الخميس، يونيو 27، 2013

عن الاستبداد والتنطع





لعله يلزم التنويه بأنه إذا كانت العلاقة بين الدينى والسياسى فى الإسلام تحتاج إلى استقصاءٍ أعمق يتجاوز حدود هذا الحيز، فإنه يمكن القول - على العموم - بانه إذا كان الدين قد ظل يقدم للسياسة لغتها وقاموس مفرداتها، فإن كل موجهاتها ومحدداتها الرئيسية قد ظلت تنتمى إلى مجال آخر غير الدين. 

وبعبارة أخري، فإنه إذا كان الدين قد منح السياسة لغتها وشكل ممارستها، فإن مضمون تلك الممارسة ومحتواها قد ظل شيئاً يقع خارج حدوده فى الأغلب. ولعل استقراء للمصنفات التاريخية الكبرى يئول إلى أن صراعات القوة قد كانت هى المحدد الرئيسى لممارسة السياسة فى الإسلام. فلا يكاد ابن خلدون - الذى يستمد قيمته الكبرى من كونه صاحب خطاب عن التاريخ، وليس من كونه مجرد مؤرخ، أو ناقلٍ للأخبار مثل غيره - يرى فى تاريخ المسلمين، إلى عصره، إلا نوعاً من الفاعلية شبه المطلقة لقانون العصبية القبلية التى كانت - ولعلها تبقى للآن - الشكل السائد لاشتغال القوة. والغريب أن المحاولات لا تتوقف لإخفاء هذا التاريخ الطويل الذى كتبته القوة لكى يتوارى من الذاكرة بالكلية، لحساب تاريخ مثالى ومُتخيل يستخدمه دعاة الإسلام السياسى فى الترويج لأجنداتهم السياسية النازعة للهيمنة.
 ورغم هذا السعى الدائب إلى طمس هذا التاريخ الرذيل الذى يجرح الوعى ويشقيه، فإن ما يشهده العالم العربي، فى اللحظة الراهنة، من انفجار المكبوت القَبَلى والعشائرى والطائفى والمذهبى الذى لطالما جرى كبته وراء أقنعة الدين - ثم الحداثة بعد ذلك - لما يؤكد على أنه من قبيل التاريخ الذى يأبى الغياب والسكوت.

إن ذلك يعنى أن الدين كان - ولا يزال - جزءا من لعبة القوة ومن أدوات اجتيازها والإمساك بمفاتيحها. وضمن هذا السياق، فإن ثمة علاقة طردية بين تصورٍ بعينه للدين وبين حجم القوة التى يوفرها للقائمين على توظيفه سياسياً، وأعنى أنه كلما كان الدين حرفياً وقطعياً يكون مقدار القوة التى يقدمها لهؤلاء الساعين إلى التخفى وراءه أكبر - بما لا يُقاس - من تلك التى يوفرها لهم حين يكون موضوعاً لتفكير مفتوح. ويرتبط ذلك بحقيقة أن "قطعية الدين وحرفيته" تكون هى الأكثر مثالية فى إخضاع الجمهور وقهره، وأعنى من حيث لا يكون متاحاً له، فى إطارها، إلا محض التسليم والامتثال من دون جدلٍ أو سؤال. وإذ يقوم دعاة الإسلام السياسى بتثبيت هذا التصور القطعى للدين على أحد المفاهيم الشائعة المستقرة فى وعى الجمهور، وهو مفهوم "القطعى الثبوت والدلالة"، فإنه يلزم التنويه بما يقوم عليه هذا المفهوم من مراوغة تسوية "قطعية الثبوت" مع "قطعية الدلالة"، وذلك فيما ينتمى "الثبوت" إلى مجال التاريخ الذى يغاير بالكلية مجال المعنى الذى تنتمى إليه "الدلالة". وبالطبع فإنه لا يمكن التسوية أبدا بين ما ينتمى إلى مجال "الثبوت التاريخي"، وبين ما ينتمى إلى مجال "المعنى الدلالي"، وبمعنى أنه فى حين أن أحدا لا يجادل فى يقينية "ثبوت" القرآن، وبما يعنيه ذلك من إمكان - بل وجوب - التأكيد على "قطعية" ثبوته، فإنه لا يمكن القول بقطعية دلالته ومعناه، لأن ذلك يعنى وجوب القول بأحادية الدلالة والمعني، وهو ما لا يمكن لمسلم أن يقبله بخصوص القرآن. 

وعلى العكس من هذا التصور القطعى للدين، فإن تصوره موضوعاً لتفكير مفتوح إنما تجعل منه إحدى الساحات التى تنفتح أمام الفرد لتأكيد قدرته على التفكير الفاعل المستقل. وبحسب ذلك، فإنه فيما يتيح التصور القطعى للدين للسلطة أن تهيمن على المجال العام، وتتحكم فيه بالكليّة، فإن الأثر الذى يؤدى إليه التصور المفتوح للدين - فى المقابل - لا يقف عند حد حرمانها من هذا الامتياز فحسب، بل ويئول إلى جعلها موضوعاً للتحكّم والضبط من جانب الأفراد. ولعله يلزم الوعي، فى هذا السياق، بجدلية العلاقة بين تصور الدين "حرفيا وقطعيا" من جهة، وبين الطبيعة الاستبدادية التسلطية للسلطة من جهة أخري، وبمعنى أن العلاقة بينهما لا تمضى فى اتجاهٍ واحد، بل إن الواحد منهما يحدد الآخر، ويتحدد به فى الآن نفسه. 

وإذ يعنى ذلك أن "قطعية الدين وحرفيته" إنما تؤسس للاستبداد، بذات القدر الذى يؤسس به - هو أيضاً - لها، فإن ذلك ما انشغل به، وأفاض فى بيانه، رجل الإصلاح وداعيته الكبير عبدالرحمن الكواكبي. فقد مضى الرجل يفضح الطريقة التى يسطو من خلالها المستبد على الدين ويحيله إلى مطية لطغيانه واستبداده، سواء كان ذلك من خلال اتخاذه لنفسه "صفة قدسية يتشارك بها مع الله، أو تعطيه مقاما ذا علاقة مع الله، أو يتخذ بطانة من أهل الدين المستبدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله". وبالطبع فإن هذا الامتطاء للدين، من جانب المستبد، هو ما كان لابد أن يجعل منه مجرد زخارف ورسوم شكلية خارجية، وبحيث يتحول إلى ما يشبه الدواء المهدئ الذى تتعاطاه جماهير يائسة محبطة، لتتعزى به عما تعانيه من الاستبداد والقهر، ويفقد دوره الجوهرى فى تنوير الإنسان وتحريره بالأساس، وبما يعنيه ذلك من التأكيد على دور المستبد فى تفريغ الدين من مضمونه وتحويله إلى مجرد شكل فارغ. 

ولقد كان الكواكبى هو من كشف، ببراعة، عن الكيفية التى ينتج بها الاستبداد "التنطع" فى الدين الذى هو علامة خوائه وصوريته. فقد مضى إلى إن "المستبدين قد سطوا على الدين واتخذوه وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة شيعاً، وجعلوه آلة لأهوائهم، فضيعوه وضيعوا أهله بالتفريع والتوسيع والتشديد والتشويش وإدخال ما ليس منه فيه كما فعل أصحاب الأديان السائرة، حتى جعلوه دينا لا يقوى أحد ممن يتوهم أن كل ما دونه هو منه على القيام بواجباته وآدابه ومزايداته التى صارت تشتبه مراتبها على العام والخاص. وبذلك انفتح باب التلّوم على النفس واعتقاد التقصير المطلق، وأن لا نجاة ولا مخرج، ولا إمكان لمحاسبة النفس. وهذه الحال تصغر النفس وتخفت الصوت وتمنع الجسارة على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر المنوط بها قيام الدين وقيام النظام والعدل. وهذا الإهمال للمراقبة والسيطرة والمؤاخذة والسؤال أوسع لأمراء الإسلام مجال الاستبداد وتجاوز الحدود. 


تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 27 / يونيـــــــــــو / 2013


الخميس، يونيو 13، 2013

مصلحة الإنسان وصلاح الحكم





يتميز القرآن - ككل النصوص الكبرى التى لا تكف عن الإشعاع والوميض على مرِّ الأزمان - بكونه ساحة التقاء بين "التاريخى" بتحديداته الجزئية، وبين "المُتجاوز" بشموله وكليته. 
وإذا جاز القول بأن التأسيسى فى القرآن يتمثَّل فى هذا "المتجاوز" الذى يحيل إلى عالم القيم والمعانى الإنسانية الكبري، فإن الإجرائى فيه يكون هو جملة التحديدات الجزئية التى تتحقق هذه القيم والمعاني، من خلالها، فى لحظة بعينها.
 ولابد أن يكون مفهوماً أن الأمر، فيما يختص بالعلاقة بين التأسيسى (الكلي) والإجرائى (الجزئي) لا يتعلق بثنائية جامدة، يقف كل طرف منها بمعزلٍ عن الآخر، بقدر ما يتعلق بحقيقة واحدة يكون "التأسيسي" هو جوهرها الذى يدخل "الإجرائي" فى تركيبها، ولكن من دون أن يكون قادراً على استنفادها. فإن هذا "التأسيسي" المتجاوز يكون - وعلى نحوٍ ما - أشبه بالحقيقة العلمية التى هي، بدورها، تركيبٌ يتنامي، فى التاريخ، عبر تصحيحه المستمر لنفسه، ولكن من دون أن يكون هذا التاريخ قادراً على استنفادها بالمثل، وإلا فإن ذلك يؤشر على ما لا يمكن تصوره، بالعقل، من "نهاية العلم".
وفقط فإن الفارق بينهما يتأتى من أنه فيما تكتمل الحقيقة العلمية فى "الوعي"، وليس فى "الوجود"، لأنها تكون - طوال الوقت وبصرف النظر عن الوعى بها - قائمة فى الوجود وضابطه لظواهره على نحو فعلى، فإن التأسيسى المتجاوز فى القرآن (والمجال الإنسانى على العموم)، يكتمل فى (الوجود)، وليس فى (الوعي)، لأن هناك من القرائن ما يقطع بأن هذا التأسيسى المتجاوز (قيمةً ومعني)، قد كان - ومنذ أقدم العصور - حاضراً فى (الوعي)، ولو بوصفه مثلاً أعلى يرنو إليه البشر، ولكن تحققه لم يكتمل فى (الوجود) فى أى لحظة من التاريخ. إنه - هكذا - أقرب إلى القيمة أو المعنى الكلى الذى يمتص كل تحققاته الجزئية داخله، ومن دون أن تكون تلك التحققات قادرة على اقتناصه واستيعابه فى واحدة منها، وإلا فإنها ستكون "نهاية القيمة أو المعني".
 وإذن فإنه التباين بين "انفتاح" القيمة أو المعني، وبين "محدودية" شكل تحققها. وبالرغم من هذه "المحدودية" لأشكال تحقق القيمة أو المعني، فإنه يمكن القول إن كل واحدٍ منها يمثل، فى تحقيقه لهذه القيمة أو المعني، درجة أعلى من تلك التى يكون سابقه عليها. ويعنى ذلك، وعلى نحو مباشر، إمكان القول بأن "مصلحة الإنسان وصلاحه" هى أحد مبادئ القرآن التأسيسية، وأما المضمون الذى يتحقق من خلاله هذا المبدأ فى لحظة بعينها، فإنه يكون هو الحد "الإجرائي" المحقق لها فى تلك اللحظة. 
وبالطبع فإنه إذا كان الوحى هو بمثابة إحضار للقيمة، المعني، المصلحة، كمبادئ تأسيسيةٍ كبري، إلى واقع مجتمعات بشرية، لم تكن لتقدر على بلوغها بجهدها الخاص، فإنه كان لابد أن يجرى تنزيل هذه المبادئ التأسيسية فى واقع حياتها، ضمن شروط اللحظة التى تعيش فيها، وإلا فإن تنزيلها خارج تلك الشروط كان يمكن أن يترتب عليه رفض فعل الوحى بالكلية. ومن هنا ما يمكن القول إنها مراوحة الوحى وحركيته بين "المبدأ التأسيسى المتجاوز" من جهة، وبين "التحديد الإجرائى المتعيّن" الذى يتحقق، هذا المبدأ، من خلاله فى واقع بشرٍ بعينهم، وفى إطار لحظة بعينها، من جهة أخري. فإنه ليس خطابا بهذا المبدأ فى "المطلق"، بقدر ما هو خطابٌ به فى الواقع "المتعيِّن"، أى إلى بشر محددين، وفى لحظة تاريخيةٍ بعينها. وبالطبع فإنه يبقي - ضمن هذه المراوحة - أن "الحد الإجرائي" - الذى يتحقق من خلاله "المبدأ التأسيسي"، إنما يكون "موضوعا" من أجل تحقيق القيمة المرتبطة بهذا المبدأ، فى تلك اللحظة بعينها، وليس على نحو نهائى مطلق. وإذ يعنى ذلك أنه يتحقق فى ارتباطٍ حاسم مع "التاريخ"، فإن صرامة هذا الارتباط تبلغ حد أنه قد يتحوَّل فى لحظة مغايرة، لتلك التى تبلور فيها، إلى عائقٍ يحول دون تحقيق "المبدأ التأسيسى المتجاوز" الذى يقف وراءه.

ومن هنا ما توافق عليه أهل التفسير والأصول من النسخ فى القرآن، الذى لا يعنى شيئاً إلا أن حضور وصلاح الحكم (وهو الحد الإجرائى المحقق للمبدأ التأسيسى أو القصد) يكون مرتبطاً بوقتٍ بعينه. فإن رفع الحكم، ليحل محله غيره (وهو معنى النسخ)، لا يعنى إلا أنه قد استحال إلى عائق يحول دون تحقيق المبدأ أو القصد الذى يقوم خلفه، ولذا وجب رفعه لأنه لم يعد صالحا فى لحظة مغايرة لتلك التى تنزَّل فيها. وحين يلاحظ المرء قصر المدة الزمنية التى كان يتحقق ضمنها.

ولقد كان ربط صلاح الحكم بالوقت هو أداة الفخر الرازى فى الفرار من مأزق نسبة النقص إلى الله، فإنه "إن قيل: لو كان (الحكم) الثانى (الناسخ)، أصلح من الأول (المنسوخ)، لكان الأول ناقص الصلاح، فكيف أمر الله به؟ قلنا: الأول أصلح من الثانى بالنسبة للوقت الأول، والثانى بالعكس". إن الصلاح هنا هو المبدأ التأسيسي، وأما الحكم الذى يتحقق من خلاله هذا الصلاح، فهو الحد الإجرائي، وبحسب تقرير الرازى فإن الحكم، أو الحد الإجرائى المحقق للصلاح، قد يتحول فى غير وقته إلى عائقٍ يُمتنع معه تحقيق الصلاح، فيلزم رفعه بالنسخ.
 الغريب، هنا، أن تجربة الجيل الأول من المسلمين تشير إلى حقيقة أنهم - ورغم انقطاع الوحي - قد رفعوا من الأحكام، ما أدركوا فيه حائلاً يمنع تحقيق الصلاح، وكان ذلك استناداً إلى وعيهم العميق بالمنطق الذى يحكم علاقة كلٍ من الوحى والعقل والواقع. ولعله يلزم الإشارة، هنا، إلى ما جرى بخصوص الأحكام المتعلقة بسهم المؤلفة قلوبهم، وتوزيع الغنائم على الجند الفاتحين، والحد المفروض على شارب الخمر وغيرها مما أدرك فيه الصحابة أن صلاحه مرتبطٌ بوقت تنزيله، وأن شروط صلاحه قد ارتفعت، ولم تعد قائمة.

فهل يقدر حمقى هذا الزمان الحكمة من وراء ذلك فيميزون بين التأسيسى والإجرائى فى القرآن؟. 

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 13 / يونيــــو / 2013

الخميس، مايو 30، 2013

العنف بين نيات الأفراد ومنطق الخطاب




من الطبيعى أن يكون الصعود الملحوظ لخطاب تديين السياسة، فى مصر وغيرها، قد أعطى دفعة معنوية هائلة لجميع الفيالق المنضوية تحت راياته التى بدأت ترفرف خفَّاقة، وذلك بالرغم من كل ما يقوم بين فصائلها من تباينات تطال التصور ومنهج العمل. 
فقد اندفع الجميع يعملون على تحقيق الغاية القصوى للخطاب
(التى هى تديين السياسة) بطرائق فى الاشتغال تتراوح بين التطرف والاعتدال.
وهنا يلزم التنويه بأنه إذا كان التطرف والاعتدال هما محض طريقتين فى الاشتغال يتسع لهما الخطاب، فإن ذلك يعنى أنهما من قبيل العارض الذى لا يؤثر فى حضور المشتغلين بهما معاً تحت مظلة ذات الخطاب الواحد. وبعبارة أخرى، فإن الفارق بينهما يتعلق بمحض "الإجرائى" السطحى، وليس "بالبنيوى" العميق، أو أنه من قبيل الفارق فى الدرجة، وليس النوع. وتبعاً لذلك، فإنه لن يكون بمقدور أحد التبرؤ من العنف الواقع تحت مظلة هذا الخطاب، باعتبار أنه مجرد ممارسة منحرفة لأفرادٍ غير أسوياء، لأن هذا العنف - فى حقيقته - لا يتعلق، فحسب، بما يقصد إليه الأفراد، بل يرتبط - وهو الأهم - بضرورات منطق الخطاب. ولسوء الحظ، فإن "العنف" - فى كل أشكاله الناعمة والدامية - يكاد أن يكون أحد أهم المآلات التى لابد أن ينتهى إليها الخطاب الرامى إلى تديين السياسة. ويتفرع ذلك عن حقيقة أن التفكير فى السياسة أو ممارستها بالدين، يحيلها إلى جملة "مطلقات" سوف يجد البعض أن لا سبيل لتسكينها فى الواقع - على فرض إمكان ذلك - إلا بالإكراه والقسر. وعلى الدوام، فإنه يبقى أن العبرة هى بالمصائر والمآلات (التى تقتضيها أنظمة الخطابات)، وليست بالمقاصد والنيات (التى تسكن نفوس الأفراد).
فقد يقصد الواحد من دعاة تديين السياسة، واعياً، إلى جعل قوله ساحة لصوت الاعتدال، ولكن منطق الخطاب يأبى إلا أن يجعل صوت "التطرف"، المُراد إسكاته، ينطق فى قوله. ولعل مثالاً لذلك يأتى من تحليل أحد وجوه خطاب الإسلام السياسى المتمحور حول مفهوم "أستاذية العالم". فرغم السعى إلى ربط هذا الوجه للخطاب برموز الاعتدال والمسالمة، فإن ذلك لا يقدر على زحزحة الحضور الراسخ لرمز التشدد والمفاصلة، الذى هو الأستاذ سيد قطب صاحب التنظير الأوفى لخطاب "الأستاذية على العالم"، وإلى الحد الذى تكاد معه أن تكون مركزاً لخطابه كله. وهكذا، فإنه وابتداء من أن المنطق الكامن لأى خطاب قد يجد تعبيره الأجلى والأنقى عند أحد المشتغلين فى حقله، بأكثر مما يجده عند آخر، فإنه يبدو أن الإطار الذى كان قطب يفكر داخله، على مدى الخمسينيات والستينيات، قد أتاح له أن يكون هو صاحب التعبير الأصفى عن هذا الخطاب.

 ولسوء الحظ، فإنه يبقى أن ما ينبنى عليه هذا الخطاب لا يسمح له - مهما اختلفت أشكال التعبير عنه - إلا بأن يكون ساحة إقصاء وتنابذ، وليس فضاء حوارٍ وتواصل. ويرتبط ذلك بحقيقة أن مفهوم "أستاذية العالم" يحيل إلى عالمٍ هيراركى تتراتب فيه العلاقات من الأعلى فرضاً على الأدنى، وبما يعنيه ذلك من قيام العلاقات بين الناس فى الواقع على أن هناك طرفاً فى الأعلى هو الأستاذ الذى له أن يفرض هيمنته على الطرف الجاهل فى الأدنى. ولكن ما الذى سيحقق به هذا الأستاذ أستاذيته على العالم؟ يأتى الجواب - عن السؤال - حاسماً من الأستاذ قطب الذى مضى فى كتابه "معالم فى الطريق" إلى تقرير: "إن هذه الأمة لا تملك الآن - وليس مطلوباً منها - أن تقدم للبشرية تقدماً خارقاً فى الإبداع المادي، يحنى لها الرقاب، ويفرض قيادتها العالمية من هذه الزاوية. فالعبقرية الأوروبية قد سبقتها فى هذا المضمار سبقاً واسعاً.

 وليس من المنتظر - خلال عدة قرون على الأقل - التفوق المادى عليها!. فلابد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية، غير الإبداع المادي، ولن يكون هذا المؤهل سوى العقيدة والمنهج". وحين يدرك المرء أنه ليس ثمة من مجال للإبداع فيما يخص هذا المؤهل البديل، حيث إنه "لابد فيه - على قول قطب - من التلقى عن الله"، فإن ذلك يعنى أن أستاذية المسلمين للعالم لا ترتبط بشئٍ أنتجوه (من الإبداع المادى أو الروحي)، بقدر ما تتعلق بالسعى لإخضاع العالم (طوعاً أو قسراً) لما يتصورون أنه المنهج الذى تلقُّوه عن الله. وإذن فإنها الأستاذية لا ترتبط بما ينتجه الناس على الأرض، بل بالمعطى لهم من السماء، وبما يعنيه ذلك من أنها ستكون عملاً من أعمال المشيئة العليا التى لا اختيار للناس معها، بل يلزم فرضها عليهم.

 ولعل الدليل على الطابع الإخضاعى لتلك الأستاذية يتآتى من تعيين الأستاذ "قطب" لنقيضها على أنه "الجاهلية"، حيث إنه لا سبيل لمن يتمرغون فى بؤس الجاهلية، إلا الخضوع لسادتهم الأعلين، من الذين يترقون فى معارج الأستاذية. وإذا كانت الجاهلية تتعين، عند قطب، بما هى "إسناد الحاكمية للبشر"، فإن الأستاذية لابد - وبمنطق المخالفة - أن تتعين بما هى "إسناد الحاكمية لله"، وبما يعنيه ذلك من أن "قطب" يعيِّن طرفى الصراع فى "حاكمية الله" فى الأعلى، و"حاكمية البشر" فى الأدنى، وبكيفية لا مجال فيها إلا لإخضاع الأدنى لسيادة وهيمنة الأعلى.وحين يدرك المرء أن خطاب الأستاذية سوف ينتهى به، على هذا النحو، إلى فكرة "الحاكمية الإلهية"، بكل ما تؤدى إليه من ضروب الإقصاء والعنف (اللفظى والمعنوي) سواء بين المسلمين وغيرهم، أو بينهم وبين أنفسهم، فإن له أن يقطع بأن العنف، هنا، ليس محصلة انحراف أفراد، بقدر ما هو من لوازم الخطاب.
وتبعاً لذلك، فإنه ليس لأحدٍ من الخاطبين فى ليل خطاب تديين السياسة - الذى تتعالى راياته فى العالم العربى الآن - أن يعتذر بسلامة النيِّة والمقصد عما تئول إليه ضرورات منطق الخطاب، وذلك ابتداءً من أن مقصد الفرد هو ما يخضع لتوجيه منطق الخطاب، وليس العكس.

 وبالطبع فإنه إذا كان التعويل على النيِّة والقصد يتعلق بتحديد المسئولية (فى شقيها الجنائى والسياسي) عن حدثٍ ما، فإن الأمر، فى هذا التحليل، يتعلق بتعيين المسئولية المنطقية والخِطابية عنه، إذا جاز التعبير. ومن هنا أن مسئولية العنف تقع على كاهل الخطاب، وبما يعنيه ذلك من المسئولية التبعية لحامليه بصرف النظر عما تطويه نياتهم ومقاصدهم. 

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 30/ مايـــــو/ 2013


الخميس، مايو 16، 2013

عـن الثـــورة والمعــذبـيــن ..،،





تكاد الثورة أن تكون نوعاً من القيامة.
 ولهذا فإنه ليس غريباً أنه لم يبقَ فى ذاكرة السيدة "سوزان أوسينجا" - التى أُتيح لها معاينة جثمان "جيفارا" بعد أن حمله قاتلوه إلى المستشفى الذى كانت تعمل به آنذاك - أن الكثيرين من فقراء الفلاحين والهنود فى بوليفيا (التى أُعدم الرجل فى أحراشها) لا يزالون إلى اليوم يقيمون القداس على روحه، وهم على قناعة من أنه يحقق المعجزات.

وبالطبع فإنه ليس لذلك من دلالة إلا أن يكون "معذبو الأرض" فى جبال ووديان أمريكا اللاتينية قد راحوا، فى تلك اللحظة المشحونة بالألم والمعاناة، يتبيَّنون فى وجوه ثوارهم ملامح الأنبياء والقديسين، ويقرأون فى تضحيات وعذابات هؤلاء الثوار الأسطوريين - الذين جادوا بأرواحهم من أجل تخليصهم من البؤس والشقاء - معانى الفداء والخلاص والقيامة وغيرها من مفردات اللاهوت الكنسى التى طالما سمعوا بها فى دروس قدَّاس الأحد، ولكن من دون أن يعاينوها فى قلب تجربة متجددة حيَّة، يستشعرونها ويحسون بها متَّقدة ونابضة. ولعله يمكن القول بأنهم قد استعادوا - مع هؤلاء الثوار - تجربة مسيح الناصرة المصلوب على الجبل، وكذا تجربة ذلك الطابور الطويل من الشهداء الذين عاشوا "الدين" كتجربة ومعاينة، وليس كمجرد معتقدٍ بارد يحفظونه ولا يملون من ترديده من دون إحساس أو معاناة. وإذن فإنه قد جرى استقبال "الثورة"، من جانب هؤلاء المعذَّبين، على أرض "اللاهوت" وبدعمٍ مباشرٍ منه، وليس فى قطيعة معه، وذلك على عكس ما جرى فى تجربة أوروبا التى تكاد عبارة أحد كبار صُنّاع الثورة فى فرنسا "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس" أن تشير إلى أن العلاقة التى عرفتها بين اللاهوت والثورة، تختلف كلياً عن تلك التى سوف تعرفها أمريكا اللاتينية - بعد ما يدنو من القرنين - بينهما. حيث الثورة فى أوروبا هى ثورة على اللاهوت وضده، فيما هى فى أمريكا اللاتينية ثورة فى اللاهوت وبفضله. ومن هنا أن اللاهوت - وحتى الدين - لم يكن ليتحول فى أحراش أمريكا المُثقلة بالفقر والظلم إلى زأفيونٍ للشعوب، بقدر ما راح يستحيل إلى "صرخة" للمضطهدين الذين راحوا يطالبون، من خلاله، بخلاصهم على الأرض أولاً، وقبل خلاصهم السماوى البعيد. ولعله يمكن القول ترتيباً على ذلك بأن تلك التجربة الفريدة لأمريكا اللاتينية كانت هى التى أعادت الاعتبار لعبارة "ماركس" الشهيرة عن الدين، والتى طالما تعرضت للابتسار والتشويه المتعمد من كهَّان مؤسسات إنتاج التسلط والقمع.
إن ذلك يعنى أن فيالق "المُستعبدين والمعذبين" الذين أبصروا فى وجوه ثوارهم المغدورين ملامح الأنبياء والقديسين (الذين طالما أجهش هؤلاء المعذَّبون كثيراً بالبكاء لما يُروى، فى عظات ودروس الآحاد، عن موتهم الحزين) كانوا هم أصحاب البشارة بظهور لاهوت التحرير والثورة. ومن هنا أن هذا النوع من اللاهوت النضالى لم يكن أبداً من إلهام "المُنظِّرين والأكاديميين" بقدر ما انبثق من آلام "الأشقياء والمضطهدين". إذ الحق أن ثمة "حالة ثورية" أنضجتها ظروف البؤس والشقاء فى تلك القارة التى كان عليها أن تعيش فى ظلمة الاستعباد المزدوج لسيدين، السيد الكاوبوى فى الشمال، ثم وكلاؤه من الطغاة المحليين الذين تزدحم بهم قصور الحكم، التى ترفرف عليها رايات الاستقلال الزائف. وقد حدث أن تجاوبت تلك الحالة مع أشواق "المعذبين" إلى عالم أكثر عدالة وإنسانية، فاستقبلوها بما يليق من مفردات مخزون قدسى كامن، يرتفعون بأبطاله إلى مقام القديسين. ولعلهم كانوا فى تلك اللحظة التى لا مثيل لامتيازها وتفرُّدها يتنزَّلون بالقدسانى (المفارق) إلى رحاب التاريخانى (المحايث) الذى كان قد تعالى عليه على مدى القرون، ليصبح أقنوماً خالياً من أى إحساس وجودى نابض. فالمسيح المفارق والمتعالى (من "إنسان مُعذَّب" إلى "إله سلطة") كان يُستعاد من السماء التى رُفِعَ إليها ليقوم حياً فى تضحيات هؤلاء الثوار التاريخيين. 
ولعل الدلالة القصوى لتلك الرجعة (التى تبدو بمثابة قيامة جديدة للمسيح) تكمن فيما تحيل إليه من أن تحرير البشر من البؤس والشقاء هو بمثابة استعادة للمسيح من براثن الموت الذى حكم به عليه دعاة اللاهوت البارد، والذى هو - وبامتياز - لاهوت قمع وتسلط. وهكذا فإنه يمكن القول بأنه لم يكن البشر فقط هم الذين يتحررون، بل كان اللاهوت نفسه يتحرر من قبضة التفسيرات الجامدة والإيمان البارد البليد (الذى يتهكم عليه الأب "أوسكار روميرو" - أحد الأساقفة السلفادورين - بأنه يكتفى بحضور قدَّاس الآحاد، ويرضى بالظلم طوال الأسبوع)، وذلك لكى يستعيد اتصاله بالينابيع الحية لتجربة المعاناة المسيحية الأولى. فلقد بدا لهؤلاء اللاهوتيين المناضلين "أن الإدراك الحقيقى ليسوع كإنسان تاريخى متواجد فى المكان والزمان هو الذى يقودنا - على ما يقول ألويزيوس بييريس أحد أقطاب لاهوت التحرير، إلى البحث عن معنى العبادة الحقيقية. وهذا الإدراك هو الذى يقدمه لنا لاهوت التحرير، إذ يركز على المسيح الذى صار واحداً منا، مسيحٌ واقعى قلبه يدمي، مسيح جائع وعطشان وعارٍ ومريض ولا مأوى له وسجين بسلاسل القوانين الاجتماعية الجائرة. مسيح لا يجد مكاناً يولد فيه، ولا يجد مكاناً يُدفن فيه. مسيح يشكل خطراً على هيرودس فتعقبه ليقتله، مسيح مُفتَرَى عليه أمام المحكمة. مسيح مُعذَّب من قبل الشرطة. مسيح وقع ضحية التعصب والنفاق السياسى للكهنة". 
والحق أن هذه الاستعادة للمسيح كإنسان مُعذَّب لتشير إلى لاهوت يبنى نفسه خارج فضاء الإشكالية الكبرى التى حددت بناء اللاهوت المسيحى على مدى تاريخه الطويل، وتحكمت فيما جرى من انشقاق الكنائس والطوائف، وأعنى بها الإشكالية المتصلة بطبيعة السيد المسيح. وإذ يشير ذلك إلى أن لاهوت التحرير يستعيد مسيحاً آخر غير ذلك "المسيح" الذى تتعبده المؤسسة وكهنتها المفوَّهين البلغاء، فإن ذلك يعنى أن الأمر يتجاوز إلى "تحرير" المسيح نفسه من قبضة الذين لا يتوقفون عن صلبه، والذين - وللمفارقة - يفعلون ذلك على خلفية الثرثرة بتعاليمه ووصاياه (ولابد هنا من تذكُّر ما كتبه "ديستوفسكى" عن المفتش العام، الذى عاقب المسيح بالصلب من جديد حين راح هذا المسيح يفضح - مع ظهوره الرمزى المُتخيَّل فى أسبانيا على عهد ديوان التفتيش والمحارق - انحراف الكنيسة عن كل ما جاء يُبشِّر به من سلام ومحبة. وإذ يشير المجاز العبقرى لديستوفسكى إلى ما يمكن اعتباره مسيحية مغتربة عن نفسها فى أسبانيا المثقلة بعذابات المحكومين بالإحراق والموت بتهم الهرطقة والتجديف (وإلى حد إهدارها دم المسيح نفسه)، فإن هذه المسيحية سوف تتحرر من هذا الاغتراب، وتعود إلى ذاتها كدعوة للخلاص، على يد لاهوتيى التحرير فيما كان - وللمفارقة - جزءاً من ممالكها البعيدة عبر الأطلنطي). 
وإذن فقد بدا أن تحرير "الإنسانى" هو فى جوهره بمثابة تحرير "للسماوي"، وبما يترتب على ذلك من أن زوعياً ممسوكاً فى قبضة الوهم والخرافة هو قرين زوحيٍ تتحكم ممالك الاستبداد وطواغيت الأرض، فى آليات إنتاجه للمعنى والدلالة، وهو ما يلزمنا الوعى به (مسلمين ومسيحيين). 

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 16 / مــــايو /2013


الخميس، مايو 02، 2013

عن السلف والشيعة.. تناقضٌ أم تنافس؟




لا يكاد العرب وربما المسلمون يتوقفون، على مدى القرون، عن اختراع حوامل يعلقون عليها انقسام عالمهم وتشظيه، وبما يعنيه ذلك من أن الأصل في العالم هو الانقسام والتباعد. 

وهذا النوع من الانقسام هو أحد نتاجات رؤية للعالم استقرت وغلبت داخل التراث الإسلامي، وذلك مع ملاحظة أن تلك الرؤية للعالم تعد من رواسب ومخلفات عالم القبيلة الذي جاء الإسلام، في سعيه إلى بناء عالم جديد، لكي ينفيه ويرفعه، لكنه استمر حياً وفاعلا في وعي العربي حتى الآن، على الرغم من غياب القاعدة المادية الحاملة له في الواقع. إن ذلك يعنى أن "القبلية" تستمر فاعلة في الوعي الراهن، ولو كرؤية محفزة للانقسام والتفكك، وذلك على الرغم من غياب الحامل الواقعي لتلك الرؤية (الذي هو القبيلة).
ولقد بدا أن أحد أكثر هذه الحوامل التي لا يكف هذا الانقسام عن تعليق نفسه عليها رسوخاً وحضوراً، هو ذلك الانقسام بين السنَّة والشيعة الذي لا يوجد ما هو أكثر فاعليةً منه في التجربة التاريخية للمسلمين، على العموم. فمنذ اللحظة التي انفجر فيها هذا الانقسام، مع تصاعد الأحداث التي انتهت بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فإنه لم يتوارى عن المشهد أبداً، وظل يُعاد إنتاجه تحت رايات دولٍ وأقوام تتبدل مواقعها على ساحتي التاريخ والجغرافيا، ولكن من غير تبديلٍ في عناصر المشهد ذاته. إذ هو مشهد الدم يتحرك من زمن المَقاتل الأولى في صفين وكربلاء إلى المَقاتل الجارية الآن بين ذات الطوائف المتنازعة، في نفس الساحات، وتحت نفس الرايات تقريباً. وكذا فإنه يبدو وكأن الإمبراطوريات التي تقاتلت قديماً تحت رايات عباسية وفاطمية، ثم رايات عثمانية وصفوية، إنما تنبعث الآن لكي تستأنف ما كان من صراعاتها القديمة.
وضمن سياق هذا الترجيع، فإن الورثة لا يستدعون الأحداث بمجردها، بل يستدعون معها كل الأبطال والرموز الذين كانوا هناك في الزمن الأول. وهكذا فقد حضر الرموز جميعاً من الصحابة وآل البيت وأمهات المؤمنين، وحضر معهم وربما قبلهم الفرقاء الذين تحزبوا لهم، وعلى النحو الذي بدا معه أن أربعة عشر قرناً من الزمان لم تكن إلا محض زمان ميت ظل الحدث طافياً فوق سطحه الراكد، حياً وطازجاً من دون أن يضعف أو يبهت. بل وحضرت اللغة بنفس ألفاظها وقاموس مفرداتها من قبيل "المبتدعة والرافضة وأهل الأهواء" وغيرها. وإذن فإنها الذاكرة التي لا تذبل أو تموت وهى تقهر التاريخ، وتُلقي به في غيابة جُب الماضي، ولا تسمح له إلا بأن يكون تاريخ تكرار واستعادة، وليس تاريخ إبداع وولادة. وبالطبع فإنه لن يكون غريباً، ضمن هذا الترجيع، أن يُطلق العرب على حربهم الأخيرة في الخليج، نفس تسمية "الفتنة الكبرى" التي سبق أن أطلقوها على ما جرى في حرب "صفين" القديمة.
ولسوء الحظ فإنها لا تكون الاستعادة - أبداً - لما جرى في صورته الأصلية، بل في صورته المتخيلة المصنوعة التي لا تكاد تنطق إلا بعكس ما قد جرى فعلاً. وهكذا فإن الانقسام بين السنّة والشيعة لا يُستعاد بوصفه انقساماً بين فرقاء اصطرعوا على السلطة واقتتلوا حولها، ثم راحوا يرتفعون بأصول اختلافهم من الأرض إلى السماء، حيث أخفوا الأصل السياسي الذي يتنازعون حوله وراء قناع ديني سميك. وقد كان الواحد من هؤلاء الفرقاء يسعى، من وراء هذا التعالي إلى السماء، إلى تحصين مواقفه وتثبيت اختياراته أو انحيازاته، عبر ما يخلعه عليها هذا التعالي من سمات الديني "المقدس" وينأى بها عن الارتباط بالسياسي "المدنس". والمهم أن ما كان مجرد انحيازات تحتاج إلى التعرية والفضح يتحول، عبر هذا التعالي، إلى "معتقدات" يتقاتل الناس ويموتون تحت راياتها المقدسة. لا تُستعاد تلك الجذور الدفينة للخلاف أبداً، بل إنه يُستعاد بما هو خلاف يقوم أصله ومنتهاه في السماء، وأعني فيما هو ديني محض، حيث يجرى التغييب الكامل لكل ما هو سياسي وواقعي.
ولأن السماء هي فضاء المطلقات، فإن ما يرتفع إليها لابد أن يصبح مطلقاً لا محالة. وهكذا فإن الخلاف بين السنّة والشيعة سوف يصبح، عبر الارتفاع به من الأرض إلى السماء، من قبيل "المطلق" الذي لا سبيل إلى حله أو رفعه. إذ الخلاف حين يصبح مطلقاً، يكون حقلاً لمجرد التصادم، وليس التصالح. وللغرابة، فإنه لم يكن الشيعة وحدهم هم الذين يرتفعون باختياراتهم السياسية إلى السماء، بل كان أهل السنة يمارسون على هذا النحو أيضاً. ولا يتعلق الأمر فقط بما قام به عثمان بن عفان حين تعالى بسلطته إلى السماء مُعتبراً أنها "قميصٌ ألبسه الله له"، بل وحتى بما صار إليه ابن تيمية، وهو أحد أكبر خصوم الشيعة من السلف. فإنه إذا كان الشيعة يؤسسون دعواهم على أحقية الإمام "علي" بالإمامة على ما يقولون أنه النص (الجلي أو الخفي) على إمامته من جهة، وعلى ما تواتر عن فضله من جهة أخرى، فإن ابن تيمية لا يفعل إلا أن يحشد ما لا حصر له من النصوص الدالة على تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان على "عليّ" من جهة، بل ويمضى إلى تفصيل النصوص الدالة على إمامة أبي بكر من جهة أخرى. فقد مضى في "منهاج السنة النبوية" إلى إن "كثيراً من أهل السنة يقولون: إن خلافته (يعني أبا بكر) ثبتت بالنص، وهم يستندون في ذلك إلى أحاديث معروفة صحيحة. ولا ريب أن قول هؤلاء أوجه من قول من يقول: إن خلافة علي أو العباس ثبتت بالنص، فإن هؤلاء (الشيعة) ليس معهم إلا الكذب والبهتان، الذي يعلم بطلانه بالضرورة كل من كان عارفاً بأحوال الإسلام"، وبما يعنيه ذلك من أن ابن تيمية (السلفي) لا يفعل إلا ما يفعله الشيعة من الارتفاع بأصل السلطة إلى السماء أيضاً. وفقط فإنه يجعل ذلك لأبي بكر، في مقابل ما يفعله الشيعة من جعلها كذلك للإمام "علي"، وبما يعنيه ذلك أن الخلاف بين السلف والشيعة، ليس خلاف "تناقض"، بل خلاف "تنافس".
وبالطبع فإن ذلك يحيل إلى أن السبيل إلى رفع الخلاف السنى الشيعي وتسويته، يكون في النزول به من السماء إلى الأرض. لابد إذن - وفى كلمة واحدة - من الرجوع بما أصبح من قبيل "المعتقدات" الإيمانية إلى كونه مجرد تعبير عن مواقف و"تحيزات" سياسية. ولسوء الحظ فإن الكثير مما يتعامل معه المسلمون كمعتقدات إيمانية هو، فى جوهره، محض غطاء لمواقف وتحيزات سياسية. 
وضمن سياق التنزُّل بهذا الخلاف إلى أصله في الأرض، فإن المرء سوف يكتشف أن الجذر الواقعي لهذا الخلاف بين السنّة والشيعة لم يكن مجرد خلافات السياسة وحدها، بل كان أيضاً تصارعات القبيلة، أو حتى تناقضات العشائر داخل القبيلة الواحدة. ولعل ذلك ما يقطع به كتاب المقريزي "في النزاع والتخاصم بين بني هاشم وبني أمية"، الذي يرى للصراع، الذي خرجت من أحشائه فتنة السنّة والشيعة، أصولاً تسبق ظهور الإسلام ذاته.

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 2 / مايـــــو / 2013


الخميس، أبريل 18، 2013

عن القرآن والسلطان




لم تترك السياسة شيئاً إلا وتلاعبت به، وقامت بتوجيهه لخدمة ما تريد وتشتهى، إلى حد أن القرآن لم يفلت، على جلاله وتساميه، من هذا المصير.
وبالطبع، فإنه يلزم التأكيد على أن هذا التلاعب لم يتحقق - على الرغم مما يجرى تداوله من التنازع بين السنة والشيعة - من خلال التغيير والتزوير، بل من خلال ما جرى من تثبيت طرائق بعينها فى تصوره والتعامل معه. 
ومن ذلك مثلاً ما جرى من "تصوره" على النحو الذى جعله إحدى الساحات الرئيسية لإنتاج هذه الأطلقة، وكان ذلك عبر التعالى به من وجود من أجل الإنسان، إلى وجود سابق عليه، ومن تركيب تبلور فى العالم إلى كينونة ذات حضور مكتمل سابق فى المطلق. ولقد ترافق هذا التحويل، بدوره، مع تحولات مسار السياسة فى الإسلام من ممارسة "مفتوحة" إلى ممارسة "مغلقة"، وبكيفية تحول معها من القرآن الذى كان مركزه وقطبه هو "الإنسان"، إلى القرآن الذى استعمره، واحتكره "السلطان". إذ يجب تذكُّر أن التحول فى مسار السياسة من "خلافة الشورى" (مع أبى بكر) إلى "المُلّك العضود" (مع معاوية) قد تلازم مع الانتقال من القرآن الذى "لا ينطق بلسان، وإنما ينطق عنه الإنسان" - بحسب قول الإمام "عليّ بن أبى طالب" الذى لا يعنى إلا أن الإنسان يدخل فى تركيب القرآن - إلى القرآن أمسك به السلطان، وراح يتصوره ناطقا بدلالة مطلقة، مُقرنا له بالسيف، ليحسم به معركة السياسة. 
والحق أن نظرة على الطريقة التى جرى التعامل بها مع لغة القرآن، لتكشف عن التحولات فى مسار الصراع السياسي. فإذ يورد السجستانى، فى كتاب المصاحف، أنه "لما أراد عمر أن يكتب (المصحف) الإمام أقعد له نفرا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم فى اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن قد نزل على رجلٍ من مضر"، فإن الأمر قد اختلف مع عثمان الذى يُروى عنه أنه قال: "إذا اختلفتم فى عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلغة قريش، فإن القرآن أُنزل بلسانهم". وللغرابة، فإن هذا التحول من "لغة مضر" إلى "لغة قريش" قد ترافق مع ما كان يتنامى فى ساحة السياسة - وعبر عن نفسه صريحا مع عثمان - من اعتبارها (أى السياسة) شأنا قرشيا خالصا، بعد أن كانت قبله ساحة مفتوحة يشاركها فيها غيرها. ولعل دليلا على هذا التحول - فى السياسة - يأتى مما أورده الطبري، فى تاريخه، عن المنازعة التى جرت وقائعها حين اجتمع "عبدالرحمن بن عوف" إلى من "حضره من المهاجرين وذوى الفضل والسابقة من الأنصار، وأمراء الأجناد" ليختاروا الخليفة من أهل الشورى الذين عينهم "عمر" قبل موته. فقد "قال له عمار (بن ياسر): إن أردت ألا يختلف المسلمون، فبايع عليَّا، فقال المقداد: صدق عمار، إن بايعت عليَّا قلنا: سمعنا وأطعنا. وقال (عبدالله) بن أبى سرح: إن أردت ألا تختلف قريش، فبايع عثمان، فقال عبدالله بن أبى ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم عمار بن أبى سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟. فقال رجلٌ من بنى مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية (يعنى عمار)، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها". ولعل كون الرجلين المتنازع عليهما (عليّ وعثمان) من قريش، هو ما يجعل القصد من عبارة الرجل المخزومى لابد أن يتجاوز ما يمكن فهمه منها من وجوب "قرشية" من فى الحكم، إلى أن الأمر يتعلق باستبعاد كل من سوى القرشيين من حق المشاركة فى تعيين الحاكم ونصبه، وبحيث تصبح السياسة احتكارا قرشيا خالصا لا شأن لغيرهم به. 
إن ذلك يعني، وبلا أدنى مواربة، جواز القول بأن الانتقال من "لغة المسلمين"، على تعدد قبائلهم، إلى "لغة قريش" وحدها، إنما يعكس تحولا كان يجرى فى مسار السياسة من كونها شأنا عاما يخص "المسلمين" جميعا، إلى كونها شأنا يخص "قريش" وحدها، أو يخص - حتى - مجرد بيت من بيوتها بحسب ما سيجرى لاحقا، مع بنى أمية وبنى العباس. لكنه، وبالرغم من هذا التضييق النازل من "لغة القبائل" إلى "لغة قريش"، فإنه يبقى أنها تظل - فى الحالين - من قبيل اللغة ذات الأصل الإنساني. وبالطبع فإن هذا التحول من "لغة الإنسان" إلى "كلام الله"، إنما يعنى بلوغ صيرورة "الأطلقة" - التى كانت تعنى تسييد المطلق "إلها" فى المجرد، و"حاكماً" فى المتعيِّن - إلى تمام الذروة والاكتمال. وهكذا، فإن ما يفسر ما حصل من التعالى بالقرآن (لغة وتاريخا وماهية) من الأرض إلى السماء، هو ما جرى من صعود المسلمين (سنة وشيعة) بخلافات السياسة من الأرض إلى السماء. ولعل ما يدعم هذا التوازى بين التعالى بالقرآن والتعالى بالسياسة، هو ما يبدو من أن التعالى بالقرآن كان قد ترافق مع سعى البعض، من الحكام المتأخرين على حقبة الخلافة بالذات، إلى التعالى بسلطتهم إلى مقام ينفلتون فيه من أى حساب أو مساءلة. وهنا، فإنه لم يكن ثمة ما هو أنسب من أن يخفى "الحاكم" نفسه وراء "القرآن"، الذى كان لابد - لذلك - من رفعه إلى السماء، لكى يكتسب، بدوره، (أعنى الحاكم) رفعة الكائن السماوي. ولعل هذه العملية من التقنُّع بالقرآن، هى التى ستقف وراء تبلور المأثور القائل: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". لكنه يبقى وجوب التأكيد على حقيقة أنه إذا كان السلطان قد كسب، بهذا التعالي، إطلاق سلطته، فإن ما ألحقه هذا التعالى بالقرآن من الضرر كان كبيرا، وذلك من حيث ما تآدى إليه من إطفاء أنواره، وإهدار خصوبته، بسبب ما فرضه عليه من إسكات صوته، وتجميد دلالته. ومن هنا وجوب السعى إلى تحرير "القرآن" من قبضة "السلطان". 

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 18 / أبريل / 2013


الخميس، أبريل 04، 2013

عن السلطوية والعقل القاصر




يحتاج المصريون - والعرب على العموم - إلى الوعى بأن السعى إلى تفكيك السلطوية الغليظة والملموسة (سياسياً واجتماعياً) التى تفيض بها عوالم العرب، عبر مجرد التعويل على نقد الأوضاع السياسية والاجتماعية القائمة والدعوة إلى إحلال منظومة سياسية بديلة محلها - قد بلغ نهايته. 
وأنه يلزم تطوير طريقة أخرى ترتكز على وجوب تفكيك المبدأ المعرفى الجواني الذى يؤسس للحضور الطاغى لتلك السلطوية فى الأبنية العميقة للوعي، أو حتى فى تلك الأبنية التى تضرب بجذورها الغائرة فى ما دون الوعي، وهى الأهم. وأعنى فى كلمة واحدة، أنه لابد من تجاوز مجرد النقد الراهن - على أهميته - للسلطوية التى تمارس حضورها الفظ على المستويين الاجتماعى والسياسي، إلى تفكيك ما يؤسس لحضورها من التصور المستقر فى الخطاب للعقل، على النحو الذى يجعله فى حالٍ من القصور والاحتياج. 
وإذا كان الوضع الذى ساد فى عالم الإسلام لترتيب العلاقة بين العقل والنقل، وأعنى بالكيفية التى ظل معها العقل تابعاً لسلطة النقل على نحو شبه كامل، هو ما يؤسس لهذا التصور الغالب عن قصور العقل واحتياجه، فإن أصل هذا الوضع لا يرتد - على عكس ما يتبادر سريعاً للذهن - إلى الإسلام نفسه، بل إنه يجد ما يؤسسه كاملاً فى قلب الثقافة السابقة عليه، والتى يبدو - وللمفارقة - أن الإسلام قد قصد إلى زحزحة وإزاحة نظامها الكلي، على الرغم من إدماجه لبعض عناصرها الجزئية فى صميم بنائه. فإنه إذا كان التحليل يكشف عن أن من قاموا على صياغة التيار الغالب فى ثقافة الإسلام (الذين يتناسلون فى سلالة ممتدة من علماء الأصول الكبار من مثل الشافعى وابن حنبل والأشعرى والباقلانى والجوينى والغزالى وابن تيمية وغيرهم) قد كرسوا تبعية - تتفاوت حدودها - من العقل للنقل، فإنه يبدو - وللغرابة - أن الترتيب الذى كرسه هؤلاء المؤسسون الكبار للعلاقة بين العقل والنقل، يمثل انحرافاً عن ترتيب العلاقة بينهما الذى ينبنى عليه فعل الوحى ذاته، وهو الفعل المؤسس للإسلام كدين. 
فالحق أن تحليلاً للمنطق الذى ينتظم فعل الوحى فى التاريخ يكشف عن أن الإنسان (عقلاً وواقعاً) يدخل فى تركيب ظاهرة الوحي، وعلى النحو الذى يكاد معه الوضع الإنسانى أن يصبح الشرط الحاكم لمنطق تلك الظاهرة الكامن، وإلى حد استحالة فهمها بمعزل عن هذا الوضع الإنسانى الحاكم. فإن تباين أشكال الوحى وتعدد صوره لا يمكن أن يجد تفسيره فى الإلهي الذى هو أصله ومصدره، بل فى الإنسانى الذى هو قصده وجوهره. ويرتبط ذلك بأن رد هذا التباين إلى المصدر الإلهى يؤدى إلى وجوب افتراضه محلاً للتغيُّر والتبدُّل، ولهذا فإنه لا يبقى إلا الارتداد به إلى السياق الإنساني، وعلى نحو يبدو معه أن مفارقة وتعالى المصدر الإلهى لفعل الوحى لم تحل دون تحدِّد هذا الفعل بالسياق الذى ينبثق داخله. فالوحى يتغير ويتبدَّل، إذن، لا لأن الله يتغير أو تبدو له البداوات بحسب ما اشتبه على البعض ممن قالوا بالبداء، بل هو يتغيَّر لأن واقع وعقل الإنسان (الذى هو مقصود الوحي) يكونان موضوعاً للتغيُّر والتبدُّل. وإذ يحيل ذلك إلى أن التحوّل فى ظاهرة الوحى من لحظة إلى أخرى يكون، هو نفسه، تابعاً للتحوّل فى بناء كل من العقل والواقع، فإن ما سيجرى لاحقاً من تصوّر العقل تابعاً للنقل يقوض هذا المنطق الذى تقوم عليه ظاهرة الوحي، وهو المنطق الذى يؤول تقويضه إلى افتراض ذات الله موضوعاً للتغيُّر والتبدُّل. 
يتبدى الوحي، إذن، لا بوصفه من قبيل المعرفة المعطاة المفروضة على الوعى كسلطة لا سبيل أمامه إلا لمحض الإذعان والخضوع لها، بقدر ما يمثل نوعاً من الاستجابة الخلاَّقة المطلوبة لوضع إنسانى مأزوم لا يقدر الوعي، الذى هو بنية تطورية فى جوهرها، على التعاطى معه فى مرحلة دنيا من مراحل تطوره. وهكذا فإن الوحى يتبلور كسند ومعين للوعي، ونقطة ارتكاز يستند إليها فى سعيه إلى تجاوز أزمة واقعه، ولا يتبلور أبداً كضد ونقيض يفرض نفسه كسلطة متعالية لا يملك الوعى إلا محض التبعية لها. 
ولسوء الحظ، فإن هذا الترتيب المستقر للعلاقة بين العقل والنقل فى الإسلام، والذى بدا أنه يجد ما يؤسسه فى الثقافة السابقة عليه، قد لعب دوراً بالغ المركزية فى تحديد نظام العلاقة الذى استقر، بدوره، فى الخطاب العربى الحديث بين الحداثة (التى راح يجرى اختزالها فى بضع تواليف إيديولوجية جاهزة معطاة، وبما يعنيه ذلك من اكتسابها كل سمات التنزيل - المنقول المفروض من أعلى) وبين كل من العقل والواقع، وعلى النحو الذى لم يكن فيه لهذين الأخيرين إلا أن يخضعان تماماً كتابعين لسلطة المعطى الإيديولوجى الجاهز (وبما يدنيهما من مكانة العقل التابع فى الخطاب التراثى للنقل المتبوع). 
وبالطبع فإن أى سعى إلى وضع مغاير لتلك العلاقة على نحو يؤدى إلى مقاربة منتجة للحداثة، يستلزم تفكيك الترتيب المستقر للعلاقة المؤسسة لها أولاً، وأعنى به ترتيب العلاقة بين العقل والنقل الذى استقر فى الإسلام، والذى يجد ما يؤسسه بدوره فى الأغوار البعيدة للثقافة الأسبق. وهكذا فإن ما يكاد يكشفه النظر، ليس فقط فى شتى مناحى الممارسة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العربية الراهنة، بل وكذا فى نظام الخطاب النظري - المعرفى الذى يقف وراءها، من الحضور الصريح لما ينتمى إلى ثقافة البداوة السابقة على الإسلام - حيث تبقى الآبوية والذكورية والعشائرية والطائفية هى أهم محددات الحياة الاجتماعية والسياسية، بينما تظل الطبيعة الريعية الخراجية هى السمة المحددة لبنية الاقتصاديات العربية، فيما تظل الامتثالية والاتباعية هى أحد أهم محددات النظام المعرفى العربي - ليقطع بحقيقة أن كل ما شهده العالم العربى من مظاهر للتحديث هنا وهناك، لا تجاوز كونها محض أقنعة لا تقدر على إخفاء ما يقوم وراءها من بداوة عاتية تأبى - رغم كل ما يثرثر به البعض - إلا أن تعلن حضورها الزاعق للكافة. وهنا تحديداً يكمن التحدى الذى يجابه موجة الثورة الراهنة التى تستهدف الدخول بالعرب إلى عصر الحداثة الحقة.

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 4 / أبريــل / 2013


الخميس، مارس 21، 2013

عن الاستبداد والدين




فى كتابه الرائد المبكر عن «طبائع الاستبداد» اختص الكواكبى العلاقة بين الاستبداد والدين بتحليل خَلُصَ فيه إلى تبرئة الإسلام، فى أصوله الأولي، من وصمة الاستبداد التى شاع إلصاقها به فى التقليد الاستشراقي. 
بل إنه سرعان ما انتقل إلى تأكيد أن ما عرفه الإسلام فى تاريخه من الاستبداد إنما هو «مما اقتبسه وأخذه المسلمون عن غيرهم، وليس هو من دينهم». ويحدد الرجل هذا «الغير» - الذين أخذ عنهم المسلمون ما عرفوه من الاستبداد - بأنهم «الأوروبيون فى عصورهم الوسطي»، والذين هم أسلاف صاحب خطاب الاستشراق الذى ينكأ جرح المسلم بخطابه المعادي. ولقد كان ذلك هو نفس ما فعله الأستاذ الإمام محمد عبده، حين راح يرد عن الإسلام تهمة مخاصمة العلم التى ألصقها به هانوتو، ولينتهى بعد ذلك إلى الثأر من هانوتو عبر إلصاق تهمة مخاصمة العلم إلى النصرانية التى ينتمى إليها خصمه الفرنسي. 
والحق أن الأمر عند الرجلين (الكواكبى وعبده) لا يتعدى حدود كونه رغبة وعى جريح فى تضميد جرحه عبر الثأر من المستشرق، ولو من خلال التعريض بأسلافه الأقدمين. فقد بدا للوعى المسلم أنه لا سبيل إلى مجابهة الحاضر الذى يختصه بالتأخر، بينما يخص الأوروبى بالتقدم والازدهار، إلا باستدعاء الماضى الذى كان الازدهار فيه للمسلمين، بينما كان التأخر من نصيب الأوروببين. وضمن هذا الاستدعاء فإنه يجعل حاضره المتأخر هو مجرد صورة من ماضى الأوروبي، بينما يجعل الحاضر الزاهى للأوروبى هو صورة من ماضيه كمسلم. وهو إذ يرد تأخره إلى أوروبا، بينما يرد ازدهار «الأوروبي» إلى الإسلام، فإنه يستريح ويبرأ من جرحه المهين. 
وبهذه التبرئة للإسلام فإن الكواكبى يضع نفسه ضمن أفراد الطابور الطويل من مفكرى لحظته، الذين يأتى على رأسهم الأستاذ الإمام محمد عبده، والذين تبنَّوا - فى مواجهتهم لخطاب الاستشراق المتحدى - خطاباً اعتذارياً ينبنيء على التمييز بين إسلام؟ يبقى بريئاً من أى نقص من جهة، وبين مسلمين يمثلون النقيض المتدهور المنحط لهذا المثال الكامل النقى من جهة أخري. إنها الأطروحة التى تجد تعبيرها الأمثل فيما مضى إليه الأستاذ الإمام - بعد تعرُّفه على أوروبا - من أنه قد وجد فيها إسلاماً من غير مسلمين، وذلك فى مقابل ما تزخر به ديار الإسلام من مسلمين بغير إسلام. وبالطبع فإنها ذات الأطروحة التى تلح على قراءة الأزمة فى ابتعاد الناس عن الإسلام، والتى يركز عليها دعاة هذه الأيام التليفزيونيون خطابهم. 
وبالرغم من هذا الاتفاق بين إصلاحيى القرن التاسع عشر ودعاة هذه الأيام التليفزيونيين، فى قراءة أزمة التأخر العربى بعامل الابتعاد عن الإسلام، فإنه يبقى أن قراءة كلٍ منهما لتلك الظاهرة تختلف عن قراءة الآخر لها على نحو كامل. وللمفارقة فإن القراءة الإصلاحية، القادمة من القرن التاسع عشر، لهذه الظاهرة، كانت أكثر وعياً واستنارة من القراءة الراهنة التى يقدمها دعاة هذه الأيام لها. إذ فيما يلح دعاة هذه الأيام على تفسير ابتعاد الناس عن الإسلام بالميل المتأصل فى نفوسهم إلى الهوي، وعلى النحو الذى يترتب عليه ضرورة زجرهم وقمعهم، فإن «رجل الإصلاح» قد ألح، فى المقابل، على مسئولية الاستبداد الكبرى فى إبعاد الناس عن جوهر الإسلام. ومن هنا فإن رجل الإصلاح لم يكن أكثر فهماً فقط، بل وكان أكثر جرأة وشجاعة من شيوخ هذه الأيام البؤساء، الذين لا يفعل الواحد منهم - للأسف - إلا أن يكون مُعيناً للمستبد فى السيطرة على المحكومين. 
قد مضى «رجل الإصلاح» يفضح الطريقة التى يسطو من خلالها المستبد على الدين ويحيله إلى مطية لطغيانه واستبداده، سواء كان ذلك من خلال اتخاذه لنفسه «صفة قدسية يتشارك بها مع الله، أو تعطيه مقاماً ذا علاقة مع الله، أو يتخذ بطانة من أهل الدين المستبدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله». وبالطبع فإن هذا الامتطاء للدين، من جانب المستبد، هو ما يجعل منه مجرد زخارف ورسوم شكلية خارجية، وبحيث يتحول إلى ما يشبه الدواء المهدئ الذى تتعاطاه جماهير يائسة محبطة، لتتعزى به عما تعانيه من الاستبداد والقهر، ويفقد دوره الجوهرى فى تنوير الإنسان وتحريره بالأساس، وبما يعنيه ذلك من تأكيد دور المستبد فى تفريغ الدين من مضمونه وتحويله إلى مجرد شكل فارغ. 
وبالطبع فإن ذلك يرتبط بحقيقة أنه إذا كانت الصورية والشكلانية تعنى أن العلاقة بين الإنسان وغيره، هى علاقة ارتباط خارجى محض، ولا مجال فيها لأى أبعاد باطنية، وبما يعنيه ذلك من أن «خارجية» الروابط هى أساس الشكلانية وأصلها، فإن تلك «الخارجية» - كخصيصة جوهرية للارتباط بين الظواهر والأشياء - إنما تجد ما يؤسسها فى بنية الاستبداد ونظامه. إذ يعنى الاستبداد أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تقوم، فى جوهرها، على خضوع المحكوم وإذعانه لسلطة تفرض نفسها بالقهر والاعتساف، وبما يستتبع ذلك من أنها تقوم على محض الإكراه والقسر الخارجي، وليس الرضا والقبول الباطني. وهكذا فإن ما أهم ما يترتب على الاستبداد أنه ينطوى على ترسيخ نمطٍ من العلاقة يقوم على الإكراه والزجر الخارجي، وليس القبول الرضائى الباطني. وبالطبع فإن هذا الضرب من الارتباط الخارجى يستحيل إلى خصيصة لازمة لكل أشكال العلاقات التى تقوم، بين البشر، فى ظل حكم الاستبداد، سواء علاقتهم مع الله أو بينهم وبين أقرانهم. فالدين يستحيل إلى محض طقس شكلى ينبنى على علاقة خارجية محضة بين العابد والمعبود، وتتحول الأخلاق، بدورها، إلى مجرد إلزامات وقيود خارجية، لا يلبث المرء أن يتهرب من تبعاتها الثقيلة حين تواتيه الفرصة. وتصبح السياسة مجرد وثائق فارغة، وجملة ممارسات إجرائية شكلية تقوم عليها مؤسسات ومجالس صورية، وحتى العلم يتحول إلى محض تقنيات وعمليات سطحية يمارسها البعض على نحو يدنو بها من الممارسة السحرية، وبما يفسر استمرار سيادة عقل التقليد والخرافة. 
وإذ الاستبداد يؤول، هكذا، إلى تبديد المحتوى الروحى والأخلاقى للدين، فإنه لن يكون غريباً أن يجد هذا الاستبداد فى الدين الصورى الشكلى ما يدعمه ويطيل أمد بقائه، وأعنى من حيث يكون مصدر عزاء، لا استنارة، للمحكومين. وبالطبع فإن ذلك يعنى أن التديَّن الشكلى هو قرين الاستبداد فى تفسير التأخر العربي، وبما يؤكد بؤس خطاب دعاة هذه الأيام الذى يرد التأخر إلى ابتعاد الناس عن الدين، وأعنى من حيث لا يجاوز الدين، عندهم، حدود الأشكال والرسوم. 
ويبقى لزوم التأكيد على الأخطر، وهو أن الاستبداد يأبى إلا أن يترك بصمته على البنية الباطنية للدين، وأعنى من حيث يفتح الباب أمام اتجاهات بعينها لاحتلاله من الداخل، وتقديم رؤاها على أنها، وحدها، هى التعبير المطابق له، وبحيث تجعل من الاختلاف معها، اختلافًا مع الدين ذاته، وبما يجعل منه - فى النهاية - واجهة للاستبداد، وغطاء له. ولسوء الحظ، فإن ذلك هو بعض ما يصطخب به المشهد المصرى الراهن. 

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 21 / مــــارس / 2013

الخميس، مارس 07، 2013

الخطر على الديمقراطية




لعل أخطر ما يجابه أى تجربة فى التحول الديمقراطى هو التعامل مع الأفكار - بصرف النظر عن نوعها ومصدرها - كمطلق ينبغى تكراره، وأعنى من حيث ما تنطوى عليه الإطلاقية، عموماً، من الإهدار الكامل للفكرة الإنسانية.
وإذا كانت الفكرة الدينية هى الأكثر إغراء بالتعامل معها كمطلق، فإن تحليلاً لظاهرة الدين والوحى، على العموم، ينتهى إلى وجوب الوعى بدخول العنصر البشرى، على نحو حاسم، فى التركيب المنطقى واللغوى والتاريخى لتلك الظاهرة؛ وعلى النحو الذى يستحيل معه استيعابها خارج تحديدات الشرط الإنسانى أبداً. فإذ يبدو لزوم أن يكون الشرط الإنسانى هو الأساس المنطقى للانتقال من لحظة إلى أخرى فى تركيب ظاهرة الوحى (حتى لا يُصار إلى رد هذا الانتقال إلى تغيرات تطرأ على الذات الإلهية كمصدرٍ للوحى)، فإن تنزيل الوحى داخل لغة ما (واللغة ليست محض وسيط اتصال محايد، بل نظام تفكير كامن خلف الألفاظ والعلاقات التى تقوم بينها)، إنما ينطوى على تحددِّ الوحى بهذا النظام الكامن. ومن جهة أخرى، فإن كون الوحى يكون حواراً مع واقع المُخاطبين به، إنما يكشف عن تحددِّه بما يمثل تاريخهم الحى. وبالطبع فإن ذلك يعنى أن الوحى لا يفرض نفسه كبنية مغلقة ومطلقة تعلو على البشر (تفكيراً وتاريخاً)، بل كتركيب يقوم على الحوار المفتوح مع تاريخهم ونظام تفكيرهم. وهكذا، فإن الوحى الذى يتخفى الكثيرون وراءه من أجل تثبيت رؤاهم الخاصة كمطلقات لا تقبل التجاوز، يبين - هو نفسه - عن روحٍ تخاصم «الأطلقة» وتأباها. وللمفارقة، فإن ذلك يعنى - بوضوحٍ وصراحة - أن الوحى ليس هو الأصل المنتج للأطلقة (كآلية تفكير تسود فضاء التفكير العربى من دون تمييزٍ بين تراثى وحداثي)، بقدر ما هو أحد أكبر ضحاياها.
لابد، إذن، من التمييز بين «المطلق الإلهى» الذى إنفتح بوحيه على البشر (تفكيراً وتاريخاً)، وبين «الأطلقة» كآلية يسعى بها البعض إلى وضع ما يدخل البشر فى تركيبه، خارج مجال التفكير والتاريخ. وللغرابة، فإن ذلك ما أدركه الجيل الأول من مُتلقى الوحى المحمدى (الصحابة)، الذين تكشف تجربتهم عن روحٍ تخاصم «الأطلقة»، وعن إدراكٍ للوحى كساحة للحوار المفتوح الذى لا يتقيَّد إلا بدواعى المصلحة، كما تبدَّت لهم حينها. وهكذا فإنهم لم يضعوا الوحى كأصل أوليٍّ مطلق، لا مجال إلا لإكراه الواقع على النزول تحت تحديداته والانصياع لتعليماته، بل تحاوروا معه بما كشف عن وعيهم بوجوب إنصات الوحى ذاته لصوت الواقع.
يقول إمام أهل السنة الكبير أبوالمعالى الجوينى: «إن سُبِرَ (أى جرى فحص) أحوال الصحابة رضى الله عنهم، وهم القدوة والأسوة فى النظر، لم يُرَ لواحدٍ منهم فى مجالس الاستشوار (أى المشاورة) تمهيد أصل أو استثارة معني، ثم بناء الواقعة عليه (كما فعل اللاحقون عليهم)، ولكنهم يخوضون فى وجوه الرأى من غير التفاتٍ إلى الأصول كانت أو لم تكن. فإن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما كانوا يجرون على مراسم الجدليين فى تعيين أصلٍ والاعتناء بالاستنباط منه، إنما كانوا يرسلون الأحكام، ويعلقونها فى مجالس الاستشوار (المشاورة) بالمصالح الكلية». ينكشف هذا النص النادر والثمين عن طريقة منفتحة فى مقاربة الوحى تقوم على «الخوض فى وجوه الرأي، وإرسال الأحكام وتعليقها على المصالح الكلية، من دون تمهيد أصلٍ يُبنى عليه كنموذجٍ مطلق»، وذلك فى مقابل ما مارسته الأجيال اللاحقة على هذا الجيل الأول من مُتلقى الوحى (وممن يُقال أنهم السلف بالذات)، من «تمهيد الأصول، وعدم الالتفات إلى الرأي». وضمن سياق هذا التمهيد للأصول فإنهم قد مارسوا ضروباً من «الأطلقة»، ليس للوحى فحسب، بل وحتى لتجربة الصحابة المنفتحة ذاتها، والتى استحالت- تبعاً لذلك- من تجربة لها تاريخ إلى أصل مطلق يقف خارج أى تاريخ. ولقد تحققت هذه الإحالة لتلك التجربة من «تاريخ» إلى «أصل مطلق» عبر عزلها عن السياق الذى تبلورت داخله؛ وبما آل إلى تبديد روحها بالكلية، حيث استحالت إلى محض ركامٍ من الشواهد والأصول النصية المبعثرة، والتى كان لابد أن تفقد مع هذا التجريد والتبعثُّر مغزاها ودلالتها الأعمق. وإذ تتحول التجربة إلى «أصل» فإنها تثقل على كل التاريخ اللاحق، وذلك من حيث تغدو موضوعاً للامتثال والتكرار، بدل أن تكون ساحة للتمثُّل والحوار. وإذن، فإن «الأطلقة» - وليس سواها - هى ما يحيل تجارب البشر من «تاريخ حي» إلى «نصٍ أو أصلٍ جامد» يقف خارجه؛ على النحو الذى يكون معه أشبه بالشاهد المصمت المُعلق على قبر صاحبه، والذى لا يعرف الخَلَف اللاحق إلا التعبُّد فى ظلاله. وتلك هى جوهر الممارسة السلفية؛ على أن يكون معلوماً أن هذه الممارسة لا تقف عند حدود من يُقال أنهم سلفيو هذا الزمان، بل تتجاوزهم إلى من يُقال أنهم حداثيوه أيضاً. و سواء مورست هذه «الأطلقة»، تحت يافطة الدين أو العلمانية، فإنها تمثل خطراً داهماً على الدولة.
ولقد كانت السياسة هى أحد مجالات التحوُّل بتجربة الصحابة من «تاريخٍ» إلى «نصٍ» أو أصلٍ يقف خارجه. فإذ لم يتوافَّر للجيل الأول من المسلمين، ما يمكن أن يكون «نصاً» أو أصلاً يفكرون به فى السياسة؛ نتيجة لعدم توافر عرب ما قبل الإسلام على تراثٍ مؤثر فى ممارسة السياسة والتفكير فيها من جهة، وبسبب سكوت الوحى عن تعيين طرائق محددة لممارستها والتفكير فيها، من جهة أخري، فإنه لم يكن أمام هذا الجيل إلا أن تكون له «تجربته» الخاصة فى السياسة. ولقد كانت «تجربة» تتسم بالانفتاح والحرية، من حيث تعليق الأحكام على المصالح، واعتبار شروط ومحددات الواقع، وعدم التقيُّد بأصلٍ أو نصٍ يحكمون به الواقعات والنوازل السياسية. ومن هنا، مثلاً، أن هذه التجربة لم تعرف وصفاً منضبطاً منذ البدء للقائم بأمر السلطة (فهو «الخليفة» أو «أمير المؤمنين»)، كما لم تعرف طريقة واحدة فى تعيين هذا القائم بالسلطة (حيث اختلفت طريقة تعيين الخلفاء من الأول إلى الرابع)، كما لم تعرف ضوابط محددة لممارسة السلطة وحدود العلاقة بين الحاكم والمحكوم (وبما ترتب على ذلك من المشكلات التى انفجرت فى وجه الخليفتين الثالث والرابع، وأودت بهما إلى مصائرهما الدامية). ولكن الغريب حقاً، أن هذه التجربة الحية المتوترة سوف تتحول - مع الاشتغال عليها بمنطق الأطلقة؛ وذلك عبر تفتيتها إلى مفردات مبعثرة ومعزولة عن السياقات الحاكمة لها - إلى نموذجٍ جرى التعالى به إلى مقام «الأصل» المطلق الذى يلزم إعادته وتكراره. وغنيٌّ عن البيان أن ذلك قد آل إلى إفقار التجربة، بعد أن أفقدها عناصر الانفتاح والحيوية، وأحالها إلى محض شاهدٍ مُصمت يُراد من كل واقعٍ لاحق أن يكون مجرد ظلٍ له.
ولسوء الحظ، فإن محض نظرة عابرة على ما تطرحه فيالق الإسلام السياسى التى تتصدر المشهد فى عالم ما بعد الثورات العربية، إنما تكشف عن الهيمنة الكاسحة لهذه «الأطلقة» على قراءتها للإسلام (نصاً وتاريخاً)، وهو ما يمثل الخطر المحدق على ممكنات الديمقراطية. 

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 7 / مــــــارس / 2013


الأحد، فبراير 24، 2013

د. علي مبروك وهل الديموقراطية ممكنة بدون تنوير



د. علي مبروك وهل الديموقراطية ممكنة بدون تنوير

حركة مصر مدنية 
24 / فبرايــــــــــــــر / 2013 

حلقة نقاشية مع د. علي مبروك 

المجموعة 
أ. محمد حربي 
أ. عمرو شوقي 
أ. علي قورة 
أ. شمياء محمود



الخميس، فبراير 21، 2013

ركائز الحكم الرشيد




تدرك السياسة‏,‏ وخصوصا حين تكون قامعة مستبدة‏
, أن العقل المنفتح غير المقيد هو أخطر ما يتهددها;
وذلك من حيث يؤشر علي أن نقيضها من الحكم الرشيد هو المؤدي- وليس سواه- إلي تحقيق صالح المجموع, ومن هنا ما تسعي إليه, علي الدوام, من إزاحته وإبعاده.

وإذ تدرك استحالة إنجاز هذا الإنجاز بما تمتلك من وسائل الترويع والبطش, فإنها تتوسل بالدين والشرع لتضعهما في مواجهة معه, وللغرابة, فإن ذلك لا ينتهي إلي إسكات صوت العقل فحسب, بل إلي تهديد منظومتي الدين والشرع علي نحو كامل, ولسوء الحظ, فإن تراث الإسلام( السني والشيعي) يفيض بما يؤكد التاريخ الطويل لهذه الممارسة التي تسعي فيها السياسة لإزاحة العقل باستخدام سلاح الشرع, ولعل من قبيل المفارقة, أن ثورات العرب الأخيرة تكاد تنعش هذه الممارسة التي كان الظن أن تهافتها لم يعد موضع شك, بعد أن فضح الإمام محمد عبده عوارها وفسادها قبل أكثر من قرن.

بالطبع فإن السياسة لا تكف عن الإيهام بأن هذا الإقصاء للعقل لا يكون مقصودا به تحصين ذاتها, بقدر ما هو أحد مطالب ومقتضيات الشرع, وهكذا فإنها تراوغ بالمبالغة في الإخفاء التام لنفسها من المشهد; وبحيث تحقق هذا الإقصاء للعقل فوق ساحات بعيدة عن ساحته, لكنه وبالرغم من حقيقة أن الساحات التي يجري فوقها تأسيس الخطاب الإقصائي للعقل في تراث الإسلام لا تتصل- بالفعل- اتصالا مباشرا بالسياسة, بل تتصل بالعلوم الشرعية والدينية; فإن ما يظهر من أن هذا الإقصاء للعقل يؤدي إلي اختلال نظامي الدين والشرع ذاتهما, إنما يقطع بأن المقصود به هو تحصين السياسة, وليس الدين والشرع, بحسب ما يجري الإيهام, وهكذا فإن الأمر لا يتجاوز حدود أن السياسة تتخفي وتترك للآخرين أن يحسموا معاركها فوق ساحات الاشتغال بالمقدس لكي تغطي علي بؤس قصدها المدنس.

من هنا فإنه إذا كان خطاب الإقصاء للعقل, باسم الشرع, قد راح يؤسس نفسه داخل علم أصول الفقه, فإنه يبقي إمكان بيان عوار هذا الخطاب من داخل هذا العلم نفسه, فقد مضي حجة الإسلام الغزالي- في كتابه المستصفي في علم الأصول- إلي أن الدور الرئيسي للعقل هو إثبات الشرع, ثم يقوم بعد ذلك بعزل نفسه والاكتفاء بالتلقي عنه, لأن الشرع بعد إثباته هو ما يحدد للإنسان الحسن والقبح في الأفعال; وبكيفية لا يكون معها في احتياج إلي غيره, كالعقل مثلا, وإذ يؤسس الغزالي حجته في عزل العقل علي أنه يضع قيما متباينة ومتغيرة للأفعال, فإن ذلك يعني أنه يتصور أن دلالة الحسن والقبح التي يسبغها الشرع علي الأفعال تكون نهائية ومطلقة; وبمعني أن ما قضي الشرع بحسنه مثلا, يظل حسنا علي الدوام, ومن دون أي تعلق بالوقت والبيئة والحال.

ومن حسن الحظ, أنه يستحيل, من داخل علم الأصول نفسه, قبول ما يقرره الغزالي من دوام دلالة الأحكام الشرعية وثباتها; وأعني من حيث يدخل الوقت في جوهر تركيبها, ومن هنا ما احتج به الرازي في مواجهة منكري النسخ- الذي لا يكون إلا في الأحكام دون سواها من الأخبار وغيرها- من أنه إن قيل:
لو كان الثاني(الحكم الناسخ) أصلح من الأول( الحكم المنسوخ), لكان الأول ناقص الصلاح, فكيف أمر الله به؟
قلنا: الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلي الوقت الأول, والثاني بالعكس, وإذ يربط الرازي صلاح الحكم الشرعي بوقته, فإنه يقرر استحالة أن تكون دلالته نهائية ومطلقة, بل إنه يدور ويتحول مع الوقت, والملاحظ أن الرازي لم يربط هذا الدوران للحكم وتحوله مع الوقت بما يترتب علي ذلك من مصلحة للعباد, بل بما يئول إليه من رفع شبهة أن يحكم الله بما هو ناقص;
 وبما يعنيه ذلك من أن رفع الشبهة عن الله يرتبط بتقرير ما فيه صلاح الناس.
فضلا عن ذلك, فإنه يبدو أن نسبة الثبات والدوام إلي الأحكام يتعارض مع ما استقرت عليه التجربة الفقهية, حتي مع الجيل الأول من المسلمين; حيث بدا أن ثمة أحكاما ثابتة بالشرع, وبما يترتب علي ذلك من وجوب تقرير حسنها, ومع ذلك فإنه قد جري تعطيل العمل بها بعد بعض الوقت, وعلي النحو الذي يحيل إلي أنها قد توقفت عن أن تكون حسنة, وكمثال علي ذلك, فإن الشرع قد قرر نصيبا للمؤلفة قلوبهم في الصدقات, وقد أورد القرطبي عن أبي جعفر النحاس قوله إن هذا الحكم فيهم ثابت; ولذلك فإن الأمر( الحكم) ماض أبدا, لأن الآية محكمة, لا نعلم لها ناسخا من كتاب ولا سنة,
 وبالرغم من هذا الثبات المقرر للحكم, فإن القاضي ابن العربي قد مضي إلي أن الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا, وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم, كما كان رسول الله يعطيهم; وبما يعنيه ذلك من أن الحكم ليس ثابتا علي نحو مطلق, بل إنه موقوف علي شرط بعينه, وعلي النحو الذي يجعله قابلا للتحول, ومن حسن الحظ, أن هذا التحول قد حدث بالفعل; حين أوقف عمر بن الخطاب دفع هذا السهم( المقرر بالقرآن) إلي اثنين ممن تقطع المصادر بأنهما من المؤلفة قلوبهم هما عيينة بن حصن والأقرع بن حابس,
 وخاطبهما قائلا: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل, وإن الله قد أعز الإسلام, فاذهبا وأجهدا جهدكما, وهكذا فإن تغير حال الإسلام من الذل إلي العزة قد قضي برفع ما هو ثابت بشرع محكم; وعلي النحو الذي يقدح في أن يكون الشرع مقررا لقيمة ثابتة, كقيم السواد والبياض التي لا تختلف في حق زيد أو عمرو, علي قول الغزالي, بقدر ما يبدو أن القيمة التي يقررها تختلف, بدورها, تبعا لاختلاف الوقت والحال, ولعل المرء حين يدرك أن العقل هو ما يقف وراء ما يحدث من التحول في دلالة الحكم الشرعي ذاته, يصل إلي استحالة قبول ما يقرره الغزالي من وجوب أن يقوم العقل بإثبات الشرع ثم يعزل نفسه ويكتفي بمجرد التلقي; وأعني من حيث يبقي الشرع بعد الإثبات في احتياج دائم إلي اشتغال العقل عليه, فإن كون دلالة الحكم الشرعي ليست نهائية ومطلقة, بل مفتوحة ومتحركة يؤكد هذا الاحتياج للعقل الذي يقوم بالدور الحاسم في هذا التحريك للدلالة.

وإذ يكون الشرع في احتياج إلي العقل لكي يظل قادرا علي التجاوب مع مقتضيات الحال والوقت التي لا تقبل الثبات, فإن ذلك يعني أن في عزل العقل وإبعاده ما سيؤدي إلي تقويض نظام الشرع بالكلية,وإذ لا يمكن أن يقصد الشرع إلي تقويض نفسه, عبر عزل العقل, فإنه لا يبقي إلا أن السياسة هي ما يقف وراء هذا العزل, لكنه يبقي وجوب التأكيد علي أنها إذ تعزل العقل, فإنها تقوم بتقويض الشرع....فهل يتريث المندفعون إلي هدم كل شيء ؟

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 21/ فبرايــــــر/ 2013



الخميس، فبراير 07، 2013

النخبة والتفكير العقيم







ستظل الأزمة المصرية تتفجر عنفاً دموياً‏,‏ علي نحو متواتر‏,‏ ما لم نسع إلي الإمساك بجذورها العميقة‏,‏ والوعي بالأسباب الكامنة المؤدية إليها.
 وأما ما يكتفي به البعض من ردها إلي ما يدبره الآخرون (في الخارج والداخل) من المؤامرات والمكائد, بقصد تعويق المسيرة وإسقاط المشروع, فإنه يبقي محض عادة مصرية (أو حتي عربية) في الفرار من الأزمات, بدلا من مواجهتها.

وإذ لن يتمخض الفرار من مواجهة الأزمات إلا عن المزيد من الضحايا والتعقيدات إلي حين انفجارها من جديد, فإنه يلزم التأكيد علي أن التفكير هو السبيل- لا سواه- إلي الخروج الآمن من الأزمات التي تجابه الشعوب والجماعات.
علي أنه يلزم التمييز, هنا, بين التفكير في الأزمة, بما هي واقع ثقيل يفرض نفسه, ويلزم الانفلات منه سريعاً, وعلي أي نحو; وهو العمل الذي يمارسه الكثيرون بالطبع, وبين التفكير المتعمق في نوع التفكير المسئول عن إنتاج هذه الأزمة.
 إذ فيما يكتفي(الأول) بالوقوف عند السطح معالجا للقشور البرانية الملموسة, ومنحصرا في إطار الحلول الإجرائية, فإن (الثاني) ينفذ إلي الأعماق, متعاملا مع الجذور الباطنية المتخفية, ومبلورا للمخارج التأسيسية.

والحق أن نظرة تاريخية علي الأزمة المصرية الممتدة علي مدي عقود, لتكشف عن رسوخ التركيز ـ في التعامل معها- علي مجرد جوانبها الإجرائية الشكلية, مع الإهمال الظاهر لأصولها التأسيسية.
وعلي الرغم من أن هذا التركيز علي الجوانب الإجرائية لم يقدم إلا حلولا فقيرة, عجزت عن إخراج مصر من أزمتها, فإن كون الأطروحة السياسية هي التي هيمنت علي معالجة الأزمة المصرية, لم تقلل أبدا من سطوة التركيز علي كل ما هو إجرائي.
 ولعل الوقت قد حان ـ بعد الثورة علي مبارك بالذات - لتجاوز هذا الركام البائس بكل ما يصاحبه من عجز وعقم. إذ المؤكد أن تحقيق ما تطمح إليه الثورة من الدخول بمصر إلي مرحلة جديدة من تاريخها, إنما يستلزم التحول عن المقاربة الاختزالية الإجرائية لأزمتها إلي التعامل معها بمنظور شمولي تأسيسي; وبما يعنيه ذلك من ضرورة أن تكون معالجة الجوانب الإجرائية للأزمة الراهنة مسبوقة ـ أو مصحوبة - بالنظر في أصولها العميقة الكامنة; والتي لا تكاد- لسوء الحظ - أن تكون موضوع انشغال النخبة المتغلبة.

 وينطلق هذا التأكيد من حقيقة أن كل إجراء وعمل لابد أن يكون مسبوقا بتأسيس ونظر, وإلا فهو البناء علي غير أساس.
وبالرغم من أن للأزمة تاريخا ممتدا منذ الاصطدام المصري مع الحداثة, قبل قرنين, فإنه يمكن- ولأسباب عملية خالصة - تركيز النظر علي سياق الاحتدام الراهن للأزمة, اللاحق علي رحيل مبارك من المشهد.
حيث أظهرت الطريقة التي جرت بها إدارة مرحلة ما بعد هذا الرحيل, عن الغياب شبه الكامل لأي نظر وتأسيس, والجري علي العادة المصرية في الانشغال بما هو إجرائي, بكل ما تمخض عنه من التخبط والعشوائية.
 وإذ يستسهل الكثيرون ربط ذلك كله بالجهة التي أوكل إليها مبارك إدارة أمور البلاد بعد رحيله( وهي المجلس العسكري), فإنه يلزم التأكيد علي أن الأمر لا يرتبط أبدا بهذه الجهة أو تلك, بقدر ما يرتبط بما يغلب علي النخبة المصرية, بجميع شرائحها, من طريقة في التفكير تقوم علي تغليب (الإجرائي) علي (التأسيسي).

 ولعل ما يؤكد علي أن أمر الأزمة يتعلق بما هو أبعد من تعليقها في رقبة جهة بعينها, هو ما يبدو من أن خروج هذه الجهة من المشهد لم يقلل من حدة الأزمة المستحكمة, علي مدي العامين الفائتين.
 ومن هنا ضرورة توجيه النقد إلي طريقة التفكير الغاطسة التي تؤسس لطريقة, لا تزال مهيمنة في إدارة الشأن المصري, وليس لمجرد الجهة التي تقوم علي هذه الإدارة.
ولعل مقاربة من النوع الشمولي التأسيسي للأزمة الراهنة, في مصر, كانت تقتضي, أولا, تعيينا وتشخيصا دقيقا لطبيعة الحالة المصرية بعد رحيل مبارك, ليتسني تعيين الطريقة المثمرة في إدارة المرحلة اللاحقة, علي النحو الذي يجنب البلاد مخاطر الانقسام والتشظي, ويهيئها لتحول ديمقراطي ناجح.
 ولعل تشخيصاً كهذا ينطلق من أن مصر كانت تعيش, علي مدي عقود, استبدادا وركودا سياسياً, وضروباً من الانقسام والتمايز لا تقف عند حدود التفاوت المادي, بل تتعداه إلي تباينات القيم والسلوك; حيث بدا وكأن قطاعاً واسعاً من المصريين قد راح يفقد ثقته في كل ما له علاقة بالعصر, وارتد - ساخطاً أو يائساً ـ لا يري خلاصا له خارج إطار الروابط التقليدية (التي كان الدين مركزها الأهم) .
 وضمن هذا السياق, فإن الدين لم يعمل كمجرد خشبة للخلاص فحسب, بل وتحول إلي أداة لامتصاص كل ضروب الكبت التي عانت منها الجماهير في مواجهة دولة الفساد والقمع .
 وقد ترافق ذلك مع وعي لم تتجذر فيه تقاليد الدولة الحديثة; من حيث هي فضاء تتوزع داخله السلطة بين مؤسسات, تشتغل الواحدة في استقلال عن الأخري, ولكن في تناغم معها, ومن دون أن تتطابق مع أشخاص القائمين عليها.
 وفي كلمة واحدة, فإن مصر قد خرجت من قبضة مبارك, وأغلبية شعبها علي علاقة قلقة مع( الدولة) من جهة, وعلي ثقة لا حد لها في( الدين) من جهة أخري.
وبالطبع, فإن مجتمعا قد خرج يعاني علي هذا النحو, كان لابد أن تدرك نخبته أن التنافسية هي آخر ما يصلح له, كآلية لإدارة شأنه السياسي; وذلك من حيث أنها ستؤدي إلي انقسامه وتشظيه علي نحو كامل; وهو ما تعانيه مصر في الوقت الراهن, لسوء الحظ, لكن ميل النخبة المتأصل إلي كل ما هو إجرائي قد جعلها تتوهم أنه لا ديمقراطية من دون تنافسية; ومن دون أن تدرك أن الجوهر العميق للديمقراطية, ليس في التنافسية التي تبقي محض إجراء تشتغل به الديمقراطية في حال توافرت البيئة التي تجعل اشتغاله ممكنا.
 وللغرابة, فإن بناء هذه البيئة كان يقتضي, في الحالة المصرية, إدارة الشأن السياسي علي نحو توافقي ، فالتوافق هو ما كان سيسمح بتثبيت فضائل المشاركة والمحاورة والعمل مع صاحب الرأي المغاير; وهي الشروط اللازم توافرها لأي ممارسة ديمقراطية حقيقية, وذلك بدلا مما آلت إليه التنافسية من إذكاء رذائل الإقصاء والمنابذة والمفاصلة التي تكاد تودي بمصر إلي الهاوية...
فمتي تتخلص النخبة من تفكيرها الإجرائي العقيم؟

تم النشر بجريدة الأهرام بتاريخ 7 / فبرايــر/ 2013
لينـــك المقــــــــــال