرجلين المتنازع عليهما (عليّ وعثمان) من قريش، هو ما يجعل القصد من عبارة الرجل المخزومى لابد أن يتجاوز ما يمكن فهمه منها من وجوب "قرشية" من فى الحكم، إلى أن الأمر يتعلق باستبعاد كل من سوى القرشيين من حق المشاركة فى تعيين الحاكم ونصبه، وبحيث تصبح السياسة احتكارا قرشيا خالصا لا شأن لغيرهم به. 
إن ذلك يعني، وبلا أدنى مواربة، جواز القول بأن الانتقال من "لغة المسلمين"، على تعدد قبائلهم، إلى "لغة قريش" وحدها، إنما يعكس تحولا كان يجرى فى مسار السياسة من كونها شأنا عاما يخص "المسلمين" جميعا، إلى كونها شأنا يخص "قريش" وحدها، أو يخص - حتى - مجرد بيت من بيوتها بحسب ما سيجرى لاحقا، مع بنى أمية وبنى العباس. لكنه، وبالرغم من هذا التضييق النازل من "لغة القبائل" إلى "لغة قريش"، فإنه يبقى أنها تظل - فى الحالين - من قبيل اللغة ذات الأصل الإنساني. وبالطبع فإن هذا التحول من "لغة الإنسان" إلى "كلام الله"، إنما يعنى بلوغ صيرورة "الأطلقة" - التى كانت تعنى تسييد المطلق "إلها" فى المجرد، و"حاكماً" فى المتعيِّن - إلى تمام الذروة والاكتمال. وهكذا، فإن ما يفسر ما حصل من التعالى بالقرآن (لغة وتاريخا وماهية) من الأرض إلى السماء، هو ما جرى من صعود المسلمين (سنة وشيعة) بخلافات السياسة من الأرض إلى السماء. ولعل ما يدعم هذا التوازى بين التعالى بالقرآن والتعالى بالسياسة، هو ما يبدو من أن التعالى بالقرآن كان قد ترافق مع سعى البعض، من الحكام المتأخرين على حقبة الخلافة بالذات، إلى التعالى بسلطتهم إلى مقام ينفلتون فيه من أى حساب أو مساءلة. وهنا، فإنه لم يكن ثمة ما هو أنسب من أن يخفى "الحاكم" نفسه وراء "القرآن"، الذى كان لابد - لذلك - من رفعه إلى السماء، لكى يكتسب، بدوره، (أعنى الحاكم) رفعة الكائن السماوي. ولعل هذه العملية من التقنُّع بالقرآن، هى التى ستقف وراء تبلور المأثور القائل: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". لكنه يبقى وجوب التأكيد على حقيقة أنه إذا كان السلطان قد كسب، بهذا التعالي، إطلاق سلطته، فإن ما ألحقه هذا التعالى بالقرآن من الضرر كان كبيرا، وذلك من حيث ما تآدى إليه من إطفاء أنواره، وإهدار خصوبته، بسبب ما فرضه عليه من إسكات صوته، وتجميد دلالته. ومن هنا وجوب السعى إلى تحرير "القرآن" من قبضة "السلطان". 

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 18 / أبريل / 2013


الخميس، أبريل 04، 2013

عن السلطوية والعقل القاصر




يحتاج المصريون - والعرب على العموم - إلى الوعى بأن السعى إلى تفكيك السلطوية الغليظة والملموسة (سياسياً واجتماعياً) التى تفيض بها عوالم العرب، عبر مجرد التعويل على نقد الأوضاع السياسية والاجتماعية القائمة والدعوة إلى إحلال منظومة سياسية بديلة محلها - قد بلغ نهايته. 
وأنه يلزم تطوير طريقة أخرى ترتكز على وجوب تفكيك المبدأ المعرفى الجواني الذى يؤسس للحضور الطاغى لتلك السلطوية فى الأبنية العميقة للوعي، أو حتى فى تلك الأبنية التى تضرب بجذورها الغائرة فى ما دون الوعي، وهى الأهم. وأعنى فى كلمة واحدة، أنه لابد من تجاوز مجرد النقد الراهن - على أهميته - للسلطوية التى تمارس حضورها الفظ على المستويين الاجتماعى والسياسي، إلى تفكيك ما يؤسس لحضورها من التصور المستقر فى الخطاب للعقل، على النحو الذى يجعله فى حالٍ من القصور والاحتياج. 
وإذا كان الوضع الذى ساد فى عالم الإسلام لترتيب العلاقة بين العقل والنقل، وأعنى بالكيفية التى ظل معها العقل تابعاً لسلطة النقل على نحو شبه كامل، هو ما يؤسس لهذا التصور الغالب عن قصور العقل واحتياجه، فإن أصل هذا الوضع لا يرتد - على عكس ما يتبادر سريعاً للذهن - إلى الإسلام نفسه، بل إنه يجد ما يؤسسه كاملاً فى قلب الثقافة السابقة عليه، والتى يبدو - وللمفارقة - أن الإسلام قد قصد إلى زحزحة وإزاحة نظامها الكلي، على الرغم من إدماجه لبعض عناصرها الجزئية فى صميم بنائه. فإنه إذا كان التحليل يكشف عن أن من قاموا على صياغة التيار الغالب فى ثقافة الإسلام (الذين يتناسلون فى سلالة ممتدة من علماء الأصول الكبار من مثل الشافعى وابن حنبل والأشعرى والباقلانى والجوينى والغزالى وابن تيمية وغيرهم) قد كرسوا تبعية - تتفاوت حدودها - من العقل للنقل، فإنه يبدو - وللغرابة - أن الترتيب الذى كرسه هؤلاء المؤسسون الكبار للعلاقة بين العقل والنقل، يمثل انحرافاً عن ترتيب العلاقة بينهما الذى ينبنى عليه فعل الوحى ذاته، وهو الفعل المؤسس للإسلام كدين. 
فالحق أن تحليلاً للمنطق الذى ينتظم فعل الوحى فى التاريخ يكشف عن أن الإنسان (عقلاً وواقعاً) يدخل فى تركيب ظاهرة الوحي، وعلى النحو الذى يكاد معه الوضع الإنسانى أن يصبح الشرط الحاكم لمنطق تلك الظاهرة الكامن، وإلى حد استحالة فهمها بمعزل عن هذا الوضع الإنسانى الحاكم. فإن تباين أشكال الوحى وتعدد صوره لا يمكن أن يجد تفسيره فى الإلهي الذى هو أصله ومصدره، بل فى الإنسانى الذى هو قصده وجوهره. ويرتبط ذلك بأن رد هذا التباين إلى المصدر الإلهى يؤدى إلى وجوب افتراضه محلاً للتغيُّر والتبدُّل، ولهذا فإنه لا يبقى إلا الارتداد به إلى السياق الإنساني، وعلى نحو يبدو معه أن مفارقة وتعالى المصدر الإلهى لفعل الوحى لم تحل دون تحدِّد هذا الفعل بالسياق الذى ينبثق داخله. فالوحى يتغير ويتبدَّل، إذن، لا لأن الله يتغير أو تبدو له البداوات بحسب ما اشتبه على البعض ممن قالوا بالبداء، بل هو يتغيَّر لأن واقع وعقل الإنسان (الذى هو مقصود الوحي) يكونان موضوعاً للتغيُّر والتبدُّل. وإذ يحيل ذلك إلى أن التحوّل فى ظاهرة الوحى من لحظة إلى أخرى يكون، هو نفسه، تابعاً للتحوّل فى بناء كل من العقل والواقع، فإن ما سيجرى لاحقاً من تصوّر العقل تابعاً للنقل يقوض هذا المنطق الذى تقوم عليه ظاهرة الوحي، وهو المنطق الذى يؤول تقويضه إلى افتراض ذات الله موضوعاً للتغيُّر والتبدُّل. 
يتبدى الوحي، إذن، لا بوصفه من قبيل المعرفة المعطاة المفروضة على الوعى كسلطة لا سبيل أمامه إلا لمحض الإذعان والخضوع لها، بقدر ما يمثل نوعاً من الاستجابة الخلاَّقة المطلوبة لوضع إنسانى مأزوم لا يقدر الوعي، الذى هو بنية تطورية فى جوهرها، على التعاطى معه فى مرحلة دنيا من مراحل تطوره. وهكذا فإن الوحى يتبلور كسند ومعين للوعي، ونقطة ارتكاز يستند إليها فى سعيه إلى تجاوز أزمة واقعه، ولا يتبلور أبداً كضد ونقيض يفرض نفسه كسلطة متعالية لا يملك الوعى إلا محض التبعية لها. 
ولسوء الحظ، فإن هذا الترتيب المستقر للعلاقة بين العقل والنقل فى الإسلام، والذى بدا أنه يجد ما يؤسسه فى الثقافة السابقة عليه، قد لعب دوراً بالغ المركزية فى تحديد نظام العلاقة الذى استقر، بدوره، فى الخطاب العربى الحديث بين الحداثة (التى راح يجرى اختزالها فى بضع تواليف إيديولوجية جاهزة معطاة، وبما يعنيه ذلك من اكتسابها كل سمات التنزيل - المنقول المفروض من أعلى) وبين كل من العقل والواقع، وعلى النحو الذى لم يكن فيه لهذين الأخيرين إلا أن يخضعان تماماً كتابعين لسلطة المعطى الإيديولوجى الجاهز (وبما يدنيهما من مكانة العقل التابع فى الخطاب التراثى للنقل المتبوع). 
وبالطبع فإن أى سعى إلى وضع مغاير لتلك العلاقة على نحو يؤدى إلى مقاربة منتجة للحداثة، يستلزم تفكيك الترتيب المستقر للعلاقة المؤسسة لها أولاً، وأعنى به ترتيب العلاقة بين العقل والنقل الذى استقر فى الإسلام، والذى يجد ما يؤسسه بدوره فى الأغوار البعيدة للثقافة الأسبق. وهكذا فإن ما يكاد يكشفه النظر، ليس فقط فى شتى مناحى الممارسة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العربية الراهنة، بل وكذا فى نظام الخطاب النظري - المعرفى الذى يقف وراءها، من الحضور الصريح لما ينتمى إلى ثقافة البداوة السابقة على الإسلام - حيث تبقى الآبوية والذكورية والعشائرية والطائفية هى أهم محددات الحياة الاجتماعية والسياسية، بينما تظل الطبيعة الريعية الخراجية هى السمة المحددة لبنية الاقتصاديات العربية، فيما تظل الامتثالية والاتباعية هى أحد أهم محددات النظام المعرفى العربي - ليقطع بحقيقة أن كل ما شهده العالم العربى من مظاهر للتحديث هنا وهناك، لا تجاوز كونها محض أقنعة لا تقدر على إخفاء ما يقوم وراءها من بداوة عاتية تأبى - رغم كل ما يثرثر به البعض - إلا أن تعلن حضورها الزاعق للكافة. وهنا تحديداً يكمن التحدى الذى يجابه موجة الثورة الراهنة التى تستهدف الدخول بالعرب إلى عصر الحداثة الحقة.

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 4 / أبريــل / 2013


الخميس، مارس 21، 2013

عن الاستبداد والدين




فى كتابه الرائد المبكر عن «طبائع الاستبداد» اختص الكواكبى العلاقة بين الاستبداد والدين بتحليل خَلُصَ فيه إلى تبرئة الإسلام، فى أصوله الأولي، من وصمة الاستبداد التى شاع إلصاقها به فى التقليد الاستشراقي. 
بل إنه سرعان ما انتقل إلى تأكيد أن ما عرفه الإسلام فى تاريخه من الاستبداد إنما هو «مما اقتبسه وأخذه المسلمون عن غيرهم، وليس هو من دينهم». ويحدد الرجل هذا «الغير» - الذين أخذ عنهم المسلمون ما عرفوه من الاستبداد - بأنهم «الأوروبيون فى عصورهم الوسطي»، والذين هم أسلاف صاحب خطاب الاستشراق الذى ينكأ جرح المسلم بخطابه المعادي. ولقد كان ذلك هو نفس ما فعله الأستاذ الإمام محمد عبده، حين راح يرد عن الإسلام تهمة مخاصمة العلم التى ألصقها به هانوتو، ولينتهى بعد ذلك إلى الثأر من هانوتو عبر إلصاق تهمة مخاصمة العلم إلى النصرانية التى ينتمى إليها خصمه الفرنسي. 
والحق أن الأمر عند الرجلين (الكواكبى وعبده) لا يتعدى حدود كونه رغبة وعى جريح فى تضميد جرحه عبر الثأر من المستشرق، ولو من خلال التعريض بأسلافه الأقدمين. فقد بدا للوعى المسلم أنه لا سبيل إلى مجابهة الحاضر الذى يختصه بالتأخر، بينما يخص الأوروبى بالتقدم والازدهار، إلا باستدعاء الماضى الذى كان الازدهار فيه للمسلمين، بينما كان التأخر من نصيب الأوروببين. وضمن هذا الاستدعاء فإنه يجعل حاضره المتأخر هو مجرد صورة من ماضى الأوروبي، بينما يجعل الحاضر الزاهى للأوروبى هو صورة من ماضيه كمسلم. وهو إذ يرد تأخره إلى أوروبا، بينما يرد ازدهار «الأوروبي» إلى الإسلام، فإنه يستريح ويبرأ من جرحه المهين. 
وبهذه التبرئة للإسلام فإن الكواكبى يضع نفسه ضمن أفراد الطابور الطويل من مفكرى لحظته، الذين يأتى على رأسهم الأستاذ الإمام محمد عبده، والذين تبنَّوا - فى مواجهتهم لخطاب الاستشراق المتحدى - خطاباً اعتذارياً ينبنيء على التمييز بين إسلام؟ يبقى بريئاً من أى نقص من جهة، وبين مسلمين يمثلون النقيض المتدهور المنحط لهذا المثال الكامل النقى من جهة أخري. إنها الأطروحة التى تجد تعبيرها الأمثل فيما مضى إليه الأستاذ الإمام - بعد تعرُّفه على أوروبا - من أنه قد وجد فيها إسلاماً من غير مسلمين، وذلك فى مقابل ما تزخر به ديار الإسلام من مسلمين بغير إسلام. وبالطبع فإنها ذات الأطروحة التى تلح على قراءة الأزمة فى ابتعاد الناس عن الإسلام، والتى يركز عليها دعاة هذه الأيام التليفزيونيون خطابهم. 
وبالرغم من هذا الاتفاق بين إصلاحيى القرن التاسع عشر ودعاة هذه الأيام التليفزيونيين، فى قراءة أزمة التأخر العربى بعامل الابتعاد عن الإسلام، فإنه يبقى أن قراءة كلٍ منهما لتلك الظاهرة تختلف عن قراءة الآخر لها على نحو كامل. وللمفارقة فإن القراءة الإصلاحية، القادمة من القرن التاسع عشر، لهذه الظاهرة، كانت أكثر وعياً واستنارة من القراءة الراهنة التى يقدمها دعاة هذه الأيام لها. إذ فيما يلح دعاة هذه الأيام على تفسير ابتعاد الناس عن الإسلام بالميل المتأصل فى نفوسهم إلى الهوي، وعلى النحو الذى يترتب عليه ضرورة زجرهم وقمعهم، فإن «رجل الإصلاح» قد ألح، فى المقابل، على مسئولية الاستبداد الكبرى فى إبعاد الناس عن جوهر الإسلام. ومن هنا فإن رجل الإصلاح لم يكن أكثر فهماً فقط، بل وكان أكثر جرأة وشجاعة من شيوخ هذه الأيام البؤساء، الذين لا يفعل الواحد منهم - للأسف - إلا أن يكون مُعيناً للمستبد فى السيطرة على المحكومين. 
قد مضى «رجل الإصلاح» يفضح الطريقة التى يسطو من خلالها المستبد على الدين ويحيله إلى مطية لطغيانه واستبداده، سواء كان ذلك من خلال اتخاذه لنفسه «صفة قدسية يتشارك بها مع الله، أو تعطيه مقاماً ذا علاقة مع الله، أو يتخذ بطانة من أهل الدين المستبدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله». وبالطبع فإن هذا الامتطاء للدين، من جانب المستبد، هو ما يجعل منه مجرد زخارف ورسوم شكلية خارجية، وبحيث يتحول إلى ما يشبه الدواء المهدئ الذى تتعاطاه جماهير يائسة محبطة، لتتعزى به عما تعانيه من الاستبداد والقهر، ويفقد دوره الجوهرى فى تنوير الإنسان وتحريره بالأساس، وبما يعنيه ذلك من تأكيد دور المستبد فى تفريغ الدين من مضمونه وتحويله إلى مجرد شكل فارغ. 
وبالطبع فإن ذلك يرتبط بحقيقة أنه إذا كانت الصورية والشكلانية تعنى أن العلاقة بين الإنسان وغيره، هى علاقة ارتباط خارجى محض، ولا مجال فيها لأى أبعاد باطنية، وبما يعنيه ذلك من أن «خارجية» الروابط هى أساس الشكلانية وأصلها، فإن تلك «الخارجية» - كخصيصة جوهرية للارتباط بين الظواهر والأشياء - إنما تجد ما يؤسسها فى بنية الاستبداد ونظامه. إذ يعنى الاستبداد أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تقوم، فى جوهرها، على خضوع المحكوم وإذعانه لسلطة تفرض نفسها بالقهر والاعتساف، وبما يستتبع ذلك من أنها تقوم على محض الإكراه والقسر الخارجي، وليس الرضا والقبول الباطني. وهكذا فإن ما أهم ما يترتب على الاستبداد أنه ينطوى على ترسيخ نمطٍ من العلاقة يقوم على الإكراه والزجر الخارجي، وليس القبول الرضائى الباطني. وبالطبع فإن هذا الضرب من الارتباط الخارجى يستحيل إلى خصيصة لازمة لكل أشكال العلاقات التى تقوم، بين البشر، فى ظل حكم الاستبداد، سواء علاقتهم مع الله أو بينهم وبين أقرانهم. فالدين يستحيل إلى محض طقس شكلى ينبنى على علاقة خارجية محضة بين العابد والمعبود، وتتحول الأخلاق، بدورها، إلى مجرد إلزامات وقيود خارجية، لا يلبث المرء أن يتهرب من تبعاتها الثقيلة حين تواتيه الفرصة. وتصبح السياسة مجرد وثائق فارغة، وجملة ممارسات إجرائية شكلية تقوم عليها مؤسسات ومجالس صورية، وحتى العلم يتحول إلى محض تقنيات وعمليات سطحية يمارسها البعض على نحو يدنو بها من الممارسة السحرية، وبما يفسر استمرار سيادة عقل التقليد والخرافة. 
وإذ الاستبداد يؤول، هكذا، إلى تبديد المحتوى الروحى والأخلاقى للدين، فإنه لن يكون غريباً أن يجد هذا الاستبداد فى الدين الصورى الشكلى ما يدعمه ويطيل أمد بقائه، وأعنى من حيث يكون مصدر عزاء، لا استنارة، للمحكومين. وبالطبع فإن ذلك يعنى أن التديَّن الشكلى هو قرين الاستبداد فى تفسير التأخر العربي، وبما يؤكد بؤس خطاب دعاة هذه الأيام الذى يرد التأخر إلى ابتعاد الناس عن الدين، وأعنى من حيث لا يجاوز الدين، عندهم، حدود الأشكال والرسوم. 
ويبقى لزوم التأكيد على الأخطر، وهو أن الاستبداد يأبى إلا أن يترك بصمته على البنية الباطنية للدين، وأعنى من حيث يفتح الباب أمام اتجاهات بعينها لاحتلاله من الداخل، وتقديم رؤاها على أنها، وحدها، هى التعبير المطابق له، وبحيث تجعل من الاختلاف معها، اختلافًا مع الدين ذاته، وبما يجعل منه - فى النهاية - واجهة للاستبداد، وغطاء له. ولسوء الحظ، فإن ذلك هو بعض ما يصطخب به المشهد المصرى الراهن. 

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 21 / مــــارس / 2013

الخميس، مارس 07، 2013

الخطر على الديمقراطية




لعل أخطر ما يجابه أى تجربة فى التحول الديمقراطى هو التعامل مع الأفكار - بصرف النظر عن نوعها ومصدرها - كمطلق ينبغى تكراره، وأعنى من حيث ما تنطوى عليه الإطلاقية، عموماً، من الإهدار الكامل للفكرة الإنسانية.
وإذا كانت الفكرة الدينية هى الأكثر إغراء بالتعامل معها كمطلق، فإن تحليلاً لظاهرة الدين والوحى، على العموم، ينتهى إلى وجوب الوعى بدخول العنصر البشرى، على نحو حاسم، فى التركيب المنطقى واللغوى والتاريخى لتلك الظاهرة؛ وعلى النحو الذى يستحيل معه استيعابها خارج تحديدات الشرط الإنسانى أبداً. فإذ يبدو لزوم أن يكون الشرط الإنسانى هو الأساس المنطقى للانتقال من لحظة إلى أخرى فى تركيب ظاهرة الوحى (حتى لا يُصار إلى رد هذا الانتقال إلى تغيرات تطرأ على الذات الإلهية كمصدرٍ للوحى)، فإن تنزيل الوحى داخل لغة ما (واللغة ليست محض وسيط اتصال محايد، بل نظام تفكير كامن خلف الألفاظ والعلاقات التى تقوم بينها)، إنما ينطوى على تحددِّ الوحى بهذا النظام الكامن. ومن جهة أخرى، فإن كون الوحى يكون حواراً مع واقع المُخاطبين به، إنما يكشف عن تحددِّه بما يمثل تاريخهم الحى. وبالطبع فإن ذلك يعنى أن الوحى لا يفرض نفسه كبنية مغلقة ومطلقة تعلو على البشر (تفكيراً وتاريخاً)، بل كتركيب يقوم على الحوار المفتوح مع تاريخهم ونظام تفكيرهم. وهكذا، فإن الوحى الذى يتخفى الكثيرون وراءه من أجل تثبيت رؤاهم الخاصة كمطلقات لا تقبل التجاوز، يبين - هو نفسه - عن روحٍ تخاصم «الأطلقة» وتأباها. وللمفارقة، فإن ذلك يعنى - بوضوحٍ وصراحة - أن الوحى ليس هو الأصل المنتج للأطلقة (كآلية تفكير تسود فضاء التفكير العربى من دون تمييزٍ بين تراثى وحداثي)، بقدر ما هو أحد أكبر ضحاياها.
لابد، إذن، من التمييز بين «المطلق الإلهى» الذى إنفتح بوحيه على البشر (تفكيراً وتاريخاً)، وبين «الأطلقة» كآلية يسعى بها البعض إلى وضع ما يدخل البشر فى تركيبه، خارج مجال التفكير والتاريخ. وللغرابة، فإن ذلك ما أدركه الجيل الأول من مُتلقى الوحى المحمدى (الصحابة)، الذين تكشف تجربتهم عن روحٍ تخاصم «الأطلقة»، وعن إدراكٍ للوحى كساحة للحوار المفتوح الذى لا يتقيَّد إلا بدواعى المصلحة، كما تبدَّت لهم حينها. وهكذا فإنهم لم يضعوا الوحى كأصل أوليٍّ مطلق، لا مجال إلا لإكراه الواقع على النزول تحت تحديداته والانصياع لتعليماته، بل تحاوروا معه بما كشف عن وعيهم بوجوب إنصات الوحى ذاته لصوت الواقع.
يقول إمام أهل السنة الكبير أبوالمعالى الجوينى: «إن سُبِرَ (أى جرى فحص) أحوال الصحابة رضى الله عنهم، وهم القدوة والأسوة فى النظر، لم يُرَ لواحدٍ منهم فى مجالس الاستشوار (أى المشاورة) تمهيد أصل أو استثارة معني، ثم بناء الواقعة عليه (كما فعل اللاحقون عليهم)، ولكنهم يخوضون فى وجوه الرأى من غير التفاتٍ إلى الأصول كانت أو لم تكن. فإن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما كانوا يجرون على مراسم الجدليين فى تعيين أصلٍ والاعتناء بالاستنباط منه، إنما كانوا يرسلون الأحكام، ويعلقونها فى مجالس الاستشوار (المشاورة) بالمصالح الكلية». ينكشف هذا النص النادر والثمين عن طريقة منفتحة فى مقاربة الوحى تقوم على «الخوض فى وجوه الرأي، وإرسال الأحكام وتعليقها على المصالح الكلية، من دون تمهيد أصلٍ يُبنى عليه كنموذجٍ مطلق»، وذلك فى مقابل ما مارسته الأجيال اللاحقة على هذا الجيل الأول من مُتلقى الوحى (وممن يُقال أنهم السلف بالذات)، من «تمهيد الأصول، وعدم الالتفات إلى الرأي». وضمن سياق هذا التمهيد للأصول فإنهم قد مارسوا ضروباً من «الأطلقة»، ليس للوحى فحسب، بل وحتى لتجربة الصحابة المنفتحة ذاتها، والتى استحالت- تبعاً لذلك- من تجربة لها تاريخ إلى أصل مطلق يقف خارج أى تاريخ. ولقد تحققت هذه الإحالة لتلك التجربة من «تاريخ» إلى «أصل مطلق» عبر عزلها عن السياق الذى تبلورت داخله؛ وبما آل إلى تبديد روحها بالكلية، حيث استحالت إلى محض ركامٍ من الشواهد والأصول النصية المبعثرة، والتى كان لابد أن تفقد مع هذا التجريد والتبعثُّر مغزاها ودلالتها الأعمق. وإذ تتحول التجربة إلى «أصل» فإنها تثقل على كل التاريخ اللاحق، وذلك من حيث تغدو موضوعاً للامتثال والتكرار، بدل أن تكون ساحة للتمثُّل والحوار. وإذن، فإن «الأطلقة» - وليس سواها - هى ما يحيل تجارب البشر من «تاريخ حي» إلى «نصٍ أو أصلٍ جامد» يقف خارجه؛ على النحو الذى يكون معه أشبه بالشاهد المصمت المُعلق على قبر صاحبه، والذى لا يعرف الخَلَف اللاحق إلا التعبُّد فى ظلاله. وتلك هى جوهر الممارسة السلفية؛ على أن يكون معلوماً أن هذه الممارسة لا تقف عند حدود من يُقال أنهم سلفيو هذا الزمان، بل تتجاوزهم إلى من يُقال أنهم حداثيوه أيضاً. و سواء مورست هذه «الأطلقة»، تحت يافطة الدين أو العلمانية، فإنها تمثل خطراً داهماً على الدولة.
ولقد كانت السياسة هى أحد مجالات التحوُّل بتجربة الصحابة من «تاريخٍ» إلى «نصٍ» أو أصلٍ يقف خارجه. فإذ لم يتوافَّر للجيل الأول من المسلمين، ما يمكن أن يكون «نصاً» أو أصلاً يفكرون به فى السياسة؛ نتيجة لعدم توافر عرب ما قبل الإسلام على تراثٍ مؤثر فى ممارسة السياسة والتفكير فيها من جهة، وبسبب سكوت الوحى عن تعيين طرائق محددة لممارستها والتفكير فيها، من جهة أخري، فإنه لم يكن أمام هذا الجيل إلا أن تكون له «تجربته» الخاصة فى السياسة. ولقد كانت «تجربة» تتسم بالانفتاح والحرية، من حيث تعليق الأحكام على المصالح، واعتبار شروط ومحددات الواقع، وعدم التقيُّد بأصلٍ أو نصٍ يحكمون به الواقعات والنوازل السياسية. ومن هنا، مثلاً، أن هذه التجربة لم تعرف وصفاً منضبطاً منذ البدء للقائم بأمر السلطة (فهو «الخليفة» أو «أمير المؤمنين»)، كما لم تعرف طريقة واحدة فى تعيين هذا القائم بالسلطة (حيث اختلفت طريقة تعيين الخلفاء من الأول إلى الرابع)، كما لم تعرف ضوابط محددة لممارسة السلطة وحدود العلاقة بين الحاكم والمحكوم (وبما ترتب على ذلك من المشكلات التى انفجرت فى وجه الخليفتين الثالث والرابع، وأودت بهما إلى مصائرهما الدامية). ولكن الغريب حقاً، أن هذه التجربة الحية المتوترة سوف تتحول - مع الاشتغال عليها بمنطق الأطلقة؛ وذلك عبر تفتيتها إلى مفردات مبعثرة ومعزولة عن السياقات الحاكمة لها - إلى نموذجٍ جرى التعالى به إلى مقام «الأصل» المطلق الذى يلزم إعادته وتكراره. وغنيٌّ عن البيان أن ذلك قد آل إلى إفقار التجربة، بعد أن أفقدها عناصر الانفتاح والحيوية، وأحالها إلى محض شاهدٍ مُصمت يُراد من كل واقعٍ لاحق أن يكون مجرد ظلٍ له.
ولسوء الحظ، فإن محض نظرة عابرة على ما تطرحه فيالق الإسلام السياسى التى تتصدر المشهد فى عالم ما بعد الثورات العربية، إنما تكشف عن الهيمنة الكاسحة لهذه «الأطلقة» على قراءتها للإسلام (نصاً وتاريخاً)، وهو ما يمثل الخطر المحدق على ممكنات الديمقراطية. 

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 7 / مــــــارس / 2013


الأحد، فبراير 24، 2013

د. علي مبروك وهل الديموقراطية ممكنة بدون تنوير



د. علي مبروك وهل الديموقراطية ممكنة بدون تنوير

حركة مصر مدنية 
24 / فبرايــــــــــــــر / 2013 

حلقة نقاشية مع د. علي مبروك 

المجموعة 
أ. محمد حربي 
أ. عمرو شوقي 
أ. علي قورة 
أ. شمياء محمود



الخميس، فبراير 21، 2013

ركائز الحكم الرشيد




تدرك السياسة‏,‏ وخصوصا حين تكون قامعة مستبدة‏
, أن العقل المنفتح غير المقيد هو أخطر ما يتهددها;
وذلك من حيث يؤشر علي أن نقيضها من الحكم الرشيد هو المؤدي- وليس سواه- إلي تحقيق صالح المجموع, ومن هنا ما تسعي إليه, علي الدوام, من إزاحته وإبعاده.

وإذ تدرك استحالة إنجاز هذا الإنجاز بما تمتلك من وسائل الترويع والبطش, فإنها تتوسل بالدين والشرع لتضعهما في مواجهة معه, وللغرابة, فإن ذلك لا ينتهي إلي إسكات صوت العقل فحسب, بل إلي تهديد منظومتي الدين والشرع علي نحو كامل, ولسوء الحظ, فإن تراث الإسلام( السني والشيعي) يفيض بما يؤكد التاريخ الطويل لهذه الممارسة التي تسعي فيها السياسة لإزاحة العقل باستخدام سلاح الشرع, ولعل من قبيل المفارقة, أن ثورات العرب الأخيرة تكاد تنعش هذه الممارسة التي كان الظن أن تهافتها لم يعد موضع شك, بعد أن فضح الإمام محمد عبده عوارها وفسادها قبل أكثر من قرن.

بالطبع فإن السياسة لا تكف عن الإيهام بأن هذا الإقصاء للعقل لا يكون مقصودا به تحصين ذاتها, بقدر ما هو أحد مطالب ومقتضيات الشرع, وهكذا فإنها تراوغ بالمبالغة في الإخفاء التام لنفسها من المشهد; وبحيث تحقق هذا الإقصاء للعقل فوق ساحات بعيدة عن ساحته, لكنه وبالرغم من حقيقة أن الساحات التي يجري فوقها تأسيس الخطاب الإقصائي للعقل في تراث الإسلام لا تتصل- بالفعل- اتصالا مباشرا بالسياسة, بل تتصل بالعلوم الشرعية والدينية; فإن ما يظهر من أن هذا الإقصاء للعقل يؤدي إلي اختلال نظامي الدين والشرع ذاتهما, إنما يقطع بأن المقصود به هو تحصين السياسة, وليس الدين والشرع, بحسب ما يجري الإيهام, وهكذا فإن الأمر لا يتجاوز حدود أن السياسة تتخفي وتترك للآخرين أن يحسموا معاركها فوق ساحات الاشتغال بالمقدس لكي تغطي علي بؤس قصدها المدنس.

من هنا فإنه إذا كان خطاب الإقصاء للعقل, باسم الشرع, قد راح يؤسس نفسه داخل علم أصول الفقه, فإنه يبقي إمكان بيان عوار هذا الخطاب من داخل هذا العلم نفسه, فقد مضي حجة الإسلام الغزالي- في كتابه المستصفي في علم الأصول- إلي أن الدور الرئيسي للعقل هو إثبات الشرع, ثم يقوم بعد ذلك بعزل نفسه والاكتفاء بالتلقي عنه, لأن الشرع بعد إثباته هو ما يحدد للإنسان الحسن والقبح في الأفعال; وبكيفية لا يكون معها في احتياج إلي غيره, كالعقل مثلا, وإذ يؤسس الغزالي حجته في عزل العقل علي أنه يضع قيما متباينة ومتغيرة للأفعال, فإن ذلك يعني أنه يتصور أن دلالة الحسن والقبح التي يسبغها الشرع علي الأفعال تكون نهائية ومطلقة; وبمعني أن ما قضي الشرع بحسنه مثلا, يظل حسنا علي الدوام, ومن دون أي تعلق بالوقت والبيئة والحال.

ومن حسن الحظ, أنه يستحيل, من داخل علم الأصول نفسه, قبول ما يقرره الغزالي من دوام دلالة الأحكام الشرعية وثباتها; وأعني من حيث يدخل الوقت في جوهر تركيبها, ومن هنا ما احتج به الرازي في مواجهة منكري النسخ- الذي لا يكون إلا في الأحكام دون سواها من الأخبار وغيرها- من أنه إن قيل:
لو كان الثاني(الحكم الناسخ) أصلح من الأول( الحكم المنسوخ), لكان الأول ناقص الصلاح, فكيف أمر الله به؟
قلنا: الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلي الوقت الأول, والثاني بالعكس, وإذ يربط الرازي صلاح الحكم الشرعي بوقته, فإنه يقرر استحالة أن تكون دلالته نهائية ومطلقة, بل إنه يدور ويتحول مع الوقت, والملاحظ أن الرازي لم يربط هذا الدوران للحكم وتحوله مع الوقت بما يترتب علي ذلك من مصلحة للعباد, بل بما يئول إليه من رفع شبهة أن يحكم الله بما هو ناقص;
 وبما يعنيه ذلك من أن رفع الشبهة عن الله يرتبط بتقرير ما فيه صلاح الناس.
فضلا عن ذلك, فإنه يبدو أن نسبة الثبات والدوام إلي الأحكام يتعارض مع ما استقرت عليه التجربة الفقهية, حتي مع الجيل الأول من المسلمين; حيث بدا أن ثمة أحكاما ثابتة بالشرع, وبما يترتب علي ذلك من وجوب تقرير حسنها, ومع ذلك فإنه قد جري تعطيل العمل بها بعد بعض الوقت, وعلي النحو الذي يحيل إلي أنها قد توقفت عن أن تكون حسنة, وكمثال علي ذلك, فإن الشرع قد قرر نصيبا للمؤلفة قلوبهم في الصدقات, وقد أورد القرطبي عن أبي جعفر النحاس قوله إن هذا الحكم فيهم ثابت; ولذلك فإن الأمر( الحكم) ماض أبدا, لأن الآية محكمة, لا نعلم لها ناسخا من كتاب ولا سنة,
 وبالرغم من هذا الثبات المقرر للحكم, فإن القاضي ابن العربي قد مضي إلي أن الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا, وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم, كما كان رسول الله يعطيهم; وبما يعنيه ذلك من أن الحكم ليس ثابتا علي نحو مطلق, بل إنه موقوف علي شرط بعينه, وعلي النحو الذي يجعله قابلا للتحول, ومن حسن الحظ, أن هذا التحول قد حدث بالفعل; حين أوقف عمر بن الخطاب دفع هذا السهم( المقرر بالقرآن) إلي اثنين ممن تقطع المصادر بأنهما من المؤلفة قلوبهم هما عيينة بن حصن والأقرع بن حابس,
 وخاطبهما قائلا: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل, وإن الله قد أعز الإسلام, فاذهبا وأجهدا جهدكما, وهكذا فإن تغير حال الإسلام من الذل إلي العزة قد قضي برفع ما هو ثابت بشرع محكم; وعلي النحو الذي يقدح في أن يكون الشرع مقررا لقيمة ثابتة, كقيم السواد والبياض التي لا تختلف في حق زيد أو عمرو, علي قول الغزالي, بقدر ما يبدو أن القيمة التي يقررها تختلف, بدورها, تبعا لاختلاف الوقت والحال, ولعل المرء حين يدرك أن العقل هو ما يقف وراء ما يحدث من التحول في دلالة الحكم الشرعي ذاته, يصل إلي استحالة قبول ما يقرره الغزالي من وجوب أن يقوم العقل بإثبات الشرع ثم يعزل نفسه ويكتفي بمجرد التلقي; وأعني من حيث يبقي الشرع بعد الإثبات في احتياج دائم إلي اشتغال العقل عليه, فإن كون دلالة الحكم الشرعي ليست نهائية ومطلقة, بل مفتوحة ومتحركة يؤكد هذا الاحتياج للعقل الذي يقوم بالدور الحاسم في هذا التحريك للدلالة.

وإذ يكون الشرع في احتياج إلي العقل لكي يظل قادرا علي التجاوب مع مقتضيات الحال والوقت التي لا تقبل الثبات, فإن ذلك يعني أن في عزل العقل وإبعاده ما سيؤدي إلي تقويض نظام الشرع بالكلية,وإذ لا يمكن أن يقصد الشرع إلي تقويض نفسه, عبر عزل العقل, فإنه لا يبقي إلا أن السياسة هي ما يقف وراء هذا العزل, لكنه يبقي وجوب التأكيد علي أنها إذ تعزل العقل, فإنها تقوم بتقويض الشرع....فهل يتريث المندفعون إلي هدم كل شيء ؟

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 21/ فبرايــــــر/ 2013



الخميس، فبراير 07، 2013

النخبة والتفكير العقيم







ستظل الأزمة المصرية تتفجر عنفاً دموياً‏,‏ علي نحو متواتر‏,‏ ما لم نسع إلي الإمساك بجذورها العميقة‏,‏ والوعي بالأسباب الكامنة المؤدية إليها.
 وأما ما يكتفي به البعض من ردها إلي ما يدبره الآخرون (في الخارج والداخل) من المؤامرات والمكائد, بقصد تعويق المسيرة وإسقاط المشروع, فإنه يبقي محض عادة مصرية (أو حتي عربية) في الفرار من الأزمات, بدلا من مواجهتها.

وإذ لن يتمخض الفرار من مواجهة الأزمات إلا عن المزيد من الضحايا والتعقيدات إلي حين انفجارها من جديد, فإنه يلزم التأكيد علي أن التفكير هو السبيل- لا سواه- إلي الخروج الآمن من الأزمات التي تجابه الشعوب والجماعات.
علي أنه يلزم التمييز, هنا, بين التفكير في الأزمة, بما هي واقع ثقيل يفرض نفسه, ويلزم الانفلات منه سريعاً, وعلي أي نحو; وهو العمل الذي يمارسه الكثيرون بالطبع, وبين التفكير المتعمق في نوع التفكير المسئول عن إنتاج هذه الأزمة.
 إذ فيما يكتفي(الأول) بالوقوف عند السطح معالجا للقشور البرانية الملموسة, ومنحصرا في إطار الحلول الإجرائية, فإن (الثاني) ينفذ إلي الأعماق, متعاملا مع الجذور الباطنية المتخفية, ومبلورا للمخارج التأسيسية.

والحق أن نظرة تاريخية علي الأزمة المصرية الممتدة علي مدي عقود, لتكشف عن رسوخ التركيز ـ في التعامل معها- علي مجرد جوانبها الإجرائية الشكلية, مع الإهمال الظاهر لأصولها التأسيسية.
وعلي الرغم من أن هذا التركيز علي الجوانب الإجرائية لم يقدم إلا حلولا فقيرة, عجزت عن إخراج مصر من أزمتها, فإن كون الأطروحة السياسية هي التي هيمنت علي معالجة الأزمة المصرية, لم تقلل أبدا من سطوة التركيز علي كل ما هو إجرائي.
 ولعل الوقت قد حان ـ بعد الثورة علي مبارك بالذات - لتجاوز هذا الركام البائس بكل ما يصاحبه من عجز وعقم. إذ المؤكد أن تحقيق ما تطمح إليه الثورة من الدخول بمصر إلي مرحلة جديدة من تاريخها, إنما يستلزم التحول عن المقاربة الاختزالية الإجرائية لأزمتها إلي التعامل معها بمنظور شمولي تأسيسي; وبما يعنيه ذلك من ضرورة أن تكون معالجة الجوانب الإجرائية للأزمة الراهنة مسبوقة ـ أو مصحوبة - بالنظر في أصولها العميقة الكامنة; والتي لا تكاد- لسوء الحظ - أن تكون موضوع انشغال النخبة المتغلبة.

 وينطلق هذا التأكيد من حقيقة أن كل إجراء وعمل لابد أن يكون مسبوقا بتأسيس ونظر, وإلا فهو البناء علي غير أساس.
وبالرغم من أن للأزمة تاريخا ممتدا منذ الاصطدام المصري مع الحداثة, قبل قرنين, فإنه يمكن- ولأسباب عملية خالصة - تركيز النظر علي سياق الاحتدام الراهن للأزمة, اللاحق علي رحيل مبارك من المشهد.
حيث أظهرت الطريقة التي جرت بها إدارة مرحلة ما بعد هذا الرحيل, عن الغياب شبه الكامل لأي نظر وتأسيس, والجري علي العادة المصرية في الانشغال بما هو إجرائي, بكل ما تمخض عنه من التخبط والعشوائية.
 وإذ يستسهل الكثيرون ربط ذلك كله بالجهة التي أوكل إليها مبارك إدارة أمور البلاد بعد رحيله( وهي المجلس العسكري), فإنه يلزم التأكيد علي أن الأمر لا يرتبط أبدا بهذه الجهة أو تلك, بقدر ما يرتبط بما يغلب علي النخبة المصرية, بجميع شرائحها, من طريقة في التفكير تقوم علي تغليب (الإجرائي) علي (التأسيسي).

 ولعل ما يؤكد علي أن أمر الأزمة يتعلق بما هو أبعد من تعليقها في رقبة جهة بعينها, هو ما يبدو من أن خروج هذه الجهة من المشهد لم يقلل من حدة الأزمة المستحكمة, علي مدي العامين الفائتين.
 ومن هنا ضرورة توجيه النقد إلي طريقة التفكير الغاطسة التي تؤسس لطريقة, لا تزال مهيمنة في إدارة الشأن المصري, وليس لمجرد الجهة التي تقوم علي هذه الإدارة.
ولعل مقاربة من النوع الشمولي التأسيسي للأزمة الراهنة, في مصر, كانت تقتضي, أولا, تعيينا وتشخيصا دقيقا لطبيعة الحالة المصرية بعد رحيل مبارك, ليتسني تعيين الطريقة المثمرة في إدارة المرحلة اللاحقة, علي النحو الذي يجنب البلاد مخاطر الانقسام والتشظي, ويهيئها لتحول ديمقراطي ناجح.
 ولعل تشخيصاً كهذا ينطلق من أن مصر كانت تعيش, علي مدي عقود, استبدادا وركودا سياسياً, وضروباً من الانقسام والتمايز لا تقف عند حدود التفاوت المادي, بل تتعداه إلي تباينات القيم والسلوك; حيث بدا وكأن قطاعاً واسعاً من المصريين قد راح يفقد ثقته في كل ما له علاقة بالعصر, وارتد - ساخطاً أو يائساً ـ لا يري خلاصا له خارج إطار الروابط التقليدية (التي كان الدين مركزها الأهم) .
 وضمن هذا السياق, فإن الدين لم يعمل كمجرد خشبة للخلاص فحسب, بل وتحول إلي أداة لامتصاص كل ضروب الكبت التي عانت منها الجماهير في مواجهة دولة الفساد والقمع .
 وقد ترافق ذلك مع وعي لم تتجذر فيه تقاليد الدولة الحديثة; من حيث هي فضاء تتوزع داخله السلطة بين مؤسسات, تشتغل الواحدة في استقلال عن الأخري, ولكن في تناغم معها, ومن دون أن تتطابق مع أشخاص القائمين عليها.
 وفي كلمة واحدة, فإن مصر قد خرجت من قبضة مبارك, وأغلبية شعبها علي علاقة قلقة مع( الدولة) من جهة, وعلي ثقة لا حد لها في( الدين) من جهة أخري.
وبالطبع, فإن مجتمعا قد خرج يعاني علي هذا النحو, كان لابد أن تدرك نخبته أن التنافسية هي آخر ما يصلح له, كآلية لإدارة شأنه السياسي; وذلك من حيث أنها ستؤدي إلي انقسامه وتشظيه علي نحو كامل; وهو ما تعانيه مصر في الوقت الراهن, لسوء الحظ, لكن ميل النخبة المتأصل إلي كل ما هو إجرائي قد جعلها تتوهم أنه لا ديمقراطية من دون تنافسية; ومن دون أن تدرك أن الجوهر العميق للديمقراطية, ليس في التنافسية التي تبقي محض إجراء تشتغل به الديمقراطية في حال توافرت البيئة التي تجعل اشتغاله ممكنا.
 وللغرابة, فإن بناء هذه البيئة كان يقتضي, في الحالة المصرية, إدارة الشأن السياسي علي نحو توافقي ، فالتوافق هو ما كان سيسمح بتثبيت فضائل المشاركة والمحاورة والعمل مع صاحب الرأي المغاير; وهي الشروط اللازم توافرها لأي ممارسة ديمقراطية حقيقية, وذلك بدلا مما آلت إليه التنافسية من إذكاء رذائل الإقصاء والمنابذة والمفاصلة التي تكاد تودي بمصر إلي الهاوية...
فمتي تتخلص النخبة من تفكيرها الإجرائي العقيم؟

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 7 / فبرايــر/ 2013
لينـــك المقــــــــــال



الخميس، يناير 24، 2013

الجماعة اليهودية ،،





تحولت الدعوة إلي عودة اليهود المصريين إلي مصر‏,‏ إلي مادة للاحتراب السياسي‏(‏ بل وحتي الهزلي‏)‏ بين شرائح النخبة المصرية المتنابذة‏.‏
وإذا كان الباب قد انفتح- رغم كل شيء- أمام بعض الكتابات الرصينة التي سعت إلي التحاور مع هذه الدعوة, بالجدية الواجبة, فإن هذه الكتابات قد ركزت, في معظمها, علي الجوانب التاريخية المتعلقة بخروج اليهود( الثاني) من مصر, وأهملت السياق الفكري الذي تحقق ضمنه هذا الخروج.

وإذا كانت المسألة اليهودية- التي شغلت الفكر الأوروبي الحديث- هي السياق الفكري 
للخروج اليهودي الحديث, علي العموم, فإن حديثاً في الشأن اليهودي, من دون الوعي بها, يبقي ثرثرة من غير طائل. 
فقد فرضت جملة عوامل معقدة علي اليهود أن يكونوا إحدي مشكلات عصر الحداثة; وأعني من حيث بلغوا هذا العصر, وهم يحملون علي ظهورهم تاريخا طويلا حدد لهم وضع الجماعة التي وجدت نفسها تقوم- في إطار النظام الإقطاعي الوسيط- 
بوظائف وأدوار يستنكف غيرها عن القيام بها, ولكنها تبقي وظائف ضرورية, 
ولا يمكن للمجتمع الإقطاعي الاستغناء عنها. 
وبالطبع فإن التاريخ الطويل من الاختصاص بممارسة تلك الوظائف كان لابد أن يؤدي- لا محالة- إلي أن تستبطن هذه الجماعة منظومة القيم والعادات الثقافية التي تقترن بهذه الوظائف;
 وإلي الحد الذي تكاد معه تصبح محددات لطرائقها في التفكير والتعبير والسلوك. 

فالإنسان- فردا أو جماعة- لا يتشكل تفكيرا وسلوكا في الفراغ,
 بل ضمن سياق يفرض عليه شكل حضوره. 
وبالطبع فإن ذلك يعني سقوط الفكرة التي تقول إن ثمة طبيعة خاصة لجماعة ما هي التي تحدد لها شكل حضورها في العالم; حيث إن السياق التاريخي الشامل الذي يتطور وجود الجماعة داخله هو المحدد لشكل حضورها.
ولأسباب ترتبط بطبيعة الظهور التاريخي المبكر للجماعة اليهودية,
 فإن الأنشطة التجارية والربوية كانت هي الأنشطة التي برزت فيها تلك الجماعة,
 ومن دون أن يعني ذلك أن اليهود لم يمارسوا غيرها علي مدي التاريخ. 
وفقط فإن تركيز اليهود علي ممارسة تلك الأنشطة بالذات هو الذي يقف وراء ظهور ما يسمي بالمسألة اليهودية, بكل ما أثارته- ومازالت- علي صعيد الفكر والسياسة.
 إذ يبدو أن الظهور المبكر لليهود, علي مسرح التاريخ, كجماعة من البدو العبرانيين الرحل هو الذي يقف اختصاصهم, أكثر من غيرهم, بالأنشطة التجارية والربوية التي تعتمد, وبشكل أساسي, علي التنقل والتجوال. والحق أن الجماعات ذات الأصل الرعوي المترحل تبقي الأكثر استعدادا للانهماك في النشاط التجاري.
ولعل الأمر لا يقف, فحسب, عند مجرد سياق التشكل المبكر لليهود كجماعة من البدو العبرانيين الرحل, 
بل ويرتبط بما لاحظه بعض علماء الاجتماع الديني( المتأثرين بأفكار الألماني ماكس فيبر) من أن الدين اليهودي ذاته قد ساهم في جعل اليهود أقلية تعمل بالتجارة والربا; 
وذلك من حيث لا يركز هذا الدين علي العالم الآخر, ولا يركز علي الزهد في الدنيا, 
كما أن الدارس للتلمود يكتشف أنه يتحدث عن التجارة باعتبارها أشرف المهن,
 وعن الإقراض باعتباره هدية من الله لليهود.
 وبالطبع فإن ذلك كان لابد أن يؤدي إلي تثبيت صورة اليهودي المرابي في المجتمعات التي عاش فيها اليهود; وهي صورة سلبية مرذولة, تجر علي صاحبها الكراهية والاضطهاد.
ولقد ترتب علي ذلك أن أخذ اليهود وضع الجماعة الطفيلية التي تتعلق علي جسد المجتمع, ولكنها تبقي غريبة عن روحه, وقد أعطي ذلك لليهودي وضع من يسكن في المجتمع بجسده, ولكنه لا ينتمي إليه بروحه, فبدا أشبه بالإنسان المعلق في الهواء, فلا يندمج في المجتمع, ولا ينفصل عنه, بل يحيا في منطقة المابين, أو في المنزلة بين المنزلتين.
 وحتي كساكن بجسده في المجتمع, فإنه قد اختار الإقامة في معازل الجيتو, ليؤكد انفصاله وعزلته. 
وهكذا فإنه قد ظل يعيش بإحساس أجداده الغابرين; وأعني إحساس العابر( اللامنتمي), أو غير المقيم. وإذا كان الرب( إله العهد القديم) قد وهب أجداده أرضا يستقرون عليها, فإنه- ورغم تنائي الزمان والمكان- قد ظل يحمل ولاء غامضا لهذه الأرض البعيدة; وهو ما فاقم من عزلته عن محيطه. ولقد كان ذلك كله- وبالتضافر مع حقيقة أن مسيحية المجتمعات, التي عاش اليهود بين ظهرانيها, قد جعلتها تحمل عداء تقليديا لهم, بسبب ما تنسبه إليهم من تلوث أيديهم بدم المسيح- هو الأصل في كل التوترات التي أدت إلي ظهور المسألة اليهودية, التي كانت عنوانا علي أن اليهود, في المجتمعات الأوروبية, قد أصبحوا مشكلة لابد من حل لها.
ولقد تبلور التفكير في حلول للمسألة اليهودية في اتجاهين; 
مضي( أولهما)- وهو الحل التنويري- نحو إخراج اليهود من العصور الوسطي, عبر تخليص اليهودية من إرثها الأسطوري المتعلق بالعودة إلي أرض الميعاد, وتحويلها إلي ديانة أخلاقية روحية, ونبذ أي جانب يتعارض مع العقل منها, وفصل الدين اليهودي عما يسمي بالقومية اليهودية, ودعوة اليهود إلي الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها, وأن يكون ولاؤهم لبلدانهم, وليس لقوميتهم الدينية المتخيلة. 
ولقد استقرت السيادة لهذا الطرح علي مدي أكثر من قرن, حتي نهايات القرن التاسع عشر التي شهدت تبلور الحل الصهيوني للمسألة اليهودية, الذي تستقر له السيادة حتي الآن, رغم وفائه لتقاليد العصور الوسطي. حيث ينبني علي تحفيز المواريث الأسطورية في اليهودية, وربط الدين اليهودي بالقومية والأرض, ودعوة اليهود للعودة إلي جبل صهيون, 
وإلي أن يكون ولاؤهم للأرض الموعودة القديمة, وليس للبلدان التي يعيشون فيها.  

وباختصار, فإنه يقوم علي أن تجاوز المأزق اليهودي لن يكون إلا بالعودة إلي الماضي ما قبل
 الحديث; وذلك فيما يقوم الحل التنويري علي ضرورة أن يكون اليهود جزءا من الحداثة الحاضرة. ورغم معاداته لروحها- وذلك من حيث يقوم علي استدعاء حلول الماضي, وإدارة الشأن السياسي والاجتماعي لليهود بالدين, فإن الحداثة الأوروبية قد انحازت للحل 
الصهيوني لما يقدمه من خدمة لسياساتها الاستعمارية في الشرق الأوسط.

لكن الغريب, حقا, ألا يدرك دعاة الإسلام السياسي أنهم- وببنائهم لخطابهم علي استدعاء
 حلول الماضي, وإدارة الشأن السياسي بالدين- إنما يدعمون استمرار الحل الصهيوني, علي 
نحو لا يملكون معه القدرة علي وضع نهاية له.... لذا لزم التنويه.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 24 / ينايـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر / 2013





الثلاثاء، يناير 22، 2013

المحــــاضــرة الرابعـــــــــــة ،،




عن تعريف علم الكلام كان موضوع المحاضرة السابقة للدكتور علي مبروك ..
وانتهى بنا الى أن تعريف علم الكلام ينقسم الى قسمين :
*قسم يتضمن الحِجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية .
*وقسم يتضمن الرد على المبتدعة .

القسم الأول :
الحِجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية :

معنى كلمة حِجاج كما ذكرنا سابقاً هو الدفاع .. وبما أن هناك دفاع فلابد من وجود هجوم ..
فهل هذا الهجوم من داخل الإسلام أم من خارج الإسلام ؟؟
ولذلك السؤال اجابة نموذجية :  وهو انه يوجد هجوم من الداخل ومن  الخارج ..
ويستهدف الهجوم من الداخل إلغاء الدين
أما الهجوم من الداخل فيستهدف إعلاء شكل الدين بطريقة متزمتة أو متطرفة أو خاطئة .
ولكن ..!!!
لابد من إعمال العقل لتحديد إن كانت القراءات المطروحة قراءات متطرفة او خاطئة أو قراءرات هدفها هدم الدين ..
فالعقل هو المهيمن والمسيطر على النص وهو الذي يستبعد جميع القراءات الآخرى..
ومن هنا نجد أن هناك فرقاً بين الهجوم من داخل الإسلام ومن خارج الإسلام :
من خارج الإسلام :
هجوم على العقائد الإيمانية مثل القضاء على التوحيد .
من داخل الإسلام :
وفيها يكون الهجوم على تصور ما و اجتهاد ما للعقائد .

مــثــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال :
الشيعي عندما يهاجم التصورات السنية أو الأشعرية .. فهو لا يهاجم عقائد إيمانية وإنما تصورات لهذه العقائد ... ومن ثم يقوم الشيعي بتوحيد عقائده بالإسلام .. وبموجب ذلك فإن الرافض لعقيدة هذا الشيعي أصبح خارجاً عن الإسلام .
إذاً لا يمكن التسوية بين الهجوم من داخل الإسلام  ( رفض المعتقد بأسره ) ومن خارج الإسلام (رفض التصورات فقط )..

وعلى ذلك فإن هذا القسم من تعريف علم الكلام يُقْبل في حالة الدفاع عن رد الهجوم 
من الخارج وليس من الداخل ...
لذلك لابد أن نعرف هل كان الهجوم المقصود في التعريف من الداخل أم من الخارج ؟!!!
هناك سبيلين للإجابة على هذا السؤال :
*الرجوع للتاريخ لمعرفة نشأة هذا العلم وهل نشأ لمواجهة خصوم داخلية أم خصوم خارجية  .
*نلجأ للقسم الثاني من التعريف الذي يقول :
الرد على المبتدعة المنحرفين في الإعتقادات عن مذاهب السلف والسنة .

القسم الثاني :
الرد على المبتدعة المنحرفين :

هل يمكن تحديد الخصم الأساسي في العلم من هذا القسم ؟؟
إن هذا القسم من التعريف هو الذي يحدد نوع الخصومة ..
وهي خصومة داخلية ..
وهذه الخصومة تكشف عن فريقين :
*الفريق الأول : المبتدعة المنحرفـــــين .
*الفريق الثاني : السلف والسنـــــــــــــــــــــــــة .
والفريق السائد والمسيطر هو فريق السلف والسنة ولهذا اعتبر أن كل الخارج عليه مبتدعة ومنحرفين ... أي اعطاهم صفتين :
*صفــــــة البدعة أو الضلالة .
* صفـــــــة الإنحـــــــــــــراف .
ولهاتين الصفتين دلالة .. فصفة الانحراف هو وصف الشخص في الدنيا ..
أما صفة البدعة فهي صفة تصف الشخص في الآخرة:
 " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار "

والآن يعود بنا الدكتور على مبروك الى نص تعريف علم الكلام كما هو موضح في مقدمة
 ابن خلدون.. 
حيث نجد أن التعريف السابق له لغة منحازة لفريق السلف والسنة  المذاهب الأخرى
كما أن لفظ المبتدعة المنحرفين لفظ بالغ الخطورة لأنها تمنعنا من المعرفة الحقة لأنه حول أهل السلف لنموذج صحيح وسليم والخروج عليه هو الانحراف والبدعة .

ومن هنا نجد أن القسم الأول _ الحِجاج عن العقائد الإيمانية_ من التعريف قدم
احتمالين :
1-احتمال خصومة خارجية
2-احتمال خصومة داخلية
وجاء القسم الثاني _ الرد على المبتدعة _ ليؤكد احدى الاحتمالين وهو  احتمال الخصومة من الداخل. 

نستخلص من ذلك أن قسمي التعريف غير متسقين لأن القسم الأول يفترض أن
 الخصومة خارجية بينما القسم الثاني يوضح أن الخصومة داخلية .
وهذا ما سيجعلنا نختبر التعريف بطريقة أخرى وهي الرجوع الى تاريخ علم التعريف ..

فإلى لقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء ،،


************************************************