الخميس، أكتوبر 04، 2012

عدم جواز ولاية غير المسلمين

إذا كان المقال السابق
" عدم ولاية غير المسلمين .. هل هي من الدين حقاً "

قد كشف عن الحضور الطاغي لفعل القراءة‏,‏
 حتى في حال اكتفاء المرء بمجرد ترديد آيات القرآن‏,‏
 فإنه يلزم التأكيد علي أن القرآن يصبح, عبر هذا الفعل,
 موضوعا لضروب من التوجيه (الناعمة والغليظة) التي لا تكون
 ـ في غالب الأحوال ـ موضوعا لوعي الممارسين لها.


ويتحقق هذا التوجيه ليس فقط عبر إنطاق وإسكات دلالات بعينها ينطوي عليها القرآن, بل وعبر ما يبدو وكأنه إبدال الدلالات التي فرضها التاريخ بتلك التي يتضمنها القرآن.
 ولعل مثالا علي هذا الضرب الأخير من التوجيه, الذي يجري فيه إستبدال دلالة التاريخ بدلالة القرآن, يأتي من قراءة آية قرآنية تنشغل بتعيين معني المسلم والإسلام, وبما لذلك من تعلق مباشر بمسألة عدم جواز ولاية غير المسلمين;
وأعني بها قوله تعالي:
إن الدين عند الله الإسلام.
فالدلالة المستقرة, في وعي الجمهور, للآية تنبني علي أن معني الإسلام ينصرف إلي ذلك الدين الذي إبتعث به النبي الكريم محمد(,); وبما لابد أن يترتب علي ذلك من أن المسلمين هم- وفقط - أتباع هذا النبي الكريم.

ولسوء الحظ, فإن هذه الدلالة التي إستقرت, في وعي الجمهور, للفظتي إسلام/مسلمين تمثل تضييقا أو حتي نكوصا عن الدلالة التي يقصد إليها القرآن خلال إستخدامه لكلتا اللفظتين.
بل إن إختبارا لهذا الإستخدام القرآني يكشف عن أن هذه الدلالة المستقرة للفظتي إسلام/مسلمين تكاد أن تكون قد تبلورت ـ وتطورت ـ خارج القرآن,
علي نحو شبه كامل.
وإذن, فإنها تبدو أقرب ما تكون إلي الدلالة الإصطلاحية, التي تمتزج فيها المقاصد الواعية وغير الواعية لمن إصطلحوا عليها; وعلي النحو الذي تعكس فيه عناصر تجربتهم التاريخية, ولو كان ذلك علي حساب القرآن ذاته.

فإذ تنبني الدلالة الإصطلاحية علي صرف معني لفظة مسلمين مثلا, إلي أتباع النبي محمد(,) 
فحسب,
 فإن الدلالة السيمانطقية, الغالبة علي الإستخدام القرآني لتلك اللفظة ذاتها, لا تقصر المعني علي هؤلاء فقط, 


بل تتسع به ليشمل غيرهم من أتباع الأنبياء السابقين أيضا.
 وهكذا, فإن اللفظة مسلمون/مسلمين قد وردت, في القرآن, حوالي ست وثلاثين مرة, إنطوت فيها, في الأغلب, علي دلالة تسليم المرء وجهه لله, من دون أن يكون ذلك مقرونا بإتباع نبي من الأنبياء بعينه. 
بل إن بعض الآيات يستخدم لفظة مسلمون/مسلمين صراحة, للإشارة إلي من هم من غير أتباع النبي محمد(,).

ومن ذلك, مثلا, إشارته إلي بني يعقوب بإعتبارهم من المسلمين;
 وذلك في قوله تعالي:
 أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت,
 إذ قال لبنيه:
 ما تعبدون من بعدي, قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون ........ البقرة:133
والحق أن المرء يكاد يلحظ أن القرآن يكاد, علي العموم, أن يصرف دلالة اللفظة إلي فعل التسليم لله وذلك فيما تلح الدلالة الإصطلاحية علي صرف الدلالة إلي فعل الإتباع لنبي من أنبياء الله بالذات.
وتبعا لذلك, فإنه إذا كان غير المسلم هو
ـ بحسب دلالة الإصطلاح المستقرة, في وعي الجمهور ـ
 كل من لا يتبع دين النبي محمد(,), فإنه, وبحسب الدلالة المتداولة في القرآن, هو كل من لا يسلم وجهه لله; وبما لابد أن يترتب علي ذلك من أن كل من يسلم وجهه لله حقا, هو من المسلمين, حتي ولو لم يكن متبعا لدين النبي الخاتم.

 وإذ يفتح ذلك الباب أمام إدخال البعض ممن يقال أنهم من غير المسلمين إلي دين الإسلام, إبتداء من تسليمهم الوجه لله, فإنه سوف يفتحه بالمثل أمام إخراج الكثيرين ممن يقال أنهم من المسلمين, من دين الإسلام, لأنهم لا يعرفون الإسلام بما تسليم الوجه لله, بل بما هو قناع لتسليم الناس ـ أو حتي إستسلامهم ـ لهم, بدلا من الله.

 فإنه إذا كان القصد من تسليم الناس وجوههم لله وحده, هو تحريرهم من الخضوع لكل آلهة الأرض الزائفة, فإن ما يجري من تحويل الدين إلي قناع لاستعباد الناس وتيسير السيطرة عليهم لا يمكن أن يكون من قبيل الإسلام أبدا.
ولعل ذلك يكشف عن عدم إنضباط مفهوم غير المسلم; وأعني من حيث تبقي المسافة قائمة بين المعني الذي يصرفه إليه القرآن من أنه زمن لا يسلم وجهه للهس وبين المعني الذي فرضه عليه التاريخ من أنه زمن لا يتبع نبوة محمد عليه السلام.

 وبالطبع فإنه لا مجال للإحتجاج بأن معني الإسلام, بما هو تسليم الوجه لله, قد تحقق علي الوجه الأكمل مع نبوة النبي الخاتم محمد(,), فإن القرآن يتضمن بين جنباته ما يزحزح هذا الإعتقاد; وذلك حين يمضي إلي أن ثمة من اليهود والنصاري والصابئة من يتشارك مع المؤمنين بنبوة محمد عليه السلام في تسليم الوجه لله حقا,
وأنهم ـ لذلك ـ لهم أجرهم عند ربهم...
ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
إذ يقول تعالي:
 إن الذين آمنوا( يعني بمحمد) والذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم...البقرة:62.
 وهكذا فإن القرآن لا يقصر معني الإسلام بما هو تسليم الوجه لله ـ حتي بعد إبتعاث النبي محمد(,) ـ علي المؤمنين بنبوته فحسب,
بل إنه يتسع به ليشمل غيرهم أيضا.

 وغني عن البيان أن ذلك يرتبط بحقيقة أن مدار تركيز القرآن هو علي فعل تسليم الوجه لله وحده وليس علي الباب الذي يتحقق من خلاله هذا الفعل,
 وحتي علي فرض أن القرآن يمضي إلي أن الباب الأكمل لتحقق هذا الفعل هو باب النبي محمد(,),
 فإنه لم يدحض إمكان تحققه من غير هذا الباب أيضا.

يبدو, إذن, أن التاريخ, وليس القرآن,
 هو ما يقف وراء تثبيت الدلالة المستقرة للآية القرآنية إن الدين عند الله الإسلام
 وهو ما يدرك من يستدعي هذه الآية أنه سيلعب دورا حاسما في توجيه المتلقين لها إلي إنتاج ذات الدلالة المستقرة.
وهو يدرك أيضا أن إثارة المعني السيمانطيقي المتداول في القرآن للفظة إسلام سيؤدي, لا محالة, إلي زحزحة الدلالة التي قام التاريخ بترسيخها, ومن هنا أنه يسكت عنه تماما, رغم ما يبدو من ظهوره الجلي في القرآن.
 فهل يدرك المتلاعبون سياسيا بالإسلام أنهم ينحازون للتاريخ علي حساب القرآن؟

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 4 / أكتوبر /2012

الجمعة، سبتمبر 21، 2012

عدم ولاية غير المسلمين‏....‏ هل هي من الدين حقا؟




لو تصور المرء حواراً
 بين من ينسب نفسه إلي المدنية 
وبين خصمه الساعي إلي أسلمة الدولة‏ 
في مصر هذه الأيام
( وليكن حول قاعدة عدم جواز ولاية غير المسلمين),
فإنه سيجد أن من ينسب نفسه إلي المدنية
 لا يعرف ما يرد به علي خصمه
إلا أن جملة دعاواه, ومن بينها دعوي عدم جواز الولاية, لا تتفق مع ما تقوم عليه دولته(المدنية!) من مبدأ عدم التمييز بين البشر علي أساس الدين, أو غيره.

 وعندئذ, فإن الساعي إلي أسلمة الدولة سوف يرد علي خصمه المسكين بأنه ليس مشغولا بتعارض دعاواه مع ما تقول به المدنية, مادامت تأتي متفقة مع ما يقول به الدين.
 وبحسب ذلك, فإن صاحب خطاب الأسلمة لا يكتفي بإحراج خصمه المسكين عبر هذا الوضع للمدنية في تعارض مع الدين, بل عبر ترسيخه لمقولة أن دعوي عدم جواز ولاية غير المسلمين هي مما يقول به الدين.
 ولعله يلزم التنويه, هنا, بأن دعاة الأسلمة يقيمون احتجاجهم علي سائر دعاواهم علي العموم, علي قاعدة أنها من فرائض الدين ولوازمه. فهل هي فعلا هكذا, أم أنها محض قواعد اجتماعية وسياسية راحت تنسب نفسها إلي الدين لتكتسب منه الرسوخ والحصانة وقوة الإلزام؟

وإذا كانت الخطوة الحاسمة في جعل قاعدة ما جزءا من الدين تتمثل في التماس أساس لها من القرآن خاصة, فإنه كان لابد لفعل الالتماس هذا( وهو فعل معرفي بالأساس) أن يكون موضوعا لتحليل يكشف عما فيه من قراءة تعتبر نفسها قرآنا.
ومن هنا ما جري من انشغال المقال السابق بالإلماح إلي الآلية المهيمنة علي قراءة القرآن; علي النحو الذي يؤدي إلي إنتاج دلالة بعينها لخدمة موقف إجتماعي وسياسي معين.
وقد ارتبط هذا الاستهلال بالقصد إلي تحرير القرآن من المسئولية عن قول بعينه في مسألة محددة, لتوضع( هذه المسئولية)
علي كاهل آلية القراءة المهيمنة علي التعامل معه.

 فمنذ اللحظة التي يصبح فيها القرآن موضوعا لفعل القراءة( الإنساني بطبيعته), فإنه ليس لأحد أن يقطع بأن القرآن يقول كذا في مسألة ما, بل يتوجب عليه تقرير أن فعله القرائي يوجه القرآن إلي هذا القول في تلك المسألة.
 وحين يدرك المرء أن القرآن قد أصبح من لحظة تنزيله موضوعا لقراءة, فإنه يلزم تأكيد أن الكثير مما ينسب للقرآن قوله, إنما هو نتاج فعل قراءته بالأحري.
وهنا فإنه إذا كان فعل القراءة هو فعل بشري, بطبيعته
( وبما يعنيه ذلك من أن ما ستجري نسبته إليه سوف يكون بشريا بدوره)
, فإن نسبة القول إلي القرآن( ذي المصدر الإلهي) في المقابل, إنما تقصد إلي جعله قولاً إلهياً,
 وعلي النحو الذي تستحيل معه زحزحة الدلالة المراد تثبيتها به.

 وهكذا يفعل كل من يقصدون إلي تثبيت موقف ما(اجتماعي أو سياسي خاصة),
حين يجعلون منه موضوعا لقول إلهي أورده القرآن, متجاهلين أن ما يفعلونه هو فعل قراءة, ولو اكتفوا بمجرد الاقتباس من القرآن.
ولأن ثمة من قد يربط فعل القراءة عنده بأعمال التفسير والتأويل فحسب, فإنه يلزم تأكيد أنه يتجاوز مجرد ذلك; وإلي حد أن مجرد استدعاء آية قرآنية للقطع بها في مسألة ما, ومن دون أن يكون هذا الاستدعاء مصحوباً بأي شروح أو تفسيرات, هو فعل قراءة.
وذلك من حيث يعرف من يستدعي آية من القرآن في موقف بعينه, أن هذه الآية, استنادا إلي نوع المعرفة المستقرة بين الجمهور المتلقي, سوف تنتج الدلالة التي يقصد إلي تثبيتها خاصة. إن ذلك يعني أن إنتاج دلالة القول القرآني بمجرده لا تنفصل عن المعرفة السابقة المتداولة بين الجمهور; وهي معرفة إنسانية بطبيعتها, فضلا عن أنها تكون نتاجا لفعل القراءة.
 وهكذا فإن المرء يكون ممارسا للقراءة, حتي وهو لا يفعل إلا أن يستدعي الآية بمجردها من القرآن, مادام ما أنتجته القراءات السابقة سوف يلعب الدور الحاسم في إنتاج دلالتها.
وعلي العموم, فإن القرآن, بمجرد دخوله دائرة الاستخدام الإنساني علي أي نحو من الأنحاء( وأعني كموضوع للتفسير أو الاقتباس), يصبح موضوعا لفعل قراءة; وبما لابد أن يتبع ذلك من أن كل ما ينتج عن هذا الفعل هو من قبيل النتاج البشري.
فهو يدخل, بالقراءة, في بناء تراكيب تنتمي لعالم البشر, ولا يمكن الادعاء, أبدا, بأن هذه التراكيب ذات أصل إلهي.

 ولعل الوعي بالطبيعة البشرية لتلك التراكيب, يظهر في حرص علماء المسلمين علي إنهاء قولهم في مسائل الدين, بتعبير والله أعلم; إقرار منهم بالمسافة الفاصلة بين ما يقدمون من اجتهادات محدودة, وبين علم الله اللامحدود.
 إن ذلك يعني أن أحداً لا يمكنه الإدعاء بأن ما يقوله, يتطابق مع قول الله أو علمه; حتي لو كان لا يفعل إلا أن يردد آيات القرآن; وأعني أن قوله سيبقي مجرد تركيب بشري لا يطابق مراد الله أو علمه أبدا.
ولعل ما يدعم فكرة أن ما يقوله الناس, منسوبا إلي القرآن, هو قول القراءة
(أعني قراءتهم), وليس قول القرآن, هو ما يكاد يبين للجميع من أنه ليس للقرآن قول واحد في المسألة بعينها, بل إن له أقوالا فيها تتنوع, بحسب تنوع السياق الذي يتم طرحها داخله.
 وغني عن البيان أنه حين يحتفظ القرآن, في بنائه, بتلك الأقوال المتنوعة حول تلك المسألة بعينها, فإن رفع دلالة قول منها, وتثبيت التي تخص القول الآخر, لابد أن يكون مردودا إلي فعل القراءة, وليس إلي القرآن.

 وهكذا, مثلا, فإنه حين يشتمل القرآن علي قولين مختلفين عن غير المسلمين
( وأعني النصاري خاصة);
أحدهما يحمل دلالة إيجابية,
 كقوله تعالي:
 ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصاري...المائدة:82,
 والآخر ينطوي علي دلالة سلبية,
 كقوله تعالي:
 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصاري أولياء....المائدة:51,

فإن تثبيت دلالة أحد القولين علي أنها موقف القرآن المطلق والنهائي من النصاري, لا يكون قولاً قرآنياً, بل فعلاً قرائياً.
حيث القرآن حامل للدلالتين(الإيجابية والسلبية) معاً, وفعل القراءة هو الذي يتجه إلي تثبيت إحداهما علي حساب الأخري.
وبالطبع, فإن وجهة الفعل القرائي تتحدد بنوع العلاقة التي تربط المسلمين بالنصاري في وقت تحققه;
 وبمعني أنه إذا كانت العلاقة الواقعية بين المسلمين والنصاري هي علاقة عداء وخصام, فإن فعل القراءة سيقصد إلي تثبيت دلالة القول القرآني ذي الطبيعة السلبية, بإعتبار أنها المحددة لموقف القرآن النهائي والمطلق من النصاري.

 وأما إذا كانت العلاقة الواقعية بين المسلمين والنصاري علاقة مودة وسلام, فإن فعل القراءة سيمضي- علي العكس- في اتجاه تثبيت دلالة القول القرآني ذي الطبيعة الإيجابية; بما هي الحامل للموقف المطلق من النصاري.
لكنه يبقي لزوم الوعي بالكيفية التي يجري بها هذا التوجيه للدلالة; وهو ما سيكون موضوعاً لمقال مقبل.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 20 / سبتمبر /2012




الخميس، سبتمبر 06، 2012

عدم ولاية غير المسلمين‏..‏ القرآن والقراءة




تتجلي الآلية الأصرح‏,‏
 التي يشتغل بها خطاب تديين السياسة‏-‏ الذي يتعالي مده في عالم ما بعد الثورات العربية‏-‏ فيما يقوم به المشتغلون‏,‏ في حقل هذا الخطاب‏,‏ من استدعاء ما ينسبونه إلي الدين من القواعد والمحددات‏,‏
 لتقييد مجال الممارسة السياسية بها‏.‏

ورغم ما يبدو من الفاعلية شبه المطلقة لهذه القواعد والمحددات بسبب رسوخها في المخزون الحي الغائر في الذاكرة الجمعية للجمهور الذي يتعامل معها- تبعا لذلك - بما هي من المسلمات غير القابلة للسؤال, فإنه يلزم التنويه بما يعرفه المشتغلون في مجال الدرس الإسلامي
(علي النحو الاستقصائي العلمي, وليس الإنشائي الوعظي),
 من أن الكثير من هذه القواعد المنسوبة إلي الدين
(وخصوصا في مجالي الممارسة السياسية والاجتماعية بالذات),
هي محض تحديدات فرضتها مقتضيات الضبط السياسي والإجتماعي, ثم راح يجري إخفاءؤها وراء قداسة الدين لإكسابها الديمومة والرسوخ.
ولعل ذلك يستلزم طريقة في التعامل مع مثل هذه القواعد, علي النحو الذي يفتح الباب أمام تحرير مجال الممارسة من سطوتها; وهو الأمر الذي لن يكون ممكناً إلا عبر تحرير الدين, نفسه, من قبضتها أولاً;
 وأعني من حيث يجري توظيفه كقناع لإضفاء القداسة علي ما ليس منه في الحقيقة.
ولعله ليس من سبيل إلي ذلك كله إلا عبر السعي إلي نزع القشور والرقائق الدينية التي تحيط بالنواة الصلبة للقاعدة موضوع التحليل, علي نحو تنكشف معه طبيعتها المتخفية, مع ما يصاحب ذلك من بيان المراوغات التي أمكن عبرها مراكمة تلك الرقائق الدينية التي استحالت إلي أقعنة كثيفة تتواري خلفها الطبيعة السياسية أو الاجتماعية للقاعدة.
 ولأن نقطة البدء في مسار مراكمة تلك الرقائق الدينية حول القواعد ذات الطبيعة السياسية والاجتماعية, تتبدي في سعي المشتغل تحت مظلة هذا الخطاب إلي التأسيس النصي لتلك القواعد من القرآن, فإنه يلزم التنويه بأن هذا الفعل التأسيسي ينطوي علي ضروب من التوجيه( عبر الانطاق والإسكات للقرآن)
علي النحو الذي ينتهي إلي تثبيت القاعدة المرادة بوصفها ديناً يكون مطلوباً من الناس أن يتعبدوا به الله.

ولعل ذلك ما يؤكده الاشتغال علي القاعدة المستقرة الخاصة بعدم جواز ولاية غير المسلمين التي يكشف التحليل عن مراوغات توجيه القرآن باتجاه تثبيتها, كقاعدة تعمل علي نحو مطلق; وبصرف النظر عن تحديدات السياق وشروطه.
وهكذا فإنه, وعلي الرغم من أن الإنسانية قد انتقلت من سياق كان فيه الدين هو الأصل المحدد لهوية الفرد والجماعة( وبما يترتب علي هذا التحديد من إخلاء المركز لصاحب الدين/السيد, وإقصاء أتباع الديانات الأخري إلي الهامش), إلي سياق التحديد السياسي لتلك الهوية( بما يفرضه هذا التحديد من الحقوق والواجبات المتساوية), فإن فاعلية تلك القاعدة تظل مستعصية علي التحدي للآن; وإلي حد ما جري من التلويح المباشر بها, من جانب القوي السياسية السلفية, في مواجهة ما تردد من الاتجاه إلي تعيين نائب قبطي لرئيس الجمهورية.


ولسوء الحظ, فإن هذا التشغيل للقاعدة علي نحو مطلق,
 وبصرف النظر عن شروط السياق وتحديداته, لم يتحقق إلا عبر ضروب من ضغوط الإكراه والإسكات التي مورست علي القرآن بنعومة, ولكن بلا هوادة.
 وعلي الرغم من أن هذه الضغوط ذات أصل سياسي واجتماعي بالأساس,
 فإنها قد راحت تحقق نفسها في شكل مبادئ وقواعد للفهم والترجيح التي قيل باستحالة أي مقاربة للقرآن إلا من خلالها, وفقط. فإن الاجتماعي والسياسي يسعي, علي الدوام, إلي إخفاء تحيزاته الذاتية الغليظة وراء رهافة المعرفي وما تبدو أنها موضوعيته.
 وهكذا فإنه إذا كان القصد هو تثبيت واقع سياسي واجتماعي بعينه, فإن هذا القصد لا يحقق نفسه مباشرة, بل إنه يتخفي وراء مقاربة معرفية للقرآن تقوم علي إهدار السياق بما هو السبيل الوحيد لإطلاق الدلالة وتثبيتها علي نحو نهائي. وضمن هذه المقاربة المعرفية, فإن هذا الإهدار للسياق سوف يؤسس نفسه علي قواعد ومفاهيم من قبيل الناسخ والمنسوخ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, وغيرها. 

وبالرغم من عدم إمكان المجادلة في أن هذه القواعد والمفاهيم,
المشار إليها وغيرها,
إنما ترتبط بالأفق العقلي والمعرفي والسياسي والاجتماعي الذي تبلور فيه وعي مبدعيها, فإنها قد استحالت إلي ما يشبه الأقانيم المقدسة التي يستحيل إلا التسليم بها, وممارسة الفهم من خلالها وحدها,
وعدم التعرض لها بالمساءلة والمحاورة.

 ولعله يلزم التنويه, هنا, بأنها قد اكتسبت هذا الوضع الذي تعالي بها إلي خارج حدود المساءلة, في عصور الجمود والعجز عن الإبداع; حيث تكشف القرون الأولي من تاريخ الإسلام عن نوع من الحوار المنفتح- الذي تحفظه بطون دواوين التفسير- مع تلك القواعد والمفاهيم.
ولعله يلزم التأكيد, هنا, علي أن هذا التوجيه للقرآن إلي إنتاج دلالة آحادية مطلقة- عبر وساطة تلك القواعد والمفاهيم التي أحالتها عصور الجمود المتأخرة إلي أقانيم مقدسة- إنما يرتبط بتصوره كسلطة يراد توظيفها من أجل تسييد وتثبيت موقف سياسي واجتماعي بعينه.
 فإنه إذا كان الإطلاق والأحادية يشكلان جوهر السلطة في الإسلام, منذ وقت مبكر نسبياً; وذلك من حيث ما تكشف عنه كتب الفقه السياسي من إنبناء صورة السلطان بالتمثيل علي صورة الله



(حيث الحضرة الإلهية لاتفهم-علي قول الغزالي-إلا بالتمثيل علي الحضرة السلطانية)
, فإن ذات الإطلاق والأحادية كانا لابد أن يحددا عالم الدلالة في القرآن. ويرتبط ذلك بأن حراسة سلطة ذات طابع أحادي وإطلاقي (في المجالين الاجتماعي والسياسي), سوف تكون أمرا ميسورا إذا ما تم تقييد الدلالة في القرآن لتصبح مطلقة وأحادية, بدورها.
إذ يهدد عالم الدلالات المفتوحة المتنوعة أحادية السلطة وإطلاقيتها, بما يحيل إليه من إمكانات تعدد الأفهام وتباين الرؤي.

 وعلي النقيض من ذلك, فإن التعامل مع القرآن باعتباره فضاء مفتوحا لفيوض من الدلالات المتنوعة( أو حتي المتباينة), إنما يرتبط بتصوره كساحة رحيبة يتواصل فوقها البشر في سعيهم إلي بناء عالم يتسع لهم جميعا, من دون إزاحة أو إقصاء بسبب الاختلاف في الدين أو اللغة أو العرق.
 وإذن فإنه الصراع, في الجوهر, بين القرآن كقناع لسلطة( أحادية ومطلقة) تسحق الناس جميعا( مسلمين وغير مسلمين), وبينه كساحة يؤكدون عليها التنوع الذي أراده الله لهم.

ولسوء الحظ, فإن كل هذه الإكراهات, السابق بيانها, قد اشتغلت جميعا,
 وعلي نحو مثالي وصريح, في سياق توجيه القرآن إلي النطق بقاعدة عدم جواز الولاية السياسية لغير المسلمين.
 وأعني من حيث إنه إذا كانت السلطة تحضر, في إطار هذه القاعدة, أحادية ومطلقة, فإن الدلالة تحضر علي هذا النحو أيضا; وبما يفرضه هذا الحضور (الأحادي والإطلاقي لها) من القواعد والمفاهيم التي تتضافر في تثبيتها. وهنا يشار, بالذات, إلي قاعدتي النسخ والإجماع, اللتين لعبتا الدور الأبرز في ضروب الإكراه التي مورست علي القرآن;
وكل ذلك مما يحتاج إلي بيان, سوف يكون موضوعا لمقال قادم.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 6 / سبتمبر /2012

الجمعة، أغسطس 24، 2012

خطابـــــات الرؤســــــاء‏!‏



ليست خطابات الكبراء من الساسة والرؤساء
 كخطابات غيرهم من الأغمار والدهماء‏;‏
حيث تقرر الأولي مصائر‏,‏ وتبدل مسارات‏,‏ وذلك فيما قد لا يجاوز أثر الأخرى حدود مجرد الفضفضة بالكلمات‏.‏
من هنا وجوب أن تحظي خطابات الرؤساء بما تستحق من الإهتمام الذي يلزم معه أن تكون موضوعا لقراءة تتجاوز سطح الكلمات إلي ما يرقد تحتها من الرؤي والتصورات التي تتخفي, ولا تكون موضوعا للقول المباشر أو الصريح.
 بل إنها - وهو الأخطر- قد لا تكون موضوعا لوعي الناطق بالخطاب; وعلي النحو الذي يلزم معه ضرورة جعلها موضوعا لنظره, لتسهيل إنعتاقه من قبضة تحديداتها الخفية التي قد تتناقض مع ما يعلن أنه ينتوي تحقيقه.
 فاللغة ليست فضاء محايدا وشفافا يكون الناس فيه أحرارا, بحيث يسلكون في رحابه علي النحو الذي يشاءون, بل إنها وسيط يفيض بالإنحيازات والتحديدات المعتمة التي تفرض نفسها علي مستخدميها, بصرف النظر عن مقاصدهم ونواياهم. 

ويرتبط ذلك بحقيقة أنالكلمة(وهي الوحدة الأبسط في اللغة)
ترتبط بتاريخ طويل من الإستخدام السابق, في إطار سياقات إجتماعية وسياسية لم ينقطع حضورها بعد; وبما يؤول إلي تثبيت عوالم من المعاني والدلالات التي تظل تهيم, كالأشباح, حولها, وتأبي أن تفارقها.
 وهكذا تنطوي الكلمة(أي كلمة), في الإستعمال, علي التوتر بين ما يكون المستخدم لها قاصدا إليه علي نحو مباشر من جهة, وبين ما يحيطها به التاريخ من الإيحاءات والظلال من جهة أخري.
 وغني عن البيان أن ما يقصد إليه المستخدم للكلمة لا يتطابق دائما مع ما يفيضه التاريخ عليها من الظلال, بل إنهما قد يتعارضان ويتناقضان; وإلي حد أن تاريخ الكلمة قد يوجهها إلي إنتاج ما يمكن أن يكون مغايرا لما يقصد إليه مستخدمها بالكلية.
 فالبشر يولدون في اللغة, ويأتون إليها كحضور قائم له تاريخ سابق علي وجودهم, ولهذا فإنهم لا يكونون أحرارا تماما في مواجهتها, بل إنها تفرض عليهم تحديدات تاريخها السابق.
 وبالطبع فإن ما يفاقم من خضوعهم لتلك التحديدات المرتبطة بتاريخ سابق, هو أنهم يكونون واقعين في قبضة هذا التاريخ السابق لا يزالون; وبمعني أن خضوعهم الفعلي( ولكن المراوغ) للعوالم القديمة هو ما يؤدي إلي إستمرار إنتاج الكلمات التي يستخدمونها للإيحاءات والظلال التي إكتسبتها في الماضي. إن ذلك يعني أن كلمات اللغة لن تتحرر من تلك الظلال والإيحاءات المعتمة, المنسربة من عوالم الماضي البعيد, ما لم يحرر الناس أنفسهم من قبضة تلك العوالم أولا.

أعني مثلا, أنه إذا كان إرتباط كلمة ما بنظام إجتماعي وسياسي محدد
(كالنظام الآبوي مثلا), قد أحاطها بظلال من الإيحاءات التي لا تفارقها, فإن إستخدام الكلمة سيظل يستدعي تلك الإيحاءات والظلال, طالما أن الجماعة المستخدمة للكلمة لا تزال تعيد إنتاج هذا النظام السياسي والإجتماعي القديم, ولو كان ذلك الإنتاج يتحقق عبر التخفي وراء رخارف الحداثة; وهي الممارسة التي إستقر عليها العرب علي مدي القرنين الفائتين, وحتي الآن. فإذ لم يفعلوا, ولا يزالون, إلا السعي إلي تغطية نظامهم السياسي والإجتماعي الآبوي القديم بزخارف الحداثة وإكسسواراتها الزاهية الملونة, فإن الظلال والإيحاءات التي أفاضها هذا النظام علي مفردات لغتهم ستظل تفرض نفسها عليهم, بصرف النظر عن النوايا الطيبة التي تقف وراء إستخدامهم لها.

وهكذا, فإنه ألا ينبغي يتصور الناس الكلمات علي أنها مجرد قوالب فارغة يملأونها بمقاصدهم الحسنة ونواياهم الطيبة, وعليهم أن يدركوا أنها ترتبط بتاريخ سابق يتجاوز نواياهم ومقاصدهم, وأنها لا تتحرر أو تتطهر من هذا التاريخ تماما, بل إنها تظل مسكونة بأطيافه وأشباحه التي لا تتوقف عن الإطلال برأسها, لتأكيد إستمرارها(المتخفي أو الصريح) في الوجود, طالما أن هذا التاريخ السابق لا يزال حاضرا علي نحو من الأنحاء.
 إن ذلك يعني أن إستخدام مفردات تنتمي إلي المجال السياسي والإجتماعي ما قبل الحديث, في إطار سعي الجماعة المصرية- في أعقاب ثورتها لدخول عصر الحداثة السياسية الحقة, لن يقترب بالمصريين من هذه الحداثة المأمولة, بقدر ما سيبعدهم عنها; وأعني من حيث سيؤول إلي تثبيت منظومة القيم السياسية والإجتماعية ما قبل الحديثة, الملازمة لتلك المفردات, وإن تحت أقنعة جديدة.

تأتي المفارقة هنا من أنه إذا كانت مصر قد أشعلت ثورتها من أجل الدخول إلي عصر بناء دولة الحداثة الحقيقية (تقوم علي مفهوم الحق كبديل لمفهوم القوة), فإنه يبدو وكأنها تسعي لدخول هذا العصر بمفردات خطاب ما قبل حديث. ولقد كان ذلك هو أهم ما يلفت النظر في الخطاب الذي ألقاه الرئيس المصري المنتخب, عقب إعلان فوزه بالمنصب الرفيع; والذي راح فيه - ولأكثر من مرة- يخاطب جمهوره بإعتبارهم أهله وعشيرته.
 وهنا يلزم الإقرار بأن الرجل قد أراد, بما يحمل من النوايا الطيبة والمقصد النبيل, أن يردم الفجوة التي تفصله عن جمهوره, ولكنه يبقي أن مفردتي الأهل والعشيرة اللتين يستخدمهما -وخصوصا مع حصول هذا الإستخدام في مناسبة سياسية بارزة- لابد أن تستدعيا معهما ما يلازمهما من منظومة القيم الإجتماعية والسياسية المرتبطة بالنظام الآبوي.

ولعلهما لا تستدعيان فحسب ثوابت النظام الآبوي التقليدي الذي غلب علي التجربة التاريخية للمجتمعات العربية, بل وتستدعيان إلي الذهن ملامح الصورة التي رسمها مبارك لنفسه في آخر المعارك الخاسرة التي خاضها مع المحتشدين ضده; وأعني صورته كبطريرك عجوز يسعي إلي إنقاذ نفسه من السقوط عبر إستثمار الموروث الآبوي الغائر في نفوس المصريين.
وحين يضيف المرء إلي ذلك ما شهده نظامه, علي مدي السنوات الأخيرة من حكمه, من الغياب الكامل للدولة القانونية, علي النحو الذي كان لابد أن يؤدي إلي بروز الترابطات الأولية العائلية والعشائرية والعرقية والدينية المذهبية وغيرها لتعويض هذا الغياب الفادح, فإن له أن يقطع بالطابع الآبوي ما قبل الحديث لذلك النظام البائس.
 وغني عن البيان أن النجاح في ترسيخ ممارسة ديمقراطية حقيقية في مصر يتناسب طردياً مع القدرة علي تفكيك تلك الترابطات الأولية ذات الطبيعة القرابية; وإلا فإن الديمقراطية ستظل مجرد إجراء شكلاني فارغ.
فإذ الإنتخابات هي أحد أهم آليات الممارسة الديمقراطية, فإن تحريك تلك الترابطات الأولية(العائلية والعشائرية والطائفية والمذهبية) في إتجاه التصويت الجمعي لحساب المرشح الذي يختاره الأب أو البطرك الأكبر, يبقي عملا لا يستوفي من الديمقراطية إلا مجرد شكلها الإجرائي. ولعله يمكن القول أن الآلية التي تتفق أكثر مع طبيعة ممارسة تلك الترابطات الأولية هي آلية البيعة ما قبل الحديثة, وليست آلية الإنتخاب الحديثة.

ولكل ذلك, فإن خطاب الأهل والعشيرة لا يناسب, بما ينبني عليه من علاقات ذات طابع قرابي وآبوي, ما يطمح إليه المصريون من بناء دولة المواطنة التي تحكمها علاقات ذات طبيعة قانونية تعاقدية. فلقد ثار المصريون من أجل ترسيخ معني الوطن كوحدة قانونية, وليس من أجل إستبقاء العشيرة كوحدة قرابية, ومن أجل تثبيت مفهوم المواطن الذي يتساوي الكل, في حضرته, أمام القانون أفقيا, علي حساب مفهوم الأهل الذين يتباين الناس ضمنه بين الأعلي والأدني رأسيا.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 23 / أغسطس /2012


الاثنين، أغسطس 20، 2012

عن خطابات المنــــــــــابـر


"مبروك":

 خطابات المنابر تكرس للديكتاتورية الدينية


رأى المفكر الدكتور على مبروك..
 أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة،
 أن استعادة ظاهرة الدعاء للرئيس على المنابر بأن ينصره الله على أعدائه والتحذير من الخروج عليه،
 هى استعادة للوازم الخطابات التى تكرس للديكتاتورية فى ثوب دينى.

وقال علي مبروك فى تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" :
إنه أصبح من الواضح جدًا أن ما يحدث فى مصر ودول العالم العربى،
 هو أن ثورات عديدة اندلعت وأدت فى النهاية لصعود الخطاب الذى يسعى لتديين السياسية والمجال العام على الإطلاق،
 مؤكدًا أنه لا بد وأن تتوقع أن كل شىء ملازم سوف يتم استعادته من أجل سطوة هذا الخطاب.

وأضاف:
 لابد وأن نعترف أن هناك منطقاً للخطابات،
وأننا سنجد أن طقوسا دينية مثل الصلاة سوف يتم توظيفها سياسيًا،
وسوف تتحول المنابر للدعوة للحاكم،
مشيرًا فى الوقت نفسه إلى أنه قد لا يكون الرئيس مسئولاً عن ذلك،
 ولكن الأمور تتجاوز النوايا الحسنة.

تم النشر في جريدة اليوم السابع بتاريخ 20 أغسطس 2012
كتب / بلال رمضان 


الثلاثاء، أغسطس 07، 2012

علي مبروك يكتب عن الدولة الحديثة في "ثورات العرب"




يحتاج الواقع في الحقيقة إلى وضوح رؤية ونفاذ بصيرة ودقة وصف ،
 يحتاج واقعنا العربي هذه الأيام إلى الدليل والمرشد، تغيير أفق وسعي إلى منظومة مختلفة  وأكثر تطورا وتحرراً حقيقياً ،
 ثورات عالمنا العربي تحتاج حقا لهذا النوع من الخطاب ، خطاب التأسيس ،
 كما وصف الدكتور على مبروك في كتابه " ثورات العرب " الصادر عن دار العين للنشر .
وكما جاء في بيان الدار ففي عنوان ملخص ودقيق،
جاء هذا الكتاب الذي ظل مشروعا مرجأ، محفوظا لسنوات في الحاسوب
كما يقول مؤلفه، حتى وقعت الواقعة وأسقطت مبارك ونظامه الكابوسي الراكد ،
فبدا وكأن لحظة ظهوره قد حانت أخيراً، هي مصر حقاً ، مصر مرة أخرى ،
 مصر التي شهدت التأسيس الأول في عهد الدولة العربية الحديثة قبل قرنين مع الباشا الطامح " محمد علي " ،
والتي يجب على نخبتها الراهنة أن تكون على وعي بأنها تملك فرصة التأسيس الثاني لتلك الدولة، وإلا فإنها ستكون قد فقدت فرصة تاريخية لن تتكرر إلا بعد وقت طويل.
 يسعى الكتاب إلى هذا الخطاب الذي يؤسس حقاً لدولة حديثة،
 وبالطبع فإن التأسيس  لدولة " الحق " على حساب دولة " القوة " القامعة ،
 لن يكون ممكنا إلا  عبر تجاوز الخطاب الذي ساد على مدى القرنين المنصرمين ، التحول من خطاب لم تفلح كل زركشات وزخارف الحداثة على سطحه أن تغطي على جوهره الوصائي الأبوي التسلطي، الذي يؤسس لما يسود من علاقات الإذعان والخضوع،
 إلى خطاب ذي أفق عقلاني نقدي يؤسس لعلاقات التفاعل والحوار والندية
 التي هي الأصل فيما يتطلع إليه الكافة، في العالم العربي، من دولة المواطنة المدنية، كبديل للدولة الطائفية العشائرية الأبوية الاستبدادية الراهنة ،
 بل إن مؤلف الكتاب د. علي مبروك  يخشى أنه من دون هذا الخطاب الجديد، فإن العرب لن يفعلوا إلا أن يحرثوا البحر من جديد. 
ويقول في كلمته الأخيرة:
 " إن الانتقال من الاشتغال بآلية الجمع " التجاوري "
 الذي يتحدد بحسبها بناء كل من الواقع والخطاب الذين يسودان عالم العرب
 على التأسيس المعرفي للمفاهيم  التي يتداولها الكافة من الأيديولوجيين السابحين "على تنوع تياراتهم وأطيافهم" على سطح خطاب راكد،
 من غير تدقيق وفحص وضبط، بل عبر ضروب فادحة من التعميم والتلفيق التي حالت، وستظل تحول، دون أن تتجاوز مصر، ومعها العرب، واقعاً فرضت عليه إكراهات الأيديولوجيا،
 أن يعيش انقساماً فاجعاً بين جوهره ومظهره، وهو الانقسام الذي يسعى العرب بثوراتهم، إلى تخطيه ورفعه .
وغني عن البيان أن ذلك لن يكون ممكناً إلا بترسيخ خطاب التأسيس " .

تم  النشر في المحيط بتاريخ 7 أغسطــــس 2012