الخميس، نوفمبر 01، 2012

عن الدستور والشريعة والعقل والجمهور



تتصاعد في الفضاء المصري الراهن بشائر حرب طاحنة‏,‏
 تدور رحاها بين الفرقاء المتناحرين حول مادة الشريعة في الدستور
 الذي تجري كتابته الآن,
 في ظل استقطابات وتجاذبات يسعي البعض ضمنها لحسم الأمر لمصلحته عبر التهديد باستدعاء الجمهور المتحمس, 
إلي ساحات الصدام والمواجهة.

وإذا كان التهديد بالجمهور يصدر- بالأساس- عن جماعات الإسلام السياسي, فإن ذلك لا يرتبط, فحسب, بقدرتها علي تحشيد الجمهور الملتزم التابع, بقدر ما يرتبط
- فضلا عن ذلك -
بتعارض ما تطرحه من آراء مع منطق العقل;
وعلي النحو الذي يبدو معه أنها لا تجد ما تجابه به منطق العقل,
إلا حماس الجمهور.

 وهكذا فإن الجمهور الذي يجري التهديد به
 هو أقرب ما يكون إلي قوة القمع منه إلي شاهد العدل,
 لأنه يحضر إلي الساحة, لا كأفراد يمتلكون إرادة حرة, ويقدرون علي التفكير المستقل,
فإن هذا الجمهور لا يصدر في اختياراته عن العقل, بل يصدر فيها عن انفعالاته
- أو حتي غرائزه- الأولية;
حتي وإن تعلق الأمر بما لا يمكن أن يكون موضوعا للانفعال والغريزة,
 كالشريعة.

 ولسوء الحظ,
 فإنه إذا كانت جماعات الإسلام السياسي لا تجد ما تحسم به معركة الشريعة إلا هذا الجمهور
( الذي يبدو أن أحدا لا يريد له أن يغادر موقع الضحية),
فإن ذلك يكشف عن مفارقة التوافق بين نظام مبارك وبين هذه الجماعات الوارثة له; وأعني من حيث لا يريدان لهذا الجمهور أن يغادر موقع من يمارس الاختيار
(علي فرض أنه اختيار) بمنطق الغريزة والانفعال.

ولكن فيما كان نظام مبارك يخاطب غرائز وانفعالات جمهوره بالفن الردئ وكرة القدم بالذات, فإن ورثته من جماعات الإسلام السياسي يخاطبون غرائز جمهورهم وانفعالاته بالدين.
وبالطبع فإن الجمهور مستعد للتجاوب معهم, ولو حتي علي سبيل التكفير عما يراه خطايا انغماسه في رذائله السابقة, من دون أن يدري أن إرتقاءه الحقيقي سوف يتحقق, فقط, بتوقفه عن التفكير بالغريزة والانفعال, وليس بمجرد جعل الدين موضوعا لهذا النوع من التفكير الأولي.
 والمؤسف أنه إذا كان لا يقدر بذلك علي الارتقاء بنفسه, فإنه يتنزل بالدين إلي حيث يجعل منه ساحة للانحيازات والتعصبات الذميمة.

فإنه إذا كان البعض- ولأسباب سياسية ظرفية خالصة -
يتعامل مع ما يقول إنها إرادة الجمهور علي أنها البقرة المقدسة التي ينبغي السجود لها, فإنه يلزم التنويه بأن هذه الإرادة لا يمكن أن تكون موضوعا للقبول أبدا.
 بل إنها كثيرا ما تكون موضوعا للإدانة والوصم.
 فليس من شك في أن منتجي الفن الغرائزي الهابط كانوا- وسيظلون-
 يتخفون وراء ما يقولون إنها إرادة الجمهور لتبرير ما يقدمون من نتاجات رديئة. 

ليست إرادة الجمهور مرادفا للحق والصواب,
 إذن, بل إنها قد تكون غطاء للرداءة والانحطاط.
وبالطبع فإنه يستحيل الاحتجاج بأن تعلق إرادة الجمهور بالدين
(بعد أن كانت تتعلق- قبلا- بالفن الهابط),
 قد ارتقي وتسامي بها; إذ الحق أنها هي التي تحيل الدين- بل وأحالته بالفعل- إلي ساحة لانكشاف كل ما يرتبط بالغريزة والانفعال من التعصب والنزوع لتحقيق السيادة والهيمنة وسحق الآخرين.
 ومن هنا غرابة تخفي جماعات الإسلام السياسي وراء هذه الإرادة
(التي كانت موضوعا لإدانتهم, لا شك, حين تعلقت بالفن المنحط),
 لتضمين الدستور المقترح كل ما يتدني به إلي حيث لا يمكن أن يكون الوثيقة المحددة لملامح المسار المصري في القرن الحادي والعشرين.

ولابد, هنا, من تأكيد أن هذا التدني لا يرتبط أبدا بالشريعة, بل بفهم القطاع الصاخب, علي الأقل, من هذه الجماعات للشريعة; وأعني القوي السلفية بالذات.
 ولسوء الحظ,
فإن التطابق يبدو كاملا بين كل من
نوعي الجمهور والشريعة اللذين تستدعيهما هذه القوي الصاخبة.

 فإنه إذا كان قد بدا أن الجمهور الذي تهدد هذه القوي باستدعائه,
هو الجمهور كقوة تعمل خارج منطق العقل,
فإنها لا تكتفي بإستدعاء مفهوم للشريعة يتعارض مع منطق العقل, بل يعاكس
- وهو الأخطر- المجال الدلالي للمفهوم في القرآن;
وبما يومئ به ذلك من أن الخروج علي مقتضي العقل يؤول إلي الانحراف عن مقصد القرآن. وإذا كان خروجهم بالمفهوم عن مقتضي العقل يتأتي من تصورهم له كبناء مكتمل ومغلق; وبما يخرج به منطق العقل الذي يعادي الأبنية المغلقة علي العموم, فإن إخراجه عن مقصد القرآن يبين جليا في مقصد السلفيين تحويل دلالته من المبادئ الكلية إلي الأحكام التفصيلية الجزئية.

 والحق أن الصراع الراهن, في مصر, هو في جوهره
 صراع حول هذا التحويل الدلالي, وليس أبداً حول وجود الشريعة, أو عدمه, في الدستور.
 فإنه ليس في مصر من يصارع من أجل عدم تضمين الشريعة في الدستور, بل هي المواجهة مع التحويل الدلالي لها من المبدأ الكلي إلي الحكم الجزئي;
 وهو التحويل الذي تريد القوي السلفية فرضه علي الكافة,
رغم ما يبدو من تعارضه الصريح مع دلالة القرآن.

فقد مضي الفخر الرازي في مفاتيح الغيب إلي أن المقصود
من الآية: (شرع لكم من الدين),
 ديناً تطابقت الأنبياء علي صحته,
وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايرا للتكاليف والأحكام,
 وذلك لأنها مختلفة متفاوتة;
وبما يعنيه ذلك من أن دلالة الجذر شرع (ومنه الشريعة) تنصرف إلي المبادئ الكلية المشتركة التي توافق عليها جميع الأنبياء.
 وحتي إذا جاز إمكان التمييز- والقول للرازي- بين قسمين من الشرائع بحسب هذه الآية;
منها ما يمتنع دخول النسخ عليه والتغيير فيه,
 بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان, كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان, والقول بقبح الظلم والإيذاء,
 ومنها ما يتغير ويختلف مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة (المختلفة) علي الأمم, بحسب قول القرطبي,
فإن الرازي يقطع بأن الآية دلت علي أن سعي الشرع(أو القرآن)
في تقرير النوع الأول
 (المتعلق بالمبادئ الكلية)
أقوي من سعيه في تقرير النوع الثاني
(المتعلق بالأحكام الجزئية).

إن ذلك يعني أن القرآن- علي قول الرازي - يصرف دلالة الشريعة إلي القواعد العامة كالصدق والعدل والإحسان, التي يتوافق فيها الإسلام مع غيره, وهو ما بدا أن داعية السلف يرفضه علي نحو كامل.

وإذ يحيل ذلك إلي أن المعني الذي يقول به داعية السلف للشريعة,
لا يمكن رده إلي القرآن, فإنه لا يبقي إلا أن يكون الأصل فيه هو التاريخ.
 وإذن فإنه الإبدال السلفي للدلالة التي يصنعها التاريخ, بتلك التي يتداولها القرآن; وبما يؤول إلي تأكيد الفرضية القاضية بأن الوعي السلفي لا يفعل إلا أن يجعل من التاريخ دينا, أو أنه يتعبد تاريخا يظنه ديناً.
والمهم أن ذلك يعني أن السلفي يحارب معركته حول مفهوم للشريعة يتعارض مع دلالة القرآن والعقل معا, وبجمهور وضعته ظروفه في موضع الخارج عن مقتضي العقل أيضا; 
وبما يعنيه ذلك من أنها معركة اللاعقل, بل وحتي اللاقرآن.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 1/ نوفمبر /2012

الخميس، أكتوبر 18، 2012

هل نهي القرآن عن ولاية النصاري مطلقا؟



يفتح القرآن أبواباً واسعة للرحمة‏
,‏ تيسر للناس سبل العيش المشترك في سلام ووئام‏;‏
وذلك من خلال ما ينطوي عليه من ثراء الدلالات,
علي نحو يتيح تعدد الأفهام وتنوع الرؤي.

لكنه يبدو- ولسوء الحظ - أن الناس يصرون علي إغلاق هذه الأبواب عبر ضروب من التفكير والفهم الأحادي المغلق التي تعكس ما ينطوي عليه وجودهم من أشكال التحيزات والتعصبات والتمايزات والاستعلاءات وغيرها.
 فطرائق الناس في التفكير لا تنفصل عن طرائقهم في العيش أبدا;
وبمعني أن المجتمعات التي تصهر كل أفرادها في تجربة حياة مفتوحة تخلو من كل أشكال التمييز والتعصب, تسود فيها طرائق أكثر انفتاحا في التفكير,
من تلك التي تمايز بين أفرادها.

 ولقد كان ذلك ما عرفته تجربة الإسلام في بعض لحظاتها فعلا; وعلي النحو الذي عرفت فيه نمطا من التفكير المفتوح,
 كالذي ازدانت به تجربة الأندلس مثلاً

(وهي التجربة التي لا تزال تأسر خيال العديدين من الذين يتطلعون لمستقبل أفضل للعالم)

 وإذا كان من المحتم أن ينشأ عن ضروب التفكير المشبعة بالتمايزات والتحيزات قواعد ومبادئ للضبط السياسي والاجتماعي,
 فإن الاشكال ينشأ من تصور الناس أن هذه القواعد والمبادئ المتحيزة إنما تصدر عن القرآن الكريم, وليس عن طريقتهم في فهمه والتفكير فيه, التي لا تنفصل, بدورها, عن الكيفية التي يكون عليها حالهم في الواقع.
 ولو أن الناس يتعاملون مع هذه القواعد علي أنها نتاجات فهمهم الخاص, لما كان هناك أي إشكال علي الإطلاق. إذ يؤدي تصور أنها تصدر عن القرآن الكريم إلي جعلها من مصدر إلهي( وبما يعنيه ذلك من تحويلها إلي مطلقات نهائية), وأما تصورها تصدر عن طريقة الناس في التفكير والفهم, فإنه يجعل منها تكوينا ينتمي إلي عالم البشر(وعلي نحو تقبل فيه التجاوز).


ولعل مسألة العلاقة مع غير المسلمين(النصاري مثلا) تطرح مثالا لأبواب الرحمة التي يفتحها القرآن أمام الناس.
فإنه إذا كان القرآن ينطوي علي دلالة النهي عن اتخاذ النصاري أولياء, فإنه ينطوي بالمثل, ليس فقط علي ما يسمح بجواز هذه الولاية,
بل وعلي ما يقطع بحصولها فعلا.

وغني عن البيان أن ورود القول, في القرآن, بكل من النهي عن ولاية النصاري وتجويزها في آن معا, يرتبط بأن لكل من النهي والتجويز ما يبرره في اللحظة التي ورد فيها; وبما يعنيه ذلك من أن القرآن لا يقدم, في الحالين, موقفا مطلقا ينتهي فيه النهي إلي إلغاء التجويز, أو العكس, بل يقرر حكما مشروطا بشروط الواقع الفعلي القائم.
 وبمعني أنه إذا استدعي الواقع الفعلي ضرورة النهي عن ولاية النصاري
(كما حدث فعلا في لحظة كانت فيها علاقة المسلمين بهم غير مستقرة),
 فليتقرر حكم النهي, وإذا استدعي الواقع حكم جواز تلك الولاية
(كما حدث في لحظة أخري كانت فيها العلاقة بين الطرفين مستقرة وودية)
فليتقرر حكم تجويزها, فإنه ليس من حكم نهائي ومطلق بخصوصها, بل الحكم يدور مع الواقع.

تربط المصادر القديمة( موسوعات التفسير وكتب أسباب النزول) نزول آية النهي عن موالاة اليهود والنصاري بما جري في وقعة أحد 
(بين المسلمين وقريش),
 حين أصر فريق من مسلمي يثرب( المدينة) علي ربط انخراطهم في جيش النبي الكريم( عليه السلام) باستمرار موالاتهم لليهود;
وبما يعنيه ذلك من إدخالهم كطرف يلعب دوراً حاسما في المواجهة مع قريش.
 ولما كانت علاقة المسلمين باليهود (وربما النصاري) غير مستقرة منذ الهجرة إلي يثرب,
 فإن القرآن الكريم قد أورد النهي عن موالاتهم( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصاري أولياء), لكيلا يكون لتلك العلاقة غير المستقرة أثر في الإضرار بمصالح المسلمين.
إن ذلك يعني أن اضطراب علاقة المسلمين مع يهود يثرب(ومع النصاري) هو الأصل في النهي عن موالاتهم, وليس لكونهم يهودا أو نصاري.
 إنه, بلغة الفقه, هو العلة التي إذا غابت جاز أن يتغير حكم النهي إلي الجواز.

 ولعل ذلك بالذات هو ما يقف وراء ما أورده القرطبي, في تفسيره لهذه الآية, من أن أبا حنيفة قد أجاز للمسلمين موالاتهم( أي اليهود والنصاري) والانتصار بهم علي المشركين; حيث الحكم عنده يدور مع العلة وجوداً وعدماً.
فإنه لو كان النهي عن موالاتهم مطلقاً; وأعني صادراً عن مجرد كونهم يهوداً أو نصاري, لكان القرآن الكريم قد قرره منذ البدء, ولم يكن ليسمح للمسلمين بموالاتهم أو طلب النصرة منهم أبداً.
وأما أن يكون القرآن قد سمح للمسلمين بموالاة النصاري,
 والاستنصار بهم بالذات, وأقر ذلك, بل وأثني عليه,
 فإن ذلك ما تقطع به آيات التنزيل المتعلقة بواقعة الهجرة إلي الحبشة.

 فقد أورد الواحدي النيسابوري في كتابه أسباب النزول أن آية ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا النصاري قد نزلت في النجاشي وأصحابه.
 حيث يروي عن ابن عباس قوله:
 كان رسول الله صلي الله عليه وسلم بمكة, يخاف علي أصحابه من المشركين, فبعث جعفر ابن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه إلي النجاشي,
 وقال:
 إنه ملك صالح, لا يظلم, ولا يظلم عنده أحد, فاخرجوا إليه حتي يجعل الله للمسلمين فرجا, فلما وردوا عليه أكرمهم,
وقال لهم:
 تعرفون شيئا مما أنزل عليكم,
 قالوا:
 نعم,
قال:
اقرأوا, فقرأوا وحوله القسيسون والرهبان, فكلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق,
 قال الله تعالي:
 ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا, وأنهم لا يستكبرون, وإذا سمعوا ما أنزل إلي الرسول تري أعينهم تفيض من الدمع.

وهكذا تتضافر الرواية النبوية مع القرآن في التأكيد, ليس فقط علي جواز ولاية النصاري بالذات, بل وعلي وقوع هذه الولاية فعلا; حيث يروي الطبري عن المهاجرين من المسلمين قولهم:
 قدمنا أرض الحبشة, فجاورنا بها خير جار, أمنا علي ديننا, وعبدنا الله, لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه.
 وإذن, فإنه الجوار والإكرام, والأمن علي الدين والدنيا, وعدم الأذية
( وكلها من معاني النصرة التي هي معني الولاية في القرآن)
وقد عاشها المسلمون واقعا متحققا مع نصاري الحبشة.
 فهل لأحد, بعد ذلك, أن ينهي عن هذه الولاية مطلقا, أم أنه يلزمه الوعي بشروط السياق المحدد لحكمها؟.
وفضلا عن كل ما سبق, فحين يدرك المرء أن مفهوم الولاية لم يرد, في القرآن الكريم, بمعني الحكم السياسي أبدا, بل بمعني طلب النصرة فقط, فإنه لا يملك إلا القطع بأن القائل بدعوي عدم جواز ولاية النصاري, يتخفي وراء نهي القرآن الكريم
- في ظل ظروف بعينها-
عن الاستنصار بهم, ليجعل منه نهيا عن توليهم مناصب الحكم السياسي, وهو ما لا يعنيه القرآن الكريم أبدا, بل إن ذلك ما يبدو وكأن التاريخ قد فرضه; وهو ما يحتاج إلي بيان.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 18 / أكتوبر /2012


الخميس، أكتوبر 04، 2012

عدم جواز ولاية غير المسلمين

إذا كان المقال السابق
" عدم ولاية غير المسلمين .. هل هي من الدين حقاً "

قد كشف عن الحضور الطاغي لفعل القراءة‏,‏
 حتى في حال اكتفاء المرء بمجرد ترديد آيات القرآن‏,‏
 فإنه يلزم التأكيد علي أن القرآن يصبح, عبر هذا الفعل,
 موضوعا لضروب من التوجيه (الناعمة والغليظة) التي لا تكون
 ـ في غالب الأحوال ـ موضوعا لوعي الممارسين لها.


ويتحقق هذا التوجيه ليس فقط عبر إنطاق وإسكات دلالات بعينها ينطوي عليها القرآن, بل وعبر ما يبدو وكأنه إبدال الدلالات التي فرضها التاريخ بتلك التي يتضمنها القرآن.
 ولعل مثالا علي هذا الضرب الأخير من التوجيه, الذي يجري فيه إستبدال دلالة التاريخ بدلالة القرآن, يأتي من قراءة آية قرآنية تنشغل بتعيين معني المسلم والإسلام, وبما لذلك من تعلق مباشر بمسألة عدم جواز ولاية غير المسلمين;
وأعني بها قوله تعالي:
إن الدين عند الله الإسلام.
فالدلالة المستقرة, في وعي الجمهور, للآية تنبني علي أن معني الإسلام ينصرف إلي ذلك الدين الذي إبتعث به النبي الكريم محمد(,); وبما لابد أن يترتب علي ذلك من أن المسلمين هم- وفقط - أتباع هذا النبي الكريم.

ولسوء الحظ, فإن هذه الدلالة التي إستقرت, في وعي الجمهور, للفظتي إسلام/مسلمين تمثل تضييقا أو حتي نكوصا عن الدلالة التي يقصد إليها القرآن خلال إستخدامه لكلتا اللفظتين.
بل إن إختبارا لهذا الإستخدام القرآني يكشف عن أن هذه الدلالة المستقرة للفظتي إسلام/مسلمين تكاد أن تكون قد تبلورت ـ وتطورت ـ خارج القرآن,
علي نحو شبه كامل.
وإذن, فإنها تبدو أقرب ما تكون إلي الدلالة الإصطلاحية, التي تمتزج فيها المقاصد الواعية وغير الواعية لمن إصطلحوا عليها; وعلي النحو الذي تعكس فيه عناصر تجربتهم التاريخية, ولو كان ذلك علي حساب القرآن ذاته.

فإذ تنبني الدلالة الإصطلاحية علي صرف معني لفظة مسلمين مثلا, إلي أتباع النبي محمد(,) 
فحسب,
 فإن الدلالة السيمانطقية, الغالبة علي الإستخدام القرآني لتلك اللفظة ذاتها, لا تقصر المعني علي هؤلاء فقط, 


بل تتسع به ليشمل غيرهم من أتباع الأنبياء السابقين أيضا.
 وهكذا, فإن اللفظة مسلمون/مسلمين قد وردت, في القرآن, حوالي ست وثلاثين مرة, إنطوت فيها, في الأغلب, علي دلالة تسليم المرء وجهه لله, من دون أن يكون ذلك مقرونا بإتباع نبي من الأنبياء بعينه. 
بل إن بعض الآيات يستخدم لفظة مسلمون/مسلمين صراحة, للإشارة إلي من هم من غير أتباع النبي محمد(,).

ومن ذلك, مثلا, إشارته إلي بني يعقوب بإعتبارهم من المسلمين;
 وذلك في قوله تعالي:
 أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت,
 إذ قال لبنيه:
 ما تعبدون من بعدي, قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون ........ البقرة:133
والحق أن المرء يكاد يلحظ أن القرآن يكاد, علي العموم, أن يصرف دلالة اللفظة إلي فعل التسليم لله وذلك فيما تلح الدلالة الإصطلاحية علي صرف الدلالة إلي فعل الإتباع لنبي من أنبياء الله بالذات.
وتبعا لذلك, فإنه إذا كان غير المسلم هو
ـ بحسب دلالة الإصطلاح المستقرة, في وعي الجمهور ـ
 كل من لا يتبع دين النبي محمد(,), فإنه, وبحسب الدلالة المتداولة في القرآن, هو كل من لا يسلم وجهه لله; وبما لابد أن يترتب علي ذلك من أن كل من يسلم وجهه لله حقا, هو من المسلمين, حتي ولو لم يكن متبعا لدين النبي الخاتم.

 وإذ يفتح ذلك الباب أمام إدخال البعض ممن يقال أنهم من غير المسلمين إلي دين الإسلام, إبتداء من تسليمهم الوجه لله, فإنه سوف يفتحه بالمثل أمام إخراج الكثيرين ممن يقال أنهم من المسلمين, من دين الإسلام, لأنهم لا يعرفون الإسلام بما تسليم الوجه لله, بل بما هو قناع لتسليم الناس ـ أو حتي إستسلامهم ـ لهم, بدلا من الله.

 فإنه إذا كان القصد من تسليم الناس وجوههم لله وحده, هو تحريرهم من الخضوع لكل آلهة الأرض الزائفة, فإن ما يجري من تحويل الدين إلي قناع لاستعباد الناس وتيسير السيطرة عليهم لا يمكن أن يكون من قبيل الإسلام أبدا.
ولعل ذلك يكشف عن عدم إنضباط مفهوم غير المسلم; وأعني من حيث تبقي المسافة قائمة بين المعني الذي يصرفه إليه القرآن من أنه زمن لا يسلم وجهه للهس وبين المعني الذي فرضه عليه التاريخ من أنه زمن لا يتبع نبوة محمد عليه السلام.

 وبالطبع فإنه لا مجال للإحتجاج بأن معني الإسلام, بما هو تسليم الوجه لله, قد تحقق علي الوجه الأكمل مع نبوة النبي الخاتم محمد(,), فإن القرآن يتضمن بين جنباته ما يزحزح هذا الإعتقاد; وذلك حين يمضي إلي أن ثمة من اليهود والنصاري والصابئة من يتشارك مع المؤمنين بنبوة محمد عليه السلام في تسليم الوجه لله حقا,
وأنهم ـ لذلك ـ لهم أجرهم عند ربهم...
ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
إذ يقول تعالي:
 إن الذين آمنوا( يعني بمحمد) والذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم...البقرة:62.
 وهكذا فإن القرآن لا يقصر معني الإسلام بما هو تسليم الوجه لله ـ حتي بعد إبتعاث النبي محمد(,) ـ علي المؤمنين بنبوته فحسب,
بل إنه يتسع به ليشمل غيرهم أيضا.

 وغني عن البيان أن ذلك يرتبط بحقيقة أن مدار تركيز القرآن هو علي فعل تسليم الوجه لله وحده وليس علي الباب الذي يتحقق من خلاله هذا الفعل,
 وحتي علي فرض أن القرآن يمضي إلي أن الباب الأكمل لتحقق هذا الفعل هو باب النبي محمد(,),
 فإنه لم يدحض إمكان تحققه من غير هذا الباب أيضا.

يبدو, إذن, أن التاريخ, وليس القرآن,
 هو ما يقف وراء تثبيت الدلالة المستقرة للآية القرآنية إن الدين عند الله الإسلام
 وهو ما يدرك من يستدعي هذه الآية أنه سيلعب دورا حاسما في توجيه المتلقين لها إلي إنتاج ذات الدلالة المستقرة.
وهو يدرك أيضا أن إثارة المعني السيمانطيقي المتداول في القرآن للفظة إسلام سيؤدي, لا محالة, إلي زحزحة الدلالة التي قام التاريخ بترسيخها, ومن هنا أنه يسكت عنه تماما, رغم ما يبدو من ظهوره الجلي في القرآن.
 فهل يدرك المتلاعبون سياسيا بالإسلام أنهم ينحازون للتاريخ علي حساب القرآن؟

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 4 / أكتوبر /2012

الجمعة، سبتمبر 21، 2012

عدم ولاية غير المسلمين‏....‏ هل هي من الدين حقا؟




لو تصور المرء حواراً
 بين من ينسب نفسه إلي المدنية 
وبين خصمه الساعي إلي أسلمة الدولة‏ 
في مصر هذه الأيام
( وليكن حول قاعدة عدم جواز ولاية غير المسلمين),
فإنه سيجد أن من ينسب نفسه إلي المدنية
 لا يعرف ما يرد به علي خصمه
إلا أن جملة دعاواه, ومن بينها دعوي عدم جواز الولاية, لا تتفق مع ما تقوم عليه دولته(المدنية!) من مبدأ عدم التمييز بين البشر علي أساس الدين, أو غيره.

 وعندئذ, فإن الساعي إلي أسلمة الدولة سوف يرد علي خصمه المسكين بأنه ليس مشغولا بتعارض دعاواه مع ما تقول به المدنية, مادامت تأتي متفقة مع ما يقول به الدين.
 وبحسب ذلك, فإن صاحب خطاب الأسلمة لا يكتفي بإحراج خصمه المسكين عبر هذا الوضع للمدنية في تعارض مع الدين, بل عبر ترسيخه لمقولة أن دعوي عدم جواز ولاية غير المسلمين هي مما يقول به الدين.
 ولعله يلزم التنويه, هنا, بأن دعاة الأسلمة يقيمون احتجاجهم علي سائر دعاواهم علي العموم, علي قاعدة أنها من فرائض الدين ولوازمه. فهل هي فعلا هكذا, أم أنها محض قواعد اجتماعية وسياسية راحت تنسب نفسها إلي الدين لتكتسب منه الرسوخ والحصانة وقوة الإلزام؟

وإذا كانت الخطوة الحاسمة في جعل قاعدة ما جزءا من الدين تتمثل في التماس أساس لها من القرآن خاصة, فإنه كان لابد لفعل الالتماس هذا( وهو فعل معرفي بالأساس) أن يكون موضوعا لتحليل يكشف عما فيه من قراءة تعتبر نفسها قرآنا.
ومن هنا ما جري من انشغال المقال السابق بالإلماح إلي الآلية المهيمنة علي قراءة القرآن; علي النحو الذي يؤدي إلي إنتاج دلالة بعينها لخدمة موقف إجتماعي وسياسي معين.
وقد ارتبط هذا الاستهلال بالقصد إلي تحرير القرآن من المسئولية عن قول بعينه في مسألة محددة, لتوضع( هذه المسئولية)
علي كاهل آلية القراءة المهيمنة علي التعامل معه.

 فمنذ اللحظة التي يصبح فيها القرآن موضوعا لفعل القراءة( الإنساني بطبيعته), فإنه ليس لأحد أن يقطع بأن القرآن يقول كذا في مسألة ما, بل يتوجب عليه تقرير أن فعله القرائي يوجه القرآن إلي هذا القول في تلك المسألة.
 وحين يدرك المرء أن القرآن قد أصبح من لحظة تنزيله موضوعا لقراءة, فإنه يلزم تأكيد أن الكثير مما ينسب للقرآن قوله, إنما هو نتاج فعل قراءته بالأحري.
وهنا فإنه إذا كان فعل القراءة هو فعل بشري, بطبيعته
( وبما يعنيه ذلك من أن ما ستجري نسبته إليه سوف يكون بشريا بدوره)
, فإن نسبة القول إلي القرآن( ذي المصدر الإلهي) في المقابل, إنما تقصد إلي جعله قولاً إلهياً,
 وعلي النحو الذي تستحيل معه زحزحة الدلالة المراد تثبيتها به.

 وهكذا يفعل كل من يقصدون إلي تثبيت موقف ما(اجتماعي أو سياسي خاصة),
حين يجعلون منه موضوعا لقول إلهي أورده القرآن, متجاهلين أن ما يفعلونه هو فعل قراءة, ولو اكتفوا بمجرد الاقتباس من القرآن.
ولأن ثمة من قد يربط فعل القراءة عنده بأعمال التفسير والتأويل فحسب, فإنه يلزم تأكيد أنه يتجاوز مجرد ذلك; وإلي حد أن مجرد استدعاء آية قرآنية للقطع بها في مسألة ما, ومن دون أن يكون هذا الاستدعاء مصحوباً بأي شروح أو تفسيرات, هو فعل قراءة.
وذلك من حيث يعرف من يستدعي آية من القرآن في موقف بعينه, أن هذه الآية, استنادا إلي نوع المعرفة المستقرة بين الجمهور المتلقي, سوف تنتج الدلالة التي يقصد إلي تثبيتها خاصة. إن ذلك يعني أن إنتاج دلالة القول القرآني بمجرده لا تنفصل عن المعرفة السابقة المتداولة بين الجمهور; وهي معرفة إنسانية بطبيعتها, فضلا عن أنها تكون نتاجا لفعل القراءة.
 وهكذا فإن المرء يكون ممارسا للقراءة, حتي وهو لا يفعل إلا أن يستدعي الآية بمجردها من القرآن, مادام ما أنتجته القراءات السابقة سوف يلعب الدور الحاسم في إنتاج دلالتها.
وعلي العموم, فإن القرآن, بمجرد دخوله دائرة الاستخدام الإنساني علي أي نحو من الأنحاء( وأعني كموضوع للتفسير أو الاقتباس), يصبح موضوعا لفعل قراءة; وبما لابد أن يتبع ذلك من أن كل ما ينتج عن هذا الفعل هو من قبيل النتاج البشري.
فهو يدخل, بالقراءة, في بناء تراكيب تنتمي لعالم البشر, ولا يمكن الادعاء, أبدا, بأن هذه التراكيب ذات أصل إلهي.

 ولعل الوعي بالطبيعة البشرية لتلك التراكيب, يظهر في حرص علماء المسلمين علي إنهاء قولهم في مسائل الدين, بتعبير والله أعلم; إقرار منهم بالمسافة الفاصلة بين ما يقدمون من اجتهادات محدودة, وبين علم الله اللامحدود.
 إن ذلك يعني أن أحداً لا يمكنه الإدعاء بأن ما يقوله, يتطابق مع قول الله أو علمه; حتي لو كان لا يفعل إلا أن يردد آيات القرآن; وأعني أن قوله سيبقي مجرد تركيب بشري لا يطابق مراد الله أو علمه أبدا.
ولعل ما يدعم فكرة أن ما يقوله الناس, منسوبا إلي القرآن, هو قول القراءة
(أعني قراءتهم), وليس قول القرآن, هو ما يكاد يبين للجميع من أنه ليس للقرآن قول واحد في المسألة بعينها, بل إن له أقوالا فيها تتنوع, بحسب تنوع السياق الذي يتم طرحها داخله.
 وغني عن البيان أنه حين يحتفظ القرآن, في بنائه, بتلك الأقوال المتنوعة حول تلك المسألة بعينها, فإن رفع دلالة قول منها, وتثبيت التي تخص القول الآخر, لابد أن يكون مردودا إلي فعل القراءة, وليس إلي القرآن.

 وهكذا, مثلا, فإنه حين يشتمل القرآن علي قولين مختلفين عن غير المسلمين
( وأعني النصاري خاصة);
أحدهما يحمل دلالة إيجابية,
 كقوله تعالي:
 ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصاري...المائدة:82,
 والآخر ينطوي علي دلالة سلبية,
 كقوله تعالي:
 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصاري أولياء....المائدة:51,

فإن تثبيت دلالة أحد القولين علي أنها موقف القرآن المطلق والنهائي من النصاري, لا يكون قولاً قرآنياً, بل فعلاً قرائياً.
حيث القرآن حامل للدلالتين(الإيجابية والسلبية) معاً, وفعل القراءة هو الذي يتجه إلي تثبيت إحداهما علي حساب الأخري.
وبالطبع, فإن وجهة الفعل القرائي تتحدد بنوع العلاقة التي تربط المسلمين بالنصاري في وقت تحققه;
 وبمعني أنه إذا كانت العلاقة الواقعية بين المسلمين والنصاري هي علاقة عداء وخصام, فإن فعل القراءة سيقصد إلي تثبيت دلالة القول القرآني ذي الطبيعة السلبية, بإعتبار أنها المحددة لموقف القرآن النهائي والمطلق من النصاري.

 وأما إذا كانت العلاقة الواقعية بين المسلمين والنصاري علاقة مودة وسلام, فإن فعل القراءة سيمضي- علي العكس- في اتجاه تثبيت دلالة القول القرآني ذي الطبيعة الإيجابية; بما هي الحامل للموقف المطلق من النصاري.
لكنه يبقي لزوم الوعي بالكيفية التي يجري بها هذا التوجيه للدلالة; وهو ما سيكون موضوعاً لمقال مقبل.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 20 / سبتمبر /2012




الخميس، سبتمبر 06، 2012

عدم ولاية غير المسلمين‏..‏ القرآن والقراءة




تتجلي الآلية الأصرح‏,‏
 التي يشتغل بها خطاب تديين السياسة‏-‏ الذي يتعالي مده في عالم ما بعد الثورات العربية‏-‏ فيما يقوم به المشتغلون‏,‏ في حقل هذا الخطاب‏,‏ من استدعاء ما ينسبونه إلي الدين من القواعد والمحددات‏,‏
 لتقييد مجال الممارسة السياسية بها‏.‏

ورغم ما يبدو من الفاعلية شبه المطلقة لهذه القواعد والمحددات بسبب رسوخها في المخزون الحي الغائر في الذاكرة الجمعية للجمهور الذي يتعامل معها- تبعا لذلك - بما هي من المسلمات غير القابلة للسؤال, فإنه يلزم التنويه بما يعرفه المشتغلون في مجال الدرس الإسلامي
(علي النحو الاستقصائي العلمي, وليس الإنشائي الوعظي),
 من أن الكثير من هذه القواعد المنسوبة إلي الدين
(وخصوصا في مجالي الممارسة السياسية والاجتماعية بالذات),
هي محض تحديدات فرضتها مقتضيات الضبط السياسي والإجتماعي, ثم راح يجري إخفاءؤها وراء قداسة الدين لإكسابها الديمومة والرسوخ.
ولعل ذلك يستلزم طريقة في التعامل مع مثل هذه القواعد, علي النحو الذي يفتح الباب أمام تحرير مجال الممارسة من سطوتها; وهو الأمر الذي لن يكون ممكناً إلا عبر تحرير الدين, نفسه, من قبضتها أولاً;
 وأعني من حيث يجري توظيفه كقناع لإضفاء القداسة علي ما ليس منه في الحقيقة.
ولعله ليس من سبيل إلي ذلك كله إلا عبر السعي إلي نزع القشور والرقائق الدينية التي تحيط بالنواة الصلبة للقاعدة موضوع التحليل, علي نحو تنكشف معه طبيعتها المتخفية, مع ما يصاحب ذلك من بيان المراوغات التي أمكن عبرها مراكمة تلك الرقائق الدينية التي استحالت إلي أقعنة كثيفة تتواري خلفها الطبيعة السياسية أو الاجتماعية للقاعدة.
 ولأن نقطة البدء في مسار مراكمة تلك الرقائق الدينية حول القواعد ذات الطبيعة السياسية والاجتماعية, تتبدي في سعي المشتغل تحت مظلة هذا الخطاب إلي التأسيس النصي لتلك القواعد من القرآن, فإنه يلزم التنويه بأن هذا الفعل التأسيسي ينطوي علي ضروب من التوجيه( عبر الانطاق والإسكات للقرآن)
علي النحو الذي ينتهي إلي تثبيت القاعدة المرادة بوصفها ديناً يكون مطلوباً من الناس أن يتعبدوا به الله.

ولعل ذلك ما يؤكده الاشتغال علي القاعدة المستقرة الخاصة بعدم جواز ولاية غير المسلمين التي يكشف التحليل عن مراوغات توجيه القرآن باتجاه تثبيتها, كقاعدة تعمل علي نحو مطلق; وبصرف النظر عن تحديدات السياق وشروطه.
وهكذا فإنه, وعلي الرغم من أن الإنسانية قد انتقلت من سياق كان فيه الدين هو الأصل المحدد لهوية الفرد والجماعة( وبما يترتب علي هذا التحديد من إخلاء المركز لصاحب الدين/السيد, وإقصاء أتباع الديانات الأخري إلي الهامش), إلي سياق التحديد السياسي لتلك الهوية( بما يفرضه هذا التحديد من الحقوق والواجبات المتساوية), فإن فاعلية تلك القاعدة تظل مستعصية علي التحدي للآن; وإلي حد ما جري من التلويح المباشر بها, من جانب القوي السياسية السلفية, في مواجهة ما تردد من الاتجاه إلي تعيين نائب قبطي لرئيس الجمهورية.


ولسوء الحظ, فإن هذا التشغيل للقاعدة علي نحو مطلق,
 وبصرف النظر عن شروط السياق وتحديداته, لم يتحقق إلا عبر ضروب من ضغوط الإكراه والإسكات التي مورست علي القرآن بنعومة, ولكن بلا هوادة.
 وعلي الرغم من أن هذه الضغوط ذات أصل سياسي واجتماعي بالأساس,
 فإنها قد راحت تحقق نفسها في شكل مبادئ وقواعد للفهم والترجيح التي قيل باستحالة أي مقاربة للقرآن إلا من خلالها, وفقط. فإن الاجتماعي والسياسي يسعي, علي الدوام, إلي إخفاء تحيزاته الذاتية الغليظة وراء رهافة المعرفي وما تبدو أنها موضوعيته.
 وهكذا فإنه إذا كان القصد هو تثبيت واقع سياسي واجتماعي بعينه, فإن هذا القصد لا يحقق نفسه مباشرة, بل إنه يتخفي وراء مقاربة معرفية للقرآن تقوم علي إهدار السياق بما هو السبيل الوحيد لإطلاق الدلالة وتثبيتها علي نحو نهائي. وضمن هذه المقاربة المعرفية, فإن هذا الإهدار للسياق سوف يؤسس نفسه علي قواعد ومفاهيم من قبيل الناسخ والمنسوخ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, وغيرها. 

وبالرغم من عدم إمكان المجادلة في أن هذه القواعد والمفاهيم,
المشار إليها وغيرها,
إنما ترتبط بالأفق العقلي والمعرفي والسياسي والاجتماعي الذي تبلور فيه وعي مبدعيها, فإنها قد استحالت إلي ما يشبه الأقانيم المقدسة التي يستحيل إلا التسليم بها, وممارسة الفهم من خلالها وحدها,
وعدم التعرض لها بالمساءلة والمحاورة.

 ولعله يلزم التنويه, هنا, بأنها قد اكتسبت هذا الوضع الذي تعالي بها إلي خارج حدود المساءلة, في عصور الجمود والعجز عن الإبداع; حيث تكشف القرون الأولي من تاريخ الإسلام عن نوع من الحوار المنفتح- الذي تحفظه بطون دواوين التفسير- مع تلك القواعد والمفاهيم.
ولعله يلزم التأكيد, هنا, علي أن هذا التوجيه للقرآن إلي إنتاج دلالة آحادية مطلقة- عبر وساطة تلك القواعد والمفاهيم التي أحالتها عصور الجمود المتأخرة إلي أقانيم مقدسة- إنما يرتبط بتصوره كسلطة يراد توظيفها من أجل تسييد وتثبيت موقف سياسي واجتماعي بعينه.
 فإنه إذا كان الإطلاق والأحادية يشكلان جوهر السلطة في الإسلام, منذ وقت مبكر نسبياً; وذلك من حيث ما تكشف عنه كتب الفقه السياسي من إنبناء صورة السلطان بالتمثيل علي صورة الله



(حيث الحضرة الإلهية لاتفهم-علي قول الغزالي-إلا بالتمثيل علي الحضرة السلطانية)
, فإن ذات الإطلاق والأحادية كانا لابد أن يحددا عالم الدلالة في القرآن. ويرتبط ذلك بأن حراسة سلطة ذات طابع أحادي وإطلاقي (في المجالين الاجتماعي والسياسي), سوف تكون أمرا ميسورا إذا ما تم تقييد الدلالة في القرآن لتصبح مطلقة وأحادية, بدورها.
إذ يهدد عالم الدلالات المفتوحة المتنوعة أحادية السلطة وإطلاقيتها, بما يحيل إليه من إمكانات تعدد الأفهام وتباين الرؤي.

 وعلي النقيض من ذلك, فإن التعامل مع القرآن باعتباره فضاء مفتوحا لفيوض من الدلالات المتنوعة( أو حتي المتباينة), إنما يرتبط بتصوره كساحة رحيبة يتواصل فوقها البشر في سعيهم إلي بناء عالم يتسع لهم جميعا, من دون إزاحة أو إقصاء بسبب الاختلاف في الدين أو اللغة أو العرق.
 وإذن فإنه الصراع, في الجوهر, بين القرآن كقناع لسلطة( أحادية ومطلقة) تسحق الناس جميعا( مسلمين وغير مسلمين), وبينه كساحة يؤكدون عليها التنوع الذي أراده الله لهم.

ولسوء الحظ, فإن كل هذه الإكراهات, السابق بيانها, قد اشتغلت جميعا,
 وعلي نحو مثالي وصريح, في سياق توجيه القرآن إلي النطق بقاعدة عدم جواز الولاية السياسية لغير المسلمين.
 وأعني من حيث إنه إذا كانت السلطة تحضر, في إطار هذه القاعدة, أحادية ومطلقة, فإن الدلالة تحضر علي هذا النحو أيضا; وبما يفرضه هذا الحضور (الأحادي والإطلاقي لها) من القواعد والمفاهيم التي تتضافر في تثبيتها. وهنا يشار, بالذات, إلي قاعدتي النسخ والإجماع, اللتين لعبتا الدور الأبرز في ضروب الإكراه التي مورست علي القرآن;
وكل ذلك مما يحتاج إلي بيان, سوف يكون موضوعا لمقال قادم.

تم النشر في جريدة الأهرام بتاريخ 6 / سبتمبر /2012