الجمعة، أغسطس 24، 2012

خطابـــــات الرؤســــــاء‏!‏



ليست خطابات الكبراء من الساسة والرؤساء
 كخطابات غيرهم من الأغمار والدهماء‏;‏
حيث تقرر الأولي مصائر‏,‏ وتبدل مسارات‏,‏ وذلك فيما قد لا يجاوز أثر الأخرى حدود مجرد الفضفضة بالكلمات‏.‏
من هنا وجوب أن تحظي خطابات الرؤساء بما تستحق من الإهتمام الذي يلزم معه أن تكون موضوعا لقراءة تتجاوز سطح الكلمات إلي ما يرقد تحتها من الرؤي والتصورات التي تتخفي, ولا تكون موضوعا للقول المباشر أو الصريح.
 بل إنها - وهو الأخطر- قد لا تكون موضوعا لوعي الناطق بالخطاب; وعلي النحو الذي يلزم معه ضرورة جعلها موضوعا لنظره, لتسهيل إنعتاقه من قبضة تحديداتها الخفية التي قد تتناقض مع ما يعلن أنه ينتوي تحقيقه.
 فاللغة ليست فضاء محايدا وشفافا يكون الناس فيه أحرارا, بحيث يسلكون في رحابه علي النحو الذي يشاءون, بل إنها وسيط يفيض بالإنحيازات والتحديدات المعتمة التي تفرض نفسها علي مستخدميها, بصرف النظر عن مقاصدهم ونواياهم. 

ويرتبط ذلك بحقيقة أنالكلمة(وهي الوحدة الأبسط في اللغة)
ترتبط بتاريخ طويل من الإستخدام السابق, في إطار سياقات إجتماعية وسياسية لم ينقطع حضورها بعد; وبما يؤول إلي تثبيت عوالم من المعاني والدلالات التي تظل تهيم, كالأشباح, حولها, وتأبي أن تفارقها.
 وهكذا تنطوي الكلمة(أي كلمة), في الإستعمال, علي التوتر بين ما يكون المستخدم لها قاصدا إليه علي نحو مباشر من جهة, وبين ما يحيطها به التاريخ من الإيحاءات والظلال من جهة أخري.
 وغني عن البيان أن ما يقصد إليه المستخدم للكلمة لا يتطابق دائما مع ما يفيضه التاريخ عليها من الظلال, بل إنهما قد يتعارضان ويتناقضان; وإلي حد أن تاريخ الكلمة قد يوجهها إلي إنتاج ما يمكن أن يكون مغايرا لما يقصد إليه مستخدمها بالكلية.
 فالبشر يولدون في اللغة, ويأتون إليها كحضور قائم له تاريخ سابق علي وجودهم, ولهذا فإنهم لا يكونون أحرارا تماما في مواجهتها, بل إنها تفرض عليهم تحديدات تاريخها السابق.
 وبالطبع فإن ما يفاقم من خضوعهم لتلك التحديدات المرتبطة بتاريخ سابق, هو أنهم يكونون واقعين في قبضة هذا التاريخ السابق لا يزالون; وبمعني أن خضوعهم الفعلي( ولكن المراوغ) للعوالم القديمة هو ما يؤدي إلي إستمرار إنتاج الكلمات التي يستخدمونها للإيحاءات والظلال التي إكتسبتها في الماضي. إن ذلك يعني أن كلمات اللغة لن تتحرر من تلك الظلال والإيحاءات المعتمة, المنسربة من عوالم الماضي البعيد, ما لم يحرر الناس أنفسهم من قبضة تلك العوالم أولا.

أعني مثلا, أنه إذا كان إرتباط كلمة ما بنظام إجتماعي وسياسي محدد
(كالنظام الآبوي مثلا), قد أحاطها بظلال من الإيحاءات التي لا تفارقها, فإن إستخدام الكلمة سيظل يستدعي تلك الإيحاءات والظلال, طالما أن الجماعة المستخدمة للكلمة لا تزال تعيد إنتاج هذا النظام السياسي والإجتماعي القديم, ولو كان ذلك الإنتاج يتحقق عبر التخفي وراء رخارف الحداثة; وهي الممارسة التي إستقر عليها العرب علي مدي القرنين الفائتين, وحتي الآن. فإذ لم يفعلوا, ولا يزالون, إلا السعي إلي تغطية نظامهم السياسي والإجتماعي الآبوي القديم بزخارف الحداثة وإكسسواراتها الزاهية الملونة, فإن الظلال والإيحاءات التي أفاضها هذا النظام علي مفردات لغتهم ستظل تفرض نفسها عليهم, بصرف النظر عن النوايا الطيبة التي تقف وراء إستخدامهم لها.

وهكذا, فإنه ألا ينبغي يتصور الناس الكلمات علي أنها مجرد قوالب فارغة يملأونها بمقاصدهم الحسنة ونواياهم الطيبة, وعليهم أن يدركوا أنها ترتبط بتاريخ سابق يتجاوز نواياهم ومقاصدهم, وأنها لا تتحرر أو تتطهر من هذا التاريخ تماما, بل إنها تظل مسكونة بأطيافه وأشباحه التي لا تتوقف عن الإطلال برأسها, لتأكيد إستمرارها(المتخفي أو الصريح) في الوجود, طالما أن هذا التاريخ السابق لا يزال حاضرا علي نحو من الأنحاء.
 إن ذلك يعني أن إستخدام مفردات تنتمي إلي المجال السياسي والإجتماعي ما قبل الحديث, في إطار سعي الجماعة المصرية- في أعقاب ثورتها لدخول عصر الحداثة السياسية الحقة, لن يقترب بالمصريين من هذه الحداثة المأمولة, بقدر ما سيبعدهم عنها; وأعني من حيث سيؤول إلي تثبيت منظومة القيم السياسية والإجتماعية ما قبل الحديثة, الملازمة لتلك المفردات, وإن تحت أقنعة جديدة.

تأتي المفارقة هنا من أنه إذا كانت مصر قد أشعلت ثورتها من أجل الدخول إلي عصر بناء دولة الحداثة الحقيقية (تقوم علي مفهوم الحق كبديل لمفهوم القوة), فإنه يبدو وكأنها تسعي لدخول هذا العصر بمفردات خطاب ما قبل حديث. ولقد كان ذلك هو أهم ما يلفت النظر في الخطاب الذي ألقاه الرئيس المصري المنتخب, عقب إعلان فوزه بالمنصب الرفيع; والذي راح فيه - ولأكثر من مرة- يخاطب جمهوره بإعتبارهم أهله وعشيرته.
 وهنا يلزم الإقرار بأن الرجل قد أراد, بما يحمل من النوايا الطيبة والمقصد النبيل, أن يردم الفجوة التي تفصله عن جمهوره, ولكنه يبقي أن مفردتي الأهل والعشيرة اللتين يستخدمهما -وخصوصا مع حصول هذا الإستخدام في مناسبة سياسية بارزة- لابد أن تستدعيا معهما ما يلازمهما من منظومة القيم الإجتماعية والسياسية المرتبطة بالنظام الآبوي.

ولعلهما لا تستدعيان فحسب ثوابت النظام الآبوي التقليدي الذي غلب علي التجربة التاريخية للمجتمعات العربية, بل وتستدعيان إلي الذهن ملامح الصورة التي رسمها مبارك لنفسه في آخر المعارك الخاسرة التي خاضها مع المحتشدين ضده; وأعني صورته كبطريرك عجوز يسعي إلي إنقاذ نفسه من السقوط عبر إستثمار الموروث الآبوي الغائر في نفوس المصريين.
وحين يضيف المرء إلي ذلك ما شهده نظامه, علي مدي السنوات الأخيرة من حكمه, من الغياب الكامل للدولة القانونية, علي النحو الذي كان لابد أن يؤدي إلي بروز الترابطات الأولية العائلية والعشائرية والعرقية والدينية المذهبية وغيرها لتعويض هذا الغياب الفادح, فإن له أن يقطع بالطابع الآبوي ما قبل الحديث لذلك النظام البائس.
 وغني عن البيان أن النجاح في ترسيخ ممارسة ديمقراطية حقيقية في مصر يتناسب طردياً مع القدرة علي تفكيك تلك الترابطات الأولية ذات الطبيعة القرابية; وإلا فإن الديمقراطية ستظل مجرد إجراء شكلاني فارغ.
فإذ الإنتخابات هي أحد أهم آليات الممارسة الديمقراطية, فإن تحريك تلك الترابطات الأولية(العائلية والعشائرية والطائفية والمذهبية) في إتجاه التصويت الجمعي لحساب المرشح الذي يختاره الأب أو البطرك الأكبر, يبقي عملا لا يستوفي من الديمقراطية إلا مجرد شكلها الإجرائي. ولعله يمكن القول أن الآلية التي تتفق أكثر مع طبيعة ممارسة تلك الترابطات الأولية هي آلية البيعة ما قبل الحديثة, وليست آلية الإنتخاب الحديثة.

ولكل ذلك, فإن خطاب الأهل والعشيرة لا يناسب, بما ينبني عليه من علاقات ذات طابع قرابي وآبوي, ما يطمح إليه المصريون من بناء دولة المواطنة التي تحكمها علاقات ذات طبيعة قانونية تعاقدية. فلقد ثار المصريون من أجل ترسيخ معني الوطن كوحدة قانونية, وليس من أجل إستبقاء العشيرة كوحدة قرابية, ومن أجل تثبيت مفهوم المواطن الذي يتساوي الكل, في حضرته, أمام القانون أفقيا, علي حساب مفهوم الأهل الذين يتباين الناس ضمنه بين الأعلي والأدني رأسيا.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 23 / أغسطس /2012


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق